من المعروف أن الإحسان هو شرط من شروط صحة الإيمان والإسلام معاً؛ لأنه مع التلفظ بالشهادتين والقيام بالعبادات المفروضة من غير إخلاص لا يكتمل الإيمان. ولكي يكتمل الإيمان لا بد للمسلم أن يكون محسناً، يقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ)، والإحسان هو العمل بما لا يفرضه الله تعالى من الأعمال مثل النوافل التي نقوم بها، للتقرب إلى الله عز وجل والهروب من عقابه.
وللإحسان درجات وأنواع، ومن إحسان المسلم إلى المسلم (جبر الخواطر)، والجبر معناه إصلاح الكسر، فما يجبر إلا كسير، فيقال جبر الفقير وجبر اليتيم، ومعناه: كفاه حاجته وأصلح حاله وأحسن إليه، ويقال جبر بخاطره أي أجاب طلبه، عزاه وواساه في مصيبة حلت به، وأزال انكساره وأرضاه. وجبر الخواطر عادة ما يكون لأمور معنوية تكشف عن معاناة تسبب بها قريب أو بعيد أو حتى حبيب، وقد يكون جبر الخواطر في كلمة، وقد يكون في حصول مبتغى أو مواساة أو تخفيف لمعاناة أو لمسة عطف وحنان على شعر يتيم مثلاً، أو دعوة صادقة من القلب، أو كل ما سبق.
جبر الخواطر ثقافة مجتمعية كانت متداولة منذ القدم، كان الناس يستعملونها بالفطرة الإنسانية، فما أجمل أن تجد من يحس بإنسان، بل يترجم هذا الإحساس إلى كلمة طيبة تطيب خاطره وتجبره برفع الظلم عنه وتمد يد العون لمساعدته، كل هذه الأفعال تعتبر مثالية ذات إحساس مرهف وأخلاق حميدة تنبع من إنسانيته، لكن أصبحت هذه الثقافة مجهولة الآن لكثير من الناس، إذ أنساهم لهو الحياة الدنيا عادات وأعرافاً كانت موجودة.
فالعلاقة الزوجية مثلاً حين يحدث فيها خلاف بين الزوج وزوجته لا يسارع الزوج بتطييب وجبر خاطر زوجته، بل يمنعه كبرياؤه وذكوريته من تقديم الاعتذار لزوجته إذا أخطأ، وهذه ثقافة خاطئة تربينا عليها أو جهلنا بثقافة فطرنا عليها، ونسينا أننا بكلمة طيبة بسيطة نطفئ نار الكراهية، ونرقق القلوب المتحجرة، فلا بد من استرجاع ثقافة جبر الخواطر ومحو أمية من يجهلها، وجبر خواطر الزوجة والأهل والصغير والكبير، وعدم التخلي عن مكسور الخاطر أو الاستفراد به، واستغلال ضعفه، أو فقره، بل تقديم المساعدة له حتى ولو بالحيلة لتجنب إيذاء وجرح مشاعره.
فيحكى أن سيدة كانت تزور امرأة فقيرة لكنها متعففة، فلجأت السيدة الغنية للحيلة كي تعطي هذه المرأة ما تحتاجه من مواد تموينية، فادعت أنه يأتيها كل شهر مواد تموينية كثيرة من أهل الخير ويفيض عن حاجتها، فعرضت عليها قسمة ما يأتيها كل شهر بينهما كي لا تفسد هذه السلع. فنجد السيدة الغنية ادعت الفقر كي تستطيع مساعدة المرأة الفقيرة المتعففة، وحين سألها ابنها لِمَ فعلت هذا يا أمي؟ كان بإمكانك مساعدتها بدون وصمك بالفقر؛ قالت له: جبر الخواطر على الله يا ولدي، في هذه القصة القصيرة يجتمع جبر الخاطر مع الصدقة، لذا قيل (جبر الخواطر صدقة).
عندما ننتقل إلى الشريعة الإسلامية نجد جبر الخواطر يصنف عبادةً جليلة دعا إليها الإسلام قرآناً وسنةً وسلفاً صالحاً، ونادى بالتمسك بها والحفاظ عليها لأنها تنحدر من جينات الأخلاق الحميدة، وهو أدب رفيع لا يتحلى به إلا أصحاب القلوب النبيلة، والأخلاق الراقية.
من نماذج جبر وتطييب الخواطر في القرآن
جعل الإسلام للمطلقة متاعاً، فإذا لم يفرض لها مهر كان المتاع واجباً على المطلق، وإذا كان لها مهر أخذته، وأخذت معه ما تتمتع به من ثياب أو حلي. وعلة ذلك أن قلبها قد أصابه تصدع جراء هذا الطلاق، فجعل الإسلام متاعها جبراً لخاطرها ومتنفساً لجروحها، يقول تعالى: (مَتَاعاً بِالْمَعْرُوف)، ويقول أيضاً: (فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً).
كذلك جعل الإسلام (الدية) جبراً لخواطر أهل من قتل خطأ، لتطيب نفوسهم ويسكن ثأرهم.
يقول (ابن قدامة) رحمه الله: ومن توجيهات الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم قوله (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ)، فكما كنت يتيماً يا محمد -صلى الله عليه وسلم- فآواك الله فلا تقهر وتذل هذا اليتيم بل طيب خاطره وأحسن إليه وتلطف به وعامله معاملة حسنة، كذلك نهى الله عز وجل عن نهر السائل وتقريعه، بل أمر بالتلطف معه وتطييب خاطره حتى لا يجمع بين ذلين: ذل النهر، وذل السؤال.
من نماذج جبر الخواطر في السنة النبوية
ذكرت العديد من الروايات والأحاديث عن جبر الخواطر، حين ينكسر القلب جراء مصيبة أو بلاء نزل بصاحبه، عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: (لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا جابر: مالي أراك منكسراً، قلت: يا رسول الله: استشهد أبي، قتل يوم أحد وترك عيالاً وديناً. أخوات ودين، وليس إلا جابر، قال عليه الصلاة والسلام: أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك فكلمه كفاحاً، فقال: يا عبدي تمن عليّ أعطك، قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية، قال الرب عز وجل: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون).
وفي رواية أخرى كان عليه الصلاة والسلام يطيّب خواطر هؤلاء الذين أثقل كاهلهم (الدين)، ولا يجدون ما يواجهون به مهمات الحياة ووظائفها: كالزواج، (دخل عليه الصلاة والسلام ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال: يا أبا أمامة، مالي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة؟ قال: هموم لزمتني، وديون يا رسول الله، قال: أفلا أعلمك كلاماً إذا أنت قلته أذهب الله عز وجل همك، وقضى عنك دينك، قلت: بلى يا رسول الله؟ قال: قل إذا أصبحت، وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم، والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال)، قال أبو أمامة: ففعلت ذلك، فأذهب الله عز وجل همي وقضى عني ديني.
وفي رواية أخرى يعلمنا فيها النبي صلى الله عليه وسلم كيف يجبر خاطر الفقراء، (جاء رجل فقير من أهل الصفة بقدحٍ مملوءةٍ عنباً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يُهديه له، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم القدح وبدأ يأكل العنب، فأكل الأولى وتبسم، ثم الثانية وتبسم، والرجل الفقير يكادُ يطير فرحاً بذلك، والصحابة ينظرون وقد اعتادوا أن يشركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل شيء يهدى له، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل عنبة عنبة ويتبسم، حتى أنهى بأبي هو وأمي القدح والصحابة متعجبون! ففرح الفقير فرحاً شديداً وذهب، فسأله أحد الصحابة يا رسول الله لم لم تُشركنا معك؟! فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قد رأيتم فرحته بهذا القدح وإني عندما تذوقته وجدته مُراً فخشيتُ إن أشركتكم معي أن يُظهر أحدكم شيئاً يفسد على ذاك الرجل فرحتهُ).
من نماذج جبر الخواطر من الصحابة والتابعين
أراد حسان بن سعيد المخزومي أن يبني جامعاً، فأتته امرأة بثوب لتبيعه، وتنفق ثمنه في بناء ذلك الجامع، وكان الثوب لا يساوي أكثر من نصف دينار، فطيب خاطرها، واشتراه منها بألف دينار، وخبأ الثوب كفناً له. وكان القعقاع بن ثور إذا قصده رجل وجالسه، جعل له نصيباً من ماله، وأعانه على عدوه، وشفع له في حاجته، وغدا إليه بعد المجالسة شاكراً.
من بين صفات الله عزّ وجل صفة (الجبّار) ولها ثلاثة معانٍ، من بينها معنى الجبر، ويفسر العلماء معنى الجبار على أنه هو الذي يجبر الضعيف، وكل قلب منكسر لأجله، فيجبر الكسير ويغني الفقير ويُيسر على المعسر كل عسير، ويجبر المصاب بتوفيقه للثبات، والصبر.
وإذا دعا الداعي فقال: اللهم اجبرني، فإنه يريد هذا الجبر الذي حقيقته إصلاح العبد ودفع جميع المكاره عنه.
فن جبر الخواطر
جبر الخواطر عبادة جليلة، لا بد عند ممارستها مراعاة بعض الضوابط، فلا بد من محو الكبر والأنانية والمصلحة من سجلات عقولنا وقلوبنا، فالإنسان الأناني لا يجبر سوى غروره لأنه لا يرى سوى نفسه، والإنسان الذي لا تعنيه سوى مصلحته يجبر الخاطر على قدر المصلحة التي تعود عليه، كذلك يتطلب جبر الخواطر منا أن نحس بمشاعر الآخرين لكي نستطيع أن نسترضيهم، وأن يخرج من القلب إلى القلب، على عكس المجاملات التي تخرج من اللسان.
ويكون جبر الخواطر سواء بابتسامة أو نظرة حانية أو لمسة حنان أو كلمة طيبة تدعم المجبور وتقويه، فهو رحمة وحنان للصغير، وتوقير واهتمام بالكبير.
لا بد من تعريف الناس بهذه الثقافة التي أصبحنا نجهلها، وتشجعيهم على ممارستها، وتذكيرهم بأن جبر الخواطر عبادة جميلة دعا إليها ديننا الحنيف بل طبقها، وألا نهجر تلك العبادة التي قد تكون من أسباب دخولنا الجنة في الآخرة، ناهيك عن راحة البال والسكينة وكف الأذى في الدنيا، فقد قيل:
من صار في الناس جابراً للخواطر..
أدركته العناية ولو كان في جوف المخاطر..