فقد الفن العربي الشهر الماضي واحداً من أهم الفنانين المصريين، صاحب الأدوار التي لا تنسى، الفنان القدير محمود عبدالعزيز، عن عمر ناهز 70 عاماً، بعد صراع مع المرض.
عاش محمود عبدالعزيز حياة أثرى فيها الفن والسينما والتليفزيون بأعمال لا يمكن تكرارها، حيث بلغت نحو 86 فيلماً و11 مسلسلاً تلفزيونياً ومسرحياً. واستطاع (الساحر) أو (الشيخ حسني) أو (رأفت الهجان).. كما يطلق عليه محبوه من خلال أعماله أن يرتبط بتعبيراته وأدائه بجماهيره، بل صارت جمله الحوارية فيها بمثابة مقولات يستعين بها الجمهور في حياته اليومية. ترك لنا ثلاثة أجزاء في أروع مسلسل درامي لا يمل الجمهور من مشاهدته مراراً وتكراراً، وهو مسلسل (رأفت الهجان) بكل الثراء الفني في تحول شخصية هذا الفتى من شاب عابث مهمل إلى رجل وطني يعيش في عقر دار العدو ويضحي بحياته في كل لحظة من أجل بلاده. ومثلما قدم نجيب محفوظ الثلاثية الأدبية، قدم عبدالعزيز الثلاثية السينمائية مع المخرج القدير علي عبدالخالق وهي: (العار) و(الكيف) و(جري الوحوش).
يستحق عبدالعزيز أن يطلق عليه لقب (الساحر) بامتياز، فهو الذي استطاع الجمع بين موهبة الممثل الكوميدي، إذ يستطيع فقط بنظراته أن يطلق السعادة والمرح؛ وأيضاً يستطيع أن يثير الشجن فيك، كل هذا بتعبيرات وجهه فقط، ناهيك عن طريقة أدائه للحوار أو تعبيراته الجسدية.
نزل خبر رحيله كالصاعقة على الجميع من زملائه الفنانين أو جمهوره الذي فجأة تساءل: ألن نستمتع بعمل آخر من أعماله؟ كان مسلسل (رأس الغول) في شهر رمضان الماضي آخر أعماله الدرامية، قدمه باقتدار وبراعة شخصية، عن رجل اتهم بالمصادفة بأنه إرهابي، فيحاول الهرب والتنكر، واستطاع جذب جمهوره حتى آخر حلقة.
ولد الفنان الراحل في الرابع من يونيو 1946 بحي الورديان غرب الإسكندرية، وتلقى تعليمه الأساسي حتى حصل على درجة البكالوريوس في كلية الزراعة جامعة الإسكندرية عام 1966، ثم درجة الماجستير في العلوم الزراعية.
بدأ مشواره الفني في مسلسل (الدوامة) مع محمود ياسين ونيللي، وهو عمل يعد من علامات الدراما المصرية، بعدها شارك في بطولة فيلم الحفيد 1974 مع الكوميديان العظيم عبدالمنعم مدبولي والقديرة كريمة مختار والراحل المبدع نور الشريف والفنانة ميرفت أمين، فعرفه الجمهور بوسامته، لكن قدراته الفنية كانت متوارية إلى حين.
بدأ نجمه يسطع تدريجياً وسط حشد من الفنانين، لكنه كان يسير بخطى مختلفة ليحفر لنفسه مكانة لم يتمكن أحد من الاقتراب منها. وفي السبعينات كان قد قدم 25 عملاً سينمائياً خلال 6 سنوات، ما بين الأفلام الرومانسية والمغامرات، منها (طائر الليل الحزين) و(شفيقة ومتولي) مع السندريلا سعاد حسني، ثم شهدت الثمانينات حالة نشاط فني ووهج غير عادي تنوعت أدواره فحقق جماهيرية كبيرة، قدم خلال تلك الفترة أفلاماً كوميدية ورومانسية وجاسوسية وأفلام الواقعية الاجتماعية بكل أحزانها، لكنه أضاف لها نكهة مرحة، مثل: جري الوحوش، والكيت كات، والكيف، والعار، والبريء، سمك لبن تمر هندي، وسيداتي آنساتي، حتى أفلام الجاسوسية مثل: (إعدام ميت) لم تخلُ من روح الفكاهة التي هي إحدى سماته الشخصية.
استمر (صانع البهجة) كما أطلق عليه النقاد في مشواره الفني الذي خطه بعناية طوال فترة التسعينات، ولم ينجرف وراء موجة (أفلام المقاولات) محافظاً على بريقه، لكنه ومع مطلع الألفية الثانية، ومع تدهور حال صناعة السينما في مصر؛ لم يكن حضوره قوياً، وقدم عدداً قليلاً من الأفلام من بينها: الساحر، وليلة البيبي دول، وإبراهيم الأبيض في 2009.
عاد للتألق في الدراما التلفزيونية لينافس النجوم الشباب ببطولة لمسلسل (باب الخلق) 2012، ثم (جبل الحلال) 2014، وحقق نجاحاً كبيراً أخيراً في مسلسل (رأس الغول) 2016.
لم يزج محمود عبدالعزيز طوال مشواره باسمه في سجالات وجدل على الساحة الفنية، بل كان مشهوداً له بالخلق الرفيع والأدب الجم مع الجميع. حصد عبدالعزيز الكثير من الجوائز من مختلف المهرجانات الدولية والمحلية، نذكر منها: جائزة أحسن ممثل عن أفلام: (الكيت كات)، (القبطان)، (الساحر) من مهرجان دمشق السينمائي الدولي. وجائزة أحسن ممثل عن فيلم (سوق المتعة) من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي. وجائزة أحسن ممثل عن فيلم (الكيت كات) من مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي. وجائزة أحسن ممثل مشاركة مع الفنان عمار محمد حسان في فيلم (الليالي المقمرة).
جاء رحيله مؤثراً في الوسط الفني للدرجة التي تغير معها اسم دورة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي 2016 لتهدى إلى روحه، ويتم تكريمه من قبل فناني مصر والعالم العربي.