مباغتٌ بالغياب، كأنما الفقد قد عَقدَ حلفاً عائليّاً معي.
أبي، كان أول سطر في ذلك السرد الجنائزي. أبي، الذي لم تزل الكتابة ساجدة تحت عرشه رغم الغياب.
كانت الساعة الآثمة، حين دقّ الغزاة على الدار، وانتزعوا وردة من حدائق عينيه، قبّلتُها، ثمّ سوّيتها وطناً في القصائد، أهزوجة في شفاه البنات، وأوّل تلويحة بالطريق.
قال لي: سوف أرجع في صحوكم، حين أضغاث أحلامكم..
صبيّاً كنتُ، إذْ حملوه، والكافور يسبق خطوهم.
هتفتُ بهم، وسيف رجولتي الأولى يضيءُ بريقه جسدي:
لمنْ يتحدث الأطفال؟ أشجار المحبّة هل ستزهر في صدور الناس؟ كيف يجيء فجره حاسراً، من ذا يكلله؟
أجب يا صمتهم، يا موتهم؟
تلا ذلك غياب أمي، أمّي، التي شيّعتها النهارات في فرح موسمي. لم تزل حتى اللحظة، وهي تطلّ عليّ من الغيب، سمرتها القروية، نقشة حنّائها، والثياب الخجولة. أكتب: أمّي.. يتفتّح زهر الطفولة في الصفحة الورقية.
هو الحزن يقطف غصن الطمأنينة الغضّ.
كاد الصبح يخبّئُ طلعته، عندما أبصر الموت في مدخل الحيّ، يزحف، يزحف. قالت لنا والجلال يسير إلى قبّة الضوء، مغتسلاً بالبياض: هو الموت لا ريب فيه.
أعزل، غدوتُ، لا جدار يسند ظهري، ويخلّصني من مكر العالم، وحيداً في البرية وضراوة الهجير.
ثم اختطفت يد المنون جدتي، الفضاء النابض بالحكايات، كانت في سنواتي الأولى تسرد لي عن نساء يسرّحْن شعورهنّ قرب سنابل الذرة، ويسدلنها في الخفاء سلالم للعاشقين، تسرد عن رجال، تتزيّن خواصرهم بالسيوف والطلقات، تحدّثني عن جنيّات، وطيور خضراء تتوشّح بالأمل. تحكي لي حتى أهبط في نعناع النعاس، النعاس الذي يأخذني إلى أحلام لا تقلّ لذّة وغرابة عما روتْه جدتي.
العام الماضي، سقطتْ آخر ورقة ذات بهاء باذخ من شجرة العائلة، خالتي: شقيقة أمي، كانت لنا أمّاً ثانية، منذ طفولاتنا أنا وبقية إخوتي، آخر ساردة لهواء الأسلاف، وللقصص الممهورة باللوعة.
خالتي، فاطمة ناصر، تلك التي تتحدث عن الآلام وكأنما تضيء مصابيح في شوارع قلبي، مصابيح تحرّض الكتابة على اجتراح فتنتها.
تلك السيدة الجميلة، الطيبة القلب، كالفرائض والنذور. عقب غيابها، كنتُ كمن يسقط في هاوية لا قعر لها، عارياً أمام الخرائب ومرارة الموت.
حينئذ، شرعتُ في الكتابة عنهم، كي لا يستهدفهم النسيان، ثمّ ينظر، مادّاً لسانه في سخرية من خلف قضبان الليل، شرعتُ بالكتابة، حتى لا يطمسهم المحو، ويسحبهم كجثّة بأظافره.
أجل، ذهبوا كما تذهب الأماني، بيد أنهم الآن، يتنزّهون في سهوب الكتابة، وفي أعالي السماوات.
استحالوا نصوصاً مغمورة بالنشيج، وقصائد مقفّاة بالعويل والدمع.
أعرف أن الموت قد انتصر عليّ في سجالاته المتكررة، ولا سلاح أشهره في وجهه المتجهّم غير سيف الكتابة.
لن نقف مكتوفي الأيدي، منكّسي الرؤوس قبالة سنبلة تحتضر، أو وردة تسقط من غير سابق إنذار. فلنكتب شيئاً ما، شيئاً يشبه النشيد الغامض للأشجار قبل سقوطها أمام أقدام الحطّابين، ولننقلْ عدْوى الكتابة للفتيان، للضواحي المهجورة، وللقرى التي لا تُرى أبداً في الخرائط. حسبنا أن الكتابة، طعنة رحيمة في خاصرة الوجع.
اكتب عن المكائد
عن العتمة الأزلية
اكتب عن سواحل سادرة في عطشها
عن مدن تقارع الخيبة عزلاء،
عن امرأة يحاصرها الشغف والنسيان
لا تهادن، ولا تتساءل كيف تُزوّر زرقة البحر،
وترتعش البلاغة في حضرة السيوف.
اكتب قبل أن تبدأ العاصفة.
بالكتابة تبدو الحياة أحسن حالاً،
ويتراجع منسوب الكآبة والبؤس
من وجوه الناس.
بالكتابة تصلي الرياح بطمأنينة في الحقول،
وتغمض الزوابع أعينها في حضرة الصحاري.
بالكتابة تخرج النوارس من البحر،
وتقف وجهاً لوجه أمام الصيادين،
ثم تغسل الحقائب من وعثاء السفر.