مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

الشعراء لا يموتون

كم من شاعر رحل ولم يرحل! هؤلاء فقط هم الشعراء الذين لا يموتون، الشعراء الذين خلدوا لأنهم يغرسون الحياة في الكلم، وينبتون الورود بين ثنايا الحروف، فاللغة لا تحيا إلا بمن يدرك كنهها ويحسن سبر غورها، ويترك بصماته، وكلماته، ومعاناته، وتجلياته بنبض حي لا يموت ولا يفنى، فيخلد الذكر وإن غاب الذاكر، ويبقى متحدياً كل الأمكنة والأزمنة.
الأمر ذاته يقوله لنا الشاعر حين يصادق الكلمة التي يكتبها ويحاول أن يحرضها على النطق، أو كأن يصرخ بالمعنى الذي نستمع له بموسيقاه الخاصة، يشرب من ماء صوته صوتاً آخر ينتمي له، ليواجه كل هذه العتمة التي تسيطر على أصابعنا ولا نراها، ويراها هو.. يرسم روحاً جديدة مازالت تشرد في الضوء لتدله عليه وعلينا!
لا يموت وإن متنا، ولا يمحى وإن غابت أطيافه البشرية..
هو الذي يحقق العظمة في الأشياء الصغيرة جداً قبل أن يكون كبيراً جداً، ولا يرحل وقد حمل هم القضايا حوله، فمنذ فجر التاريخ كانت الكلمة وكان الشاعر، وكانت الإنسانية التي تتخطى الحياة والموت لتنبعث في صورة الأدب السامي، فتتمثل مرآة تعكس حياة أزلية. وما الشعر إلا فن يجسد الحضارات والشعوب، ويرسم ظلال الحقائق الغائبة، يخترق الأسوار والخبايا، ليكشف لنا المستور في دواخلنا قبل أن نراه في العالم المحيط بنا.

بيت البوريني الثقافي
هذا ما دفع كثيراً من أبناء الشعراء الراحلين إلى فتح أبواب بيوتهم لكل الناس العابرين من أبواب الشعر لمحطات أخرى والباقين فيه على حد سواء، فحين تعدى الشاعر المبدع حدود الموت والحياة أصبح ملكاً عاماً لكل راغب بالأبدية، ويحدث هذا ضمن استجابة طبيعية نفسية في مختلف بلدان العالم وحضاراته، كما حدث في مدينة عجلون في الأردن، حين خلدت ذكرى شاعر من مبدعيها، وعرضت على الملأ خصوصياته، وأهدت ما تركه بعد رحيله تراثاً إنسانياً عاماً لكل من يريد، فجعلت منه رمزاً ثقافياً إبداعياً في المجتمع الإنساني العام، وتضافر الاهتمام من ذوي الشاعر ومؤسسات الثقافة في المنطقة، والوسط الثقافي، فكان الوفاء بأجمل صوره، وظهر للنور بيت الشاعر زياد البوريني الثقافي.
ولد الشاعر زياد محمد الحصان المعروف بزياد البوريني في عين جنا- عجلون عام 1950م، وترعرع بين أحضانها ونمت شاعريته فوق جبالها، وعاش طفولته بين أحضان عجلون الخضراء، فتعمق المكان في وجدانه، وانعكس سحره في شعره، حتى غاب مردداً:
عجلون في القلب كالفردوس أهواه
            تفديك نفسي ويحمي حسنك الله
تقاصر العمر حتى صار ثانية
           وحدد الكون في عجلون مرساه
ويذكر أن البوريني أنهى الثانوية العامة في مدارس عجلون، ثم التحق بجامعة بيروت العربية في لبنان لإنهاء متطلبات درجة البكالوريوس في الآداب، ثم حصل على دبلوم عال من الجامعة اليسوعية ثم دبلوم عال من جامعة اليرموك ثم حصل على درجة الماجستير في النقد من جامعة البنجاب في لاهور/ باكستان، ثم التحق ببرنامج الدكتوراه في الجامعة نفسها لكن وفاته حالت دون إنهاء متطلبات الدرجة.
عمل مدرساً ورئيساً لقسم اللغة العربية في الكليات الجامعية (حواره، غرناطة، عجلون)، ثم عمل مديراً لمديرية ثقافة عجلون. وكان آخر منصب تولاه أميناً عاماً للحزب التقدمي الأردني، وتوفي بتاريخ 6-4-2004 إثر حادث سير مؤسف.

وفاء الأبناء للوالد
نشرت له العديد من الكتب والمقالات والتحليلات والدراسات والأبحاث في مجالات أدبية وسياسية، وله من الدواوين الشعرية المنشورة (الشراع، سادن الليل ونفحات من عجلون) والمخطوطة (أطلال مخيم، شظايا، القائد، البصمة، عبادة)، وشارك في تأليف العديد من الكتب اللغوية، مثل: المذاهب الأدبية الحديثة، شرح لامية العرب، تطور الصراع بين القصيدة المحافظة وقصيدة التفعيلة في الأردن، فوافته المنية وقد ترك ذكراه مخلداً في إبداعه.
 كبر أبناء البوريني، فتوجهوا إلى فكرة البيت الثقافي وفاء منهم لوالدهم الذي حمل هم الشعر على كاهله، وترك حبره لم يجف وقصاصات أوراقه على مكتبه، ثم رأت الفكرة النور بعد عشر سنين من فاجعتهم بوالدهم الراحل، وشجعتهم مديرية الثقافة في عجلون، والمؤسسات الثقافية في المحافظة، ومن عرف الشاعر عن قرب وأدرك حسه القومي ونبل شاعريته، ثم تم افتتاح بيت زياد الثقافي ضمن مشاريع هيئة شعراء وأدباء عجلون وفعاليات عجلون مدينة الثقافة الأردنية عام 2013م، وذلك يوم السبت الموافق 6 / 7 / 2013.
أعلنت اللجنة التنظيمية للبيت أنه سيكون كغيره من هيئات عجلون الثقافية الفاعلة رافداً للحركة الثقافية في المحافظة والأردن وشريكاً أساسياً في تفعيل الفعل الثقافي في عجلون بشكل خاص بالتشارك مع الأفراد المهتمين بالشأن الثقافي والهيئات الثقافية الزميلة وبقية مؤسسات المجتمع المدني المعنية بالشأن الثقافي والحراك الأدبي الإبداعي.
وليس هذا إلا ما يقتضيه الواجب بتخليد ذكرى الأدباء والشعراء والمثقفين والحفاظ على هذا المورث، والحث على الاهتمام بالأدب ورعاية المواهب. فأصبح البيت مقصداً لكل طلاب الأدب والثقافية، ومدخلاً مهماً في عجلون يفتح السبل للمبدعين، ويهيئ لهم الفرص المناسبة لإظهار مواهبهم، ويجمعهم بالمسؤولين والمعنيين بالثقافة في المملكة الأردنية، ولم يغفل أن يدعو لفعالياته الأدبية المبدعين من خارج الأردن أيضاً مؤكداً بهذا أهمية التواصل العربي في مسيرة المبدعين، وتبادل الخبرات.

مكتبة في كل بيت
من المبادرات المميزة التي أنشأها بيت زياد البوريني، مبادرة (مكتبة في كل بيت)، لما تمتاز به هذه المبادرة من خصوصية في التشجيع على القراءة من أجل تنمية الفكر لأنها الأداة الأولى للمعرفة، وبوساطتها يتم تكوين اللبنة الأساسية للفكر البشري، فكانت المبادرة لفتة جميلة من البيت، رسخت بها دعائم البناء الفكري للعائلة جمعاء، وللأطفال بشكل خاص، فشجعتهم وفتحت المجال لطلبة المدارس في المنطقة كتابة التقارير والأبحاث.
أعلن رئيس منتدى بيت زياد البوريني المهندس محمد البوريني -نجل المرحوم- أن هذه المبادرة تهدف إلى نشر الوعي الثقافي حيث تم توزيع 500 كتاب من أجل إتاحة الفرصة لأكبر شريحة من أبناء المجتمع للقراءة.
نفذ البيت العديد من الأنشطة والبرامج بالتعاون مع الهيئات والمنتديات الثقافية لتفعيل الحراك الثقافي من أجل تحقيق المصلحة العامة وبما يعود بالنفع والفائدة عليهم، فتعاون مع الهيئات الثقافية ومديرية ثقافة عجلون لأجل إنجاح مشوار الإبداع الذي تحقق خلال عجلون المدينة الثقافة الأردنية للعام 2013م.
وبعد، فإن بيت زياد البوريني الثقافي قدم الكثير خلال أربع سنوات، منذ افتتاحه، من فعاليات ثقافية ممنهجة، ومسابقات للشعر والقصة، وجلسات ثقافية وأمسيات ومناظرات ومعارض، وما زال يحتوي على خاصة الشاعر من كتب في مكتبه ومكتبته كما تركه قبل رحيله، والدروع والأوسمة التي حصل عليها، والشهادات الأكاديمية وشهادات التقدير، وخارطة للوطن العربي رسمها بيده وقصاصات ورقية بخط يده وصوراً لمنشوراته عبر الصحف المحلية والعربية والمجلات ولكل من كتب عنه من مقالات وأبحاث.
ذو صلة