مجلة شهرية - العدد (601)  | أكتوبر 2026 م- ربيع الثاني 1448 هـ

الخبز المعجون بالدمع والألم

فيما تحتفظ به الذاكرة عن (العينية)، فلقد كان يكتظ بالسائرين تجاه حرم ومثوى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إلا أن الفتى توقف ذات يوم، بين وقتي العصر والمغرب، وعند الشارع الفرعي الموصل إلى العينية، ويُدعى بـ(سوق الحراج)؛ فلقد رأى أحدهم يسير متمايلاً، ويمسك بإحدى قدميه، عند الساق تحديداً، ومما زاد في درامية المشهد أن هذا الشخص الذي يسير على هذان النحو غير المستقيم، كان حافي القدمين، حاسر الرأس، وكانت ملامح وجهه تنبئ عن سحنته غير العربية، ولم يكن في حالته أو مشيته تلك يؤذي أحداً، بمقدار ما كان يثير التساؤل عن سبب ذلك العجز الذي حل به، وعن الحي الذي ينتمي إليه في البلدة الطاهرة. وقد عرف عن طريق كبار السن من جلساء والده، ومن رجالات حي المناخة الذين لا تفوتهم صغيرة أو كبيرة عن أحوال الآخرين، ولم يكن ذلك من باب الفضول بمقدار ما كانوا يتمتعون به من عطف وشفقة ومراعاة لأحوال الآخرين، والعمل على قضاء حوائجهم؛ فأتته الإجابة من أحدهم بالقول بأن ذلك الشخص الذي رآه يتمايل في مشيته ما هو إلا قنصل أو سفير سابق، كما أنه يصنف -من ذوي المعرفة- بأنه يحسب من أرباب القلم. ثم مرت السنوات، وسرد الحكاية على مسمع أستاذه المربي والأديب والمؤرخ وأحد أعضاء أسرة الوادي المبارك، والتي كانت تعد رابطة لأدباء ومثقفي البلدة الطاهرة -المدينة المنورة، فصمت أستاذنا حميدة، ثم أخذ يتمتم بحيث يسمع المريد عباراته، (إنه أستاذنا محمد عالم أفغاني الذي يعد هو والأديب أحمد رضا حوحو ممن أصلوا لفن القصة والحكاية في بيئتنا المحلية).
ثم أردف: (هذا الإنسان كان من أذكى أنداده، فلقد كان يجيد لعبة الشطرنج، حتى بعد أن أصيب بداء عصبي، لكن المرض لم يمكنه من ممارسة حياته بشكل طبيعي، فلقد كان يقصد دار ابن المدينة آنذاك، عبدالله السديري، ومن بعده ابنه عبدالرحمن -أمد الله في عمره، وكان موهوباً في كثير مما كان يعد في حقبته شأناً صعباً على البعض ممارسته، وذلك مثل لعبة الشطرنج)، وهو ما أكده لي أديب المدينة المنورة وشاعرها الأستاذ حسن الصيرفي -رحمه الله، كما كان يجيد لعبتي الكيرم والطاولة، مما جعل الأديب الأفغاني يعد ضمن السياق الذي عاش في أجوائه من النخبة أو الصفوة. ولعل الأمر يستدعي طرح سؤال مهم، وهو: لماذا أحجم زملاؤه ومريدوه عن الكتابة عنه؟ ولعل مثل هذا السؤال يحفز الأديب والناقد الدكتور محمد الدريسي الذي يعد من أبرز، إن لم يكن الأبرز بين مجايليه في تقصي فنون الأدب التي حفلت بها بيئة المدينة المنورة منذ تأسيس هذا الكيان حتى وقتنا الحاضر، يحفزه ويدفعه لتتبع سيرة هذا الأديب والمبدع -أي الأفغاني. وأخال أن بعضاً من أفراد أسرته ما زال موجوداً. وأضيف أن الأديب والشاعر الرائد حسين عرب قد أصهر لكريمة الأديب الأفغاني، وأنجب منها ولدين، وقد أكد لي هذه المعلومة عزيزنا الأستاذ الأديب محمد عمر العامودي، والذي كان والده الأديب والمؤرخ محمد سعيد العامودي على صلة بدائرة المؤرخ المعروف الشيخ عبدالقدوس الأنصاري، رحمهم الله أجمعين. وكان كلٌّ من الأفغاني وأحمد حوحو ممن يعملون مع الأستاذ الأنصاري في مجلة المنهل، في حقبة صدورها من المدينة المنورة سنة 1355هـ، قبل انتقالها إلى مكة المكرمة.
وإذا كانت شخصية الأفغاني دفعت الفتى للبحث بعض الشيء في جوانب من حياة الأديب الأفغاني، فإن شخصية أخرى تملكت إعجابه، ودفعته إلى الاقتراب منها، وأعني بذلك الأستاذ الأديب والمؤرخ عبدالله سلامة الجهني، وهو مثل الأفغاني، حيث عمل خارج الوطن، فكان ملحقاً ثقافياً لسفارة المملكة في بيروت لمدة من الزمن، ثم انتقل إلى مسقط رأسه المدينة المنورة، حيث عُيّن على وظيفة مستشار بإدارة التعليم بالمدينة المنورة، ولكنه آثر العزلة. ولعل تنكر البعض له دفعه إلى شيء من ذلك، فاقتصرت حياته على أداء الصلوات في المسجد النبوي الشريف الطاهر، والتنقل بين المكتبات العامة، التي كانت تحيط بالمسجد الطاهر من الجهة الجنوبية، مثل مكتبة عارف حكمت، والمكتبة العامة التي كانت تضم بين جنباتها عدداً من المكتبات الخاصة لبعض علماء وأدباء المدينة المنورة الذين قاموا عن وعي وإدراك بضرورة المحافظة على تراث آبائهم وأجدادهم. ويحمد للشيخ الفاضل جعفر بن إبراهيم فقيه إنشاء هذه المكتبة بعد التوسعة السعودية الأولى للمسجد النبوي الشريف، مع بداية السبعينات الهجرية.
عرفت الراوية (الجهني) عن طريق ما كان يُعرف بـ(ساحة فرش الحجر)، القريبة من باب جبريل عليه السلام، والمطلة على مثوى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحبيه رضي الله عنهما وأرضاهما، فلقد كنا نستذكر دروسنا في هذه الساحة، وبرفقتي الصديق الدبلوماسي السيد أسامة أحمد السنوسي، ومما جذبنا للاقتراب من المرحوم (الجهني) زهده الصادق، فلقد كان يرتدي من اللباس أبسطه، عباءة خفيفة ومتواضعة، وغترة أقرب إلى تلك التي كان يرتديها عامة الناس، وكانت تطرز بشيء من قماش الصوف، ويحمل حقيبة بها بعض ما يستعمله من أدوات كتابته، وكان يقضي سحابة نهاره قارئاً، وفي العتمة بعيداً عن الآخرين متعبداً. وكان تالياً متدبراً للمصحف الشريف، يستنبط عند تلاوته كثيراً من مقاصد الشرع الحنيف، ولعله مما شد انتباهنا هو دعوته لنهج الوسطية والاعتدال، منذ ما يقارب نصف قرن من الزمن، مع أننا لم ننتبه لذلك إلا قبل حوالي عقدين من الزمن، أو أكثرن عندما عانت مجتمعاتنا من موجات التطرف والتشدد، وسببه التوجه إلى الوعظ والبعد عن مدارك ومقاصد الفقه، والتمعن في آيات الله، وفي كتابه المحكم في تنزيله، كما ورد في الآيات البينات، ومنها قوله، عز من قائل: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا).
رحم الله الأفغاني والجهني، وهذا جانب من الجوانب التي ظلت محجوبة لسبب أو آخر عن نقاد الأدب ومؤرخي السير، وأرباب القلم والكتابة.
ذو صلة