مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

أهون البيوت بيت شاعر يموت

لم يتوقّع ورثة أبي القاسم الشابي حين أقدموا على هدم بيته موجة الاستياء الشعبيّ التي اجتاحت وسائل الإعلام في تونس وأغرقت مواقع التواصل الاجتماعيّ. فمنذ وفاة (شاعر الخضراء)، منتصف الثلاثينات؛ ظلّ منزله المتواضع في مدينة توزر التونسيّة موضعاً غفلاً أَعمَل فيه الزمانُ معولَه فتداعى للسقوط.
وعلى الرغم من المكانة الرمزيّة للشابي في نفوس التونسيّين الذين اتّخذوا بيتيْه في إرادة الحياة شعاراً وطنيّاً ضُمّن في نشيدهم الرسميّ؛ فإنّ الحكومات المتعاقبة على الدولة التونسيّة لم تر فائدة في اقتناء منزله من الورثة لترميمه، ولم تفكّر في التفاوض معهم من أجل تحويله إلى متحف أو مزار، كما فعل الإسبان مثلاً بمنزل لوركا في غرناطة، والفرنسيّون بمنزل فيكتور هيغو في باريس، أو كما فعل المصريّون في الجيزة بـ(كرمة ابن هانئ) لأحمد شوقي، والعراقيّون مؤخّراً بمنزل السيّاب في قريته بالبصرة (جيكور).
والواقع أنّ الغفلة عن تركيز المعالم الثقافيّة الحافظة للذاكرة الأدبيّة الجماعيّة ليس أمراً طارئاً على سياسات التعاطي مع تركة الأدباء والفنّانين والرموز الوطنيّة؛ فبدعوى عدم التدخّل في الملك الخاصّ، تنتظر سلط الإشراف أن يتقدّم إليها الورثة أو المالكون الجدد من تلقاء أنفسهم ويعرضوا عليها تحويل العقار إلى ملك الدولة، بيد أنّ حدوث ذلك يتطلّب اجتماع جملة من الشروط لا تجتمع إلاّ بمعجزة، ففضلاً عن وجوب أن يكون المالك الجديد مثقّفاً وواعياً بالقيمة الرمزيّة للعقار الذي انتهى إليه، ينبغي أن يكون أيضاً زاهداً في تحقيق مردوديّة ماليّة عالية لأنّ الدولة لن تدفع له ما قد يدفعه المستثمر الراغب في تحويل العقار إلى مشروع تجاريّ مربح، ثمّ إنّ عليه أن يكون جلداً صبوراً قادراً على تحمّل إجراءات إداريّة طويلة ومعقّدة قد تمتدّ على سنوات، هذا إذا وجد بطبيعة الحال سلطة متحمّسة لقبول عرضه.
وبسبب غياب قانون عقاريّ يمكّن الدولة من (حقّ الشفعة) في أملاك صنّاع الذاكرة الثقافيّة ويعطيها الأولويّة في الشراء؛ اندثر مثلاً في العاصمة التونسيّة (مقهى تحت السور) الذي كان قبلةَ النخبة من أدباء تونس وشعرائها ومفكّريها وفنّانيها في ثلاثينات القرن الماضي وأربعيناته، ممّن سمّوا أنفسهم نسبة إلى المكان بـ(جماعة تحت السوّر). ولم يُعرف للطاهر الحدّاد، الذي يدين له الفكر التقدّميّ الإصلاحيّ بفضل الريادة في مجال التشريع المتعلّق بالمرأة؛ مزارٌ أو متحف. وكذا الحال بالنسبة إلى الرعيل الأوّل من مصلحي القرن التاسع عشر في البلاد التونسيّة، مثل: خير الدين باشا ومحمد قبادو وعبدالعزيز الثعالبي.. وغيرهم..
على أنّ الاعتراف الاجتماعيّ بقيمة الشخصيّات الأدبيّة والفكريّة قدّ يتّخذ مسالك أخرى غير تمكين العموم من اكتشاف فضائهم الشخصيّ الحميم. ويتفاوت الاعتراف من مجرّد إطلاق اسم الرموز الثقافيّة على جوائز الإبداع الأدبيّ والفكريّ أو على الفضاءات الثقافيّة والشوارع والساحات العموميّة، إلى إقامة نُصُب تذكاريّة تخلّدهم في صورة حسيّة مشاعة بين الناس، ملموسة محسوسة، مؤثّرة في حاضر الشعب، شاهدة على استرسال مسيرة أفراده في نحت كيانهم الجماعيّ.
غير أنّ التماثيل والمنحوتات والنصب التذكاريّة، إذا كانت نصوصاً أساسيّة يكتب بها التاريخ الرمزيّ للشعوب؛ فإنّها لا تنفكّ عن أن تكون عرضة إلى ضروب من الانتقادات تصل أحياناً إلى حدّ المطالبة بتفكيكها أو حتّى إلى الاعتداء عليها. فليس نادراً أن يتّخذ الصدام الأيديولوجيّ مع فكر صاحب التمثال مظهراً ماديّاً عنيفاً، كما كان الشأنُ في تونس عقب الثورة مع تمثال الطاهر الحداد الذي قطع مجهولون رأسه بليلٍ. أمّا إذا كان صاحب التمثال قريب العهد من عالم الأحياء، كما هو حال الشاعر التونسيّ الصغير أولاد أحمد (1955 - 2016)؛ فإنّ جدلاً يقوم حول مدى أحقيّة النحّات في تقديم تصوّره الرمزيّ للشخصيّة وتنكّبه عن الاستنساخ الأمين لصورتها الواقعيّة. وهكذا ارتفعت في تونس قبل أشهر قليلة نداءات الاستنكار والتنديد تطالب بإزالة التمثال الذي رُكّز بُعيْد وفاة أولاد أحمد لأنّه قدّم (شاعر البلد) على صورة كئيبة لم ترضِ جمهوره.
أمّا جهد تسمية الفضاءات أو الجوائز بأسماء أعلام المبدعين؛ فإنّه على الرغم من فضله في ضمان جريان اسم الرمز الثقافيّ على الألسن وتمكينه من تأشيرة عبور الأجيال؛ لن يتمكّن على أيّة حال من تغيير حقيقة لسانيّة بديهيّة وهي أنّ اسمَ العلم دالٌّ لا مدلول له إلا مرجعُه، وهو ما يعني واقعيّاً إفراغ الرمز من رمزيّته وجعله مُلصقة تعريفيّة توضع على الأماكن أو الوقائع من دون أن تحمل في ذاتها قيمة دلاليّة. ولذلك قد يختلف مئات الطلبة في بعض جامعاتنا إلى مدرج قبادو مثلاً دون أن يعني لهم قبادو شيئاً عدا أنّه اسمٌ للفضاء الذي تلقى فيه المحاضرات.
ولعلّ في بعض ما قدّمنا ما يفسّر غضب التونسيّين من تسوية منزلِ شاعرهم الخالد بالتراب. فإذا كانت صورة الشابي قد سُكّت حتّى فترة قريبة على فئةٍ من أوراق العملة التونسيّة، وإذا كانت قد قدّت له من الصخر منحوتة في مسقط رأسه بالجنوب التونسيّ، وأطلق اسمُه على ما لا يكاد يحصى من النوادي الثقافيّة والمكتبات العموميّة والمدارس والمعاهد ومدارج الجامعات في كلّ أنحاء البلاد؛ فإنّ ذلك كلّه لا يغفر التفريط في ما يعدّه الشعبُ تراثاً ثقافيّاً وطنيّاً يجسّم على نحو محسوس إسهامه الحضاريّ في صناعة التراث الكونيّ للإنسانيّة.
فحتّى إذا تجاهلنا الجانب الاقتصاديّ، وأغفلنا ما ينجرّ عن تهميش بيوت الرموز الثقافيّة من تفويتٍ في فرصِ تنويع المنتوج السياحيّ وإهدارٍ لممكنات جديدة في استقطاب الزوّار بحكم تحوّل هذه البيوت، متى فتحت للعموم، إلى محجّة يؤمّها السيّاح من أصقاع العالم؛ فإنّه لا يمكننا التغافل عن الوجع الرمزيّ الذي يخلّفه إعدام جزءٍ من مدوّنة المبدع عند هدم بيته. ذلك أنّ الإعجاب بالأثر الأدبيّ أو الفكريّ أو الفنيّ يقترن في الغالب عند المتلقّي بفضول الاطلاع على المناخ الذهنيّ الذي حفّ بملابسات الإنتاج. وليس أوفى تمثيلاً لذلك المناخ من الفضاء الحميميّ الذي احتضن عمليّة الخلق الإبداعيّ وكانت مكوّناته شاهدة عليها. من أجل ذلك يجدُ الجمهور متعة كبيرة في اكتشاف بيتِ المبدع لأنّه يعتبره جزءاً مكمّلاً لمدوّنته الإبداعيّة، إنّه حاشية على المتن أو ملحقٌ على الأعمال الكاملة. لكلّ ركنٍ فيه سرديّة منقوشة تهب نفسها للناظرين. وأمتعُ ما فيها أنّها سرديّة مفتوحة على تأويل متجدّد بتجدد زوايا النظر وتنوّع العين المراقبة، وهي لذلك صكّ لحياة ثانية يهبها للمبدعِ خيالُ الزائر الذي يملأ فراغات المكان بما استقرّ في ذاكرته من الأثر الإبداعيّ.
حُرم أبو القاسم الشابي هذا الصكّ حين انقضّ بيته المكوّن من الجصّ والحجارة بضربة مخلب معدن، لكن ظلّت له في أبياته الشعريّة صكوك إلى الخلود لا ينتهي رصيدها، وهي أبياتٌ يسكنها الشابي ويفسح فيها مكاناً للملايين من قرّاء العربيّة. أبياتٌ أقوى من البلى ومن جرّافات الحمق الأعمى.
ذو صلة