من الظواهر التي تستدعي الاهتمام والتنظير والمقاربات؛ نجد ظاهرة الإرهاب في كل تجلياتها، وفي كل المجالات: دينية، سياسية، اجتماعية، اقتصادية. هذا الاهتمام بالظاهرة يفرضه علينا حجم الدمار المستمر في كل مكان. ودون الدخول في عمق هذا الموضوع المتشعب والمتداخل الجوانب؛ نتوقف مع نوع خاص من الإرهاب هو إرهاب الشبكة العنكبوتية، انطلاقاً من رؤية لأحد الباحثين، وهو أماندام باركر.
إن إرهاب الشبكة العنكبوتية يمثل لقاء بين الإرهاب وهذا المجال الجديد، وقد نشأ هذا النوع من الإرهاب نتيجة البحث من جانب الإرهابيين عن طرائق ومجالات جديدة يوجهون من خلالها ضرباتهم إلى المجتمع، ولهذا فلا بد حسب أماندام باركر من إقرار أن أي مظهر حضاري للمجتمع يمكن أن يكون عرضة وهدفاً للاعتداءات الإرهابية، بما فيها البنيات التحتية لمؤسسات غاية في الحساسية والخطورة.
وبخصوص تعريف الإرهاب، يرى باركر أنه لا يوجد اتفاق دولي على تعريف محدد للإرهاب، يقول عن ذلك (اقترح العديد من الحكومات والباحثين والعاملين في هذا المجال من المتخصصين العديد من التعريفات، التي قد تتفق في بعض المعايير وتختلف في البعض الآخر. إلا أنه وحتى الآن لا يوجد اتفاق أو توصيف موحد للإرهاب، ومن الطبيعي أن ينطبق ذلك أيضاً على إرهاب الشبكة العنكبوتية، خصوصاً أنه يعتبر ظاهرة حديثة في عالم الإرهاب). لكن هذا لا يعني أن الظاهرة لم يتم تعريفها، يذكر باركر مثلاً أن بعض الباحثين قد اتفقوا على تعريف موحد، وذلك من واقع ما قاموا من أبحاث في هذا المجال مع تعريفات اقترحتها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، جاء فيه: (إنه فعل إجرامي أو مجموعة من الأفعال الإجرامية المقصودة والمخطط لها مسبقاً. وتكون ذات طبيعة سياسية، أو اجتماعية أو دينية، ويمارس من خلال محاولة الوصول إلى معلومات أو أنظمة أو برامج حاسوبات إلكترونية أو قاعدة بيانات خاصة بها. وينتج عنها أعمال عنف أو خسائر فادحة ضد المواطنين على يد مجموعة داخلية أو عملاء يعملون في السر). إذن فأي عمل مشين يعد جريمة.
وصلة بموضوعنا يرى باركر أنه وبالرغم من أن تهديد الشبكة العنكبوتية أصبح حقيقة تخشاها حكومات العالم اليوم؛ فإن عدم تعرضها لأي هجوم من هذا النوع بعد، يجعل من الصعب التنبؤ بالإجراءات الوقائية الواجب اتخاذها للحيلولة دون وقوعه أو التقليل من فداحة الخسائر إذا وقع بالفعل، يقول (إن لجوء المجموعات الإرهابية المختلفة إلى إمكانات الشبكة الدولية وتقنياتها المتقدمة، سواء في تجنيد عناصرها أو في الحصول على التمويل أو التدريب اللازم؛ أمر معروف وشائع الحدوث في عالمنا اليوم. إلا أن استخدام هذا التقدم الهائل والإمكانات التقنية العالية لهذه الوسيلة في توجيه ضربات واستهداف مصالح لا يزال غير واضح. ومن هنا كانت الصعوبة في تقدير حقيقة التهديد الذي قد يتعرض له العالم، وبخاصة بعد تضاؤل المعرفة الخاصة بنوع الخسائر أو حجمها. إلى جانب الجهل بمعرفة القدرات التقنية الحقيقية للجماعات الإرهابية. وأخيراً عدم امتلاك القدرة على تكوين تصور جاد للأهداف التي يمكن أت تكون عرضة للاعتداءات الإرهابية عبر الإنترنت).
الإرهابيون واستخدام التقنية الحديثة
يرى هنا باركر أنه على الرغم من عدم لجوء الإرهابيين بعد إلى هذه الوسيلة في توجيه الهجمات الإرهابية، فإنهم لا يجهلونها بالكامل. بل إن بعض الجماعات الإرهابية مثل تاميل التايجر بسيرلانكا وأورم شينريكو باليابان قد استخدمت بالفعل وسيلة شبيهة بهجمات الشبكة ضد الحكومات. وكمثال على استخدام التقنية يقول باركر: (ومن المعروف أن تنظيم القاعدة الإرهابي، والمسؤول عن اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر يستخدم بشكل منتظم نظام الحاسوب في عمليات تنظيمية كثيرة. وحكومة الولايات المتحدة يحدوها اعتقاد راسخ أن القاعدة تدرب أعضاؤها على تقنيات وخطط الإرهاب العنكبوتي. وهي تستدل على ذلك بما وجدته في حوزة بعض أعضائها ممن قبضت عليهم بقاعدة باكستان، حيث كشفت بيانات حاسوباتهم عن معلومات غاية في السرية تتعلق بالبنى التحتية الأمريكية).
أهداف إرهاب الشبكة العنكبوتية
لا يقتصر إرهاب الشبكة العنكبوتية على أنظمة الحاسوبات وحدها، وذلك لأن نقطة تركيزه تنصب في الأساس على كم ضخم من المعلومات التكنولوجية. يقول باركر: (ومن المعروف إن إرهاب الإنترنت يمكن أن يهاجم أنظمة علاجية، مما قد يعرقل سير النظام العلاجي بالمستشفيات أو يفسد الأجهزة، مثل أجهزة تنظيم ضربات القلب، أو أجهزة الحفاظ على الحياة، كما يمكن أن يعرقل أجهزة الحاسوبات التي تتحكم بالسيارات أو أجهزة التحكم في حركة المرور. كما يمكن أن يوجه هجومه إلى مفاعلات كهربائية، وأنظمة اتصالات عامة أو البنى التحتية للبنوك/الاقتصاد. ومن الممكن أن يركز إرهابيو الشبكة، هجومهم على الجيش، بما فيه المعدات أو وسائل الاتصال). وهذا الأمر يفرض على الدول التعجيل في تطوير تقنيات وقائية قصد التصدي لأي عمل إرهابي.
من هذا كله، يتضح بلا أدنى شك، أن إرهاب الإنترنت، حقيقة أكثر منه مجرد افتراض، لذا فمن اللازم على الحكومات أن تتخذ إجراءات وقائية قبل أن تقبل جماعات إرهابية على ممارسة عمليات إرهاب حقيقية من خلال الإنترنت. يقول باركر: فبادئ ذي بدء، على الحكومات أن تفترض أن كل البنى التحتية التي تعتمد على التكنولوجيا الحديثة وإدارة عملياتها تعتبر عرضة لهجوم إرهابي عبر الإنترنت.
لا شك إذن حسب باركر أننا في أمس الحاجة إلى نظام كامل للطوارئ شبيه بالموجود حالياً للنجدة أثناء الكوارث الطبيعية. كما أن التعاون ضروري بين مختلف هيئات الحكومة. يقول: (إلا أن هناك مشاكل عديدة مرتبطة بارتفاع تكاليف تطبيق هذه الدرجة العالية من التأهب والاستعداد. فإجراءات اتخاذ تدابير الوقاية المتقدمة باهظة الثمن. وبما أن الإرهاب عموماً ليس له حدود، فإن إرهاب الإنترنت ينطبق عليه نفس الشيء. وهذا يشكل عائقاً لكثير من الدول التي لا تملك قدرة توفير معدات حماية كل البنى التحتية شديدة الحساسية والخطورة). وما دام الأمر بهذه الصعوبة فلا بد من تحديث مستوى التقنية حتى تصبح الحماية فعالة.
هكذا إذن أصبح إرهاب الإنترنت هاجساً ومصدراً للقلق، مما يستوجب اتخاذ إجراءات حماية ووقاية سريعة من جانب الحكومات. يقول باركر: (إن إرهاب الإنترنت أصبح حقيقة أمام أعيننا جميعاً، ولم يعد مجرد فرضية يشكك في مدى جديتها، لذا نجد اليوم مزيداً من الأكاديميين والمتخصصين في شتى المجالات إلى جانب الحكومات بطبيعة الحال؛ وقد أصبحوا أكثر وعياً وإدراكاً بخطورة خسائر وأضرار مثل هذا الهجوم، الذي يتأثر به كل من الإنسان والمنشآت على حد سواء).
انطلاقاً مما سبق نخلص إلى أن الظاهرة الإرهابية في عموميتها وخصوصيتها ظاهرة جداً معقدة، مما يعني في الوقت نفسه، أن مواجهتها أمر بالغ التعقيد، إذ من الصعب مواجهتها أمنياً وإهمال جانب التعليم، والدين والأعراف، والسياسية والاقتصاد، والتكنولوجيا، وهو أمر لن تفلح فيه دولة واحدة بقدر ما يستلزم تعاوناً دولياً.