إنَّ التحولات المتسارعة التي تتم في منظومة القيم (ما بعد الحداثة) على مستوى العالم، وعمليات الانتقال المتعثر للدولة العربية من إطارها التقليدي إلى قيم التحديث واتساع رقعته الكونية؛ تحملنا قسراً للانتباه لمصادرنا الثقافية؛ خشية أن نفقد جذورها الرئيسة، ومن ثم ذوبانها في طوفان القيم العالمية الجديدة والتشكلات الثقافية الكبرى.
إنَّ ظاهرة الاهتمام بأمكنة المبدعين تبدو ضعيفة وهشّة في الوطن العربي، وبغياب قد يكون شبه كامل للوحات التذكارية للأدباء والمبدعين، وإن وجدت فهي قليلة جداً أو هامشية، مقارنة بعددٍ من دول العالم التي تتحول فيها أغراض المبدعين أو بيوتهم أو المقاهي التي كانوا يرتادونها إلى آثار وطنية تتبناها الدولة كجزء أساس ومكوِّن من آثارها الثقافية والحضارية.
وبهذا الوعي الحضاري تحوَّل الكثير من منازل المبدعين إلى منارات ومزارات ثقافية، وقد رأينا في مدن العالم الأوروبي المختلفة بشكل عام كيف أصبحت منازل هوجو وديكنز وشكسبير وغوته.. وآخرين متاحف ومقاصد سياح وكتاب ومثقفين. بل نجد في بعض الدول أن مؤسسات وأفراداً يحتفون بإقامة عابرة لمبدع في أحد الفنادق، أو لافتة تدل على أن الكاتب أو الموسيقي كان يجلس على هذا الكرسي أو الشارع، كل هذا بغرض إحياء ذكرى وخلق ذاكرة مشتركة بين الزائر والمكان لما يحمله من طابع ذي تأثير نفسي ووجداني على الذاكرة الكلية للشعوب. بل وصلت درجة التقدير للموسيقى في إيصال أعمال موزارت وانتشارها، وجعلت من فنه فناً يتجاوز حدود النمسا الضيقة، ناهيك عن شارع ومبنى، بل أفخر ما يقدَّم من حلوى (الشوكولاتة) سميت باسمه.
معظم الدول الأوروبية لديها مؤسسات أو منظومات متخصصة تظل في حال بحث دائم عن المبدعين تستقطب عدداً منهم، فتحولهم لمشاهير وتسوق لهم إنتاجهم وتمنحهم أسباباً كافية للاستقرار.
وبالرغم من المحاولات المستمرة والمناداة من قبل كثير من المبدعين في الوطن العربي؛ إلا أن هذه الظاهرة تظلُّ قليلة وليست بأفق الطموح المنشود. إذ يتحتم علينا دفع المستوى الحضاري إلى درجة أعلى وأعمق لتقرب من الأفق العالمي المحتفي أبداً بشخصياته المبدعة.
إن هذه المحاولات التي تجري هنا وهناك وعلى اصطدامها بصخرة الممانعة والإجراءات الروتينية إلا أنها أسفرت عن بصيص أمل في بعض الدول العربية كلبنان ومصر.. وغيرهما.
وبالمقابل ثمة عوامل كثيرة تحدُّ من انتهاجنا لهذا النهج. وعلى سبيل المثال نجد أن الدولة العربية لا يحضر المبدع في خطابها إلا بشكل احتفالي تبعاً لوسومها التي تخدم بنية استمرارها في صراعها من أجل الحفاظ على مكتسباتها السلطوية، وبمدى قربه من أيديولوجيا نظامها، أو لمجرَّد القول بأنها ذات وعي بتاريخ شعبها وتراثه المادي وغير المادي.
ومعظم منازل الأدباء من المبدعين في الوطن العربي ترزح تحت مصائرها المجهولة، وبمجرَّد النظر إليها يتملكنا أسف مضاعف وحارق لرؤيتها وهي تعاني من الإهمال الشديد، بل بعضها تم هدمه وإزالته أو بيعه لحوجة أسرة ذلك المبدع، وقد كان من الأحرى استغلالها منابر ثقافية تضم مختلف الأنشطة الثقافية، ومن شأنها إغناء المجتمع، وأن تساهم بشكل كبير في تشكيل وعي الشباب ومدَّه بالقيم الإيجابية المتمثلة في الاعتزاز بهويته الثقافية.
ونحن في حاجة ماسَّة وحقيقية في السودان إلى أن نلتفت، سواء أكان هذا من قبل الجمعيات الثقافية أم السلطة الثقافية نفسها؛ إلى هذه الآثار حفاظاً على هذه الذاكرة الوطنية، ومن ثم جعلها قبلة تُعَرِّفُ بما تستكنه هذه الأوطان من إمكانات تحمل فيضاً من التاريخ في ظل عصف الهويات المتعددة والتذويب القسري للثقافات، نحتاج لذلك من أجل إشاعة الثقافة والاهتمام بأصحابها.
وأتساءل إذ كيف ننظر لأنفسنا ونحن نمضي جيئةً وذهاباً بالدهليز؟ وهو ذو خصيصة تاريخية مزدوجة في التاريخ الأدبي والسياسي السوداني، إذ أنه ارتبط بتاريخ الثورة المهدية، فقد تم بناؤه كجزء من سرايا لأسرة آل جبريل التي ينتمي إليها الشاعر توفيق صالح جبريل الذي سُمِّي بشاعر الدهليز، ولعب الدهليز دوراً أدبياً وثقافياً وسياسياً أساسياً في عشرينات القرن الماضي، في حقبة الاستعمار الإنجليزي للسودان، وكان مقصداً لكثيرٍ من الأدباء والشعراء والسياسيين في تلك الحقبة.
وعطفاً على ذلك تلك الفضاءات الروائية التي كانت مسرحاً لاشتغال أديبنا الطيب صالح، وبيت الرسام العالمي إبراهيم الصلحي والموسيقي إسماعيل عبدالمعين وغيرهم.. من أمثال المبدعين أصحاب الأثر الواضح والجلي في خارطة الثقافة ليس على المستوى المحلي بل العالمي أيضاً. وخليل فرح والتجاني يوسف بشير والمجذوب وغرفته المتواضعة في حيٍّ شعبيّ.
لماذا لا تدرج الدولة متمثلة في وزارتي الثقافة والسياحة أماكن وبيوت هؤلاء في خارطة السياحة، كما يحدث في ألمانيا مثلاً: (بيت بيتهوفن)، وأن تكون ضمن الرموز الثقافية المدرجة ضمن خطط وزارة السياحة؟
يظل الأمل مشرعاً وكبيراً في المؤسسات والجمعيات الثقافية الأهلية أن تحذو حذو أسرة الشاعر المبدع النور عثمان أبكر، وهي تحوِّلُ جزءاً من بيت الشاعر الذي يقع في ضاحية الخرطوم بحري إلى مكتبة عامة.
أخيراً علينا إعادة النظر في المسلمات الثقافية والتربوية والاقتصادية والسياسية لكيلا نكون عرضة للانزواء والتهميش، وأن تكون لدينا القدرة على التعبير عما نودُّ أن نكونه، ولا يتم ذلك إلا بوضع إستراتيجيات ثقافية محكمة وفاعلة.