لكل مبدع عالمه الخاص به، بداية من أول نقطة تنزل ثمرة مجموعات من الإرهاصات، فهي عصارة الذات، وقبس من نور لمعاناة لا تنتهي ترهقه ليل نهار، وهو يقيس الزمان بإبداعاته التي تحييه مرات لكنها تقتله في الأخير، والمبدع يحتاج إلى عزلة أثناء الولادة الإبداعية لكنه يحتاج إلى ألفة وحميمية من بعد، لتطوير أدواته الإبداعية، فمن الواجب تواصله مع محبيه ومناقشة إبداعاته المتنوعة، وهكذا يخلق لنفسه طقوساً مرتبطة به، لكي يبدع بأريحية بعيداً عن ضغوطات التناقضات اليومية، ويخلق طقوساً أخرى للتواصل مع الآخرين. وقديماً كان بيت المبدع، هو محوره الخاص، فيه يبدع وفيه يلتقي بمحبيه وبالمهتمين بإبداعاته، وبطلابه، وقليلاً ما يكون له ديوان أو مكان خاص غير بيته، لكن مع مرور الزمن وتطور الحضارة صار المبدع مهووساً بالمكان يحمل معه إبداعاته أينما ارتحل، ولم يعد البيت هو المكان الوحيد الخاص به، إذ صارت المقاهي الزاوية المفضلة للمبدع، والمادة الرئيسة لبعض الإبداعات، إذ الفضاء يمنحه فرصة التعرف على مجموعات من النماذج البشرية التي تؤثث الحياة الاجتماعية للإنسان، وتساهم في إغناء تجربته الإبداعية، وأكثر من ذلك تحرره من الضغوطات النفسية والعملية، فالمقاهي فضاء للترويح عن النفس أولاً بعيداً عن الجدران الأربعة، والاستقرار النفسي ثانياً لأنها تمنحك أفقاً جديداً للتواصل، وهكذا صارت نقطة التقاء المبدعين، وأكثر من ذلك صالوناً خاصاً من الأماسي الأدبية. ومع الأسف الشديد فالمثقف العربي أو المبدع العربي بمجرد ما يموت تضيع تلك الطقوس، وتلك الحميمية التي يتركها خلفه، وتضيع إبداعاته إلا من رحم ربك، فلا يمكن أبداً حصر عدد المبدعين الذين ماتوا مرتين بمجرد رحيلهم عن هذه الدنيا، تم نسيانهم بصفة نهائية، إلا القليل منهم من بقيت بيوتاتهم أو مؤسساتهم الثقافية قائمة (هذه الأسماء إما حكومية أو حزبية) مثل مؤسسة علال الفاسي الكاتب المغربي مؤسس حزب الاستقلال، فهناك مؤسسة قائمة باسمه يرعاها الحزب، تضم كل إبداعاته الكثيرة بالإضافة إلى صوره، أما غير ذلك فجل الإبداعات تبقى مسجونة بين المكتبات والخزانات العمومية أو في الجامعات. ومع الأسف الشديد الحكومات العربية لا تهتم بالإبداع مقوماً أساسياً في الحياة الإنسانية، فيكفي أن ميزانية الثقافة في الحكومات العربية هي آخر ميزانية من حيث قيمتها ومن حيث الاهتمام بها، فكيف لأمة لا تحافظ على كيانها الثقافي أن تتطور، وكيف لأمة شعارها ليس الإبداع أن تخلق جيلاً يبدع في كل المجالات؟ فهي بكل بساطة أمة بلا أسس ولا كيان، فيكفي أن المعلقات الشعرية ما زالت قائمة بيننا تذكرنا بالحقبة الجاهلية قبل الإسلام، وشعر المتنبي يذكرنا بمرحلة مهمة من التاريخ العربي، وشعر الأندلس يذكرنا بالتاريخ الأندلسي.. وهلم جرا. فالحكومات لا تهتم أبداً بالرموز الثقافية والإبداعية في الوطن العربي، بالعناية بإرثهم التراثي وتحويله إلى مكتبات وطنية؛ قدر ما تهتم بالعمران وتطوير المدن وهي خاوية بلا كيان ثقافي.
لذا أقترح أن تُخلق دور للإبداع، متكونة من مكاتب خاصة بالمبدعين، وكل مكتب يطلق عليه اسم مبدع يحتوي على كل إبداعاته وهو حي يرزق لا بعد وفاته، يزوره من حين لحين، وفيه يلتقي بالمبدعين والمحبين، وبعد وفاته يصير مزاراً ومكتبة خاصة به، وهكذا نحافظ على الموروث الإبداعي من الضياع، مع تشجيع المبدع على الإبداع.