ارتبط اسم المغني والملحن ملحم بركات بالسهل الممتنع، وصل بفنه ما بين المعاصرة والتجدد والأصالة الأمر الذي ميّز الأغنية اللبنانية.
جرأته وشخصيته البوهيمية المتناقضة أعطته لقب المثير الثائر، أحبه واحترمه كل من عرفه بالوسط الفني كونه مدرسة لها خصوصيتها في الموسيقى. تأثر بموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب وعاصر جيل العمالقة، وغنى من ألحانه وديع الصافي، الشحرورة، ماجدة الرومي... وغيرهم من الفنانين الكبار.
ولد الموسيقار ملحم بركات في يوم صيفي من شهر أب عام 1945 في كفرشيما بلدة والدته. نشأ وسط عائلة ميسورة الحال، وكان الابن الأصغر لوالديه، ولديه أختان: نوال وليلى. والده نجار العيدان، كان معلمه الأول، حيث تربى ملحم على سماع أغاني عبدالوهاب بصوت والده الجميل.
موهبته الموسيقية ظهرت منذ صغره فكان أصدقاؤه يتجمعون حوله ليغني لهم أغاني أم كلثوم وفريد الأطرش، ولقب حينها (مطرب الضيعة). قال بأن ذكرى طفولته لطالما أشعرته بالحنين والحزن معاً، وبأنه لم ينسَ رائحة الليمون التي كانت تفوح مع نسمات الربيع.
اكتشفه الموسيقي حليم الرومي عندما كان بركات يغني ويعزف في عرض مسرحي للمدرسة في بلدته كفرشيما. وفي السادسة عشرة من عمره ترك بركات المدرسة، وقرر الالتحاق بالمعهد الوطني للموسيقى (الكونسرفاتوار)، فانتسب إليه دون معرفة أبيه الذي عارض أن يصبح ابنه مطرباً وقال له حينها (هناك عبدالوهاب في الساحة وتريد أن تصبح فناناً؟)، فرغم كل جرعات الإحباط لم يتخلَّ عن طريقه الذي رسمه لنفسه، وحين اكتشف والده الأمر قبل وبارك خطواته نظراً لإصرار بركات وإيماناً بموهبته الواعدة.
درس في المعهد: النظريات الموسيقيّة والصولفاج والغناء الشرقي والعزف على آلة العود مدّة أربع سنوات، وكان من بين أساتذته، سليم الحلو، زكي ناصيف وتوفيق الباشا. وفي الثانية والعشرين من عمره أخذ منحى انتقالياً في حياته عندما ترك المعهد قبل إكمال دراسته، فنصحه فيلمون وهبة -صديقه الحميم وابن بلدته- بأن يتوجه إلى مسرح الرحابنة، وهناك اشترك في عدد من مسرحيات فيروز التي كانت تقيمها على مسرح (البيكاديلي)، من أشهرها المسرحية الأولى له (الأميرة زمرد) ثم (أيام فخر الدين، الشخص)، ثم (الربيع السابع).. وغيرها، لكنّه أحس أن مستقبله ليس عندهم فعمل بالنصيحة الذهبية التي تلقاها من عرابه فيلمون وهبة الذي نصحه خلافاً لنصيحته الأولى بأن الأوان حان لترك الأخوين وشقّ طريقه الفني لوحده، وقال له: (يا ابني أنت ولد موهوب لكن مع بيت الرحابنة لن تصل إلى الشهرة، إما أن تكون مكان نصري شمس الدين أو أقل منه، ولن يتركوك تتفوق عليه).
وبمرور الوقت لم يعد ملحم ظلاً لـ(نصري شمس الدين)، بل تخطى هذه الخطوة بتلحينه لنصري ذاته، حيث لحن له أشهر أغانيه المنفرده (الطربوش). لكن بركات لم ينكر أن عمله مع الرحابنة أكسبه الخبرة في الحياة وشجعه على أن يصبح فناناً.
أولى بدايات ملحم الغنائية رسمت بفضل أغنية (الله كريم) بعدها غنى الأغنية الرائعة (سافر يا هوا)، إلى أن تعرف على مارون نصر وقدم له أغنية (يا أسمر). خاض غمار السينما وقام ببطولة فيلم (حبي لا يموت) مع النجمة هلا عون.
مرّ بمرحلة فقر وعوز أيام الحرب إلى أن لحّن أغنية (أبوكي مين يا صبيّه) للفنان وليد توفيق فانطلقت شهرته من جديد، قدّم بعدها: (علواه يا ليلى)، (عود يا حبيب الروح)، (يا لايمة ليش الملام)، (على بابي واقف قمرين)، وغيرها فظهرت بصمته الفنية الواضحة في الثمانينات. وكان إستديو الفن ملتقاه مع صديقه المقرب الشاعر نزار فرنسيس ليكتب له منذ ذاك معظم كلمات أغانيه.
عرف عنه حبه للتفاعل مع جمهوره في الحفلات الكبيرة التي أقامها فوق المسارح العربية في عدة مدن، منها: قرطاج، جرش وبيت الدين فضلاً عن مسارح فرنسا، وأميركا، وأستراليا، وكندا، وغيرها من البلدان التي أطرب جماهيرها بالكثير من أغانيه منها (العذاب يا حبيبي)، (أحلى ظهور)، (حمامة بيضا)، (مشيت بطريقي)، (حلي عني)، (يابا ناوي)، (يا حبي اللي غاب)، (بعيدك يل إنت العيد)، (أيام السجيني)، (شباك حبيبي)، (شو بعدو ناطر)، (جيت بوقتك)، (موعدنا أرضك يا بلدنا)، (ولا مرة).
من النجاحات التي عرفها أخيراً أغنية قدمها للفنانة ماجدة الرومي بعنوان (اعتزلت الغرام) وأخرى للفنانة كارول صقر بعنوان (يا حبيبي تصبّح فيي).
ويشير ملحم بركات في غالبية مقابلاته إلى أن وراء لحن كل أغنية قصة وبأنه لحن الكثير من أغانيه في طريقه إلى الأستديو خلف مقود السيارة.
المرأة في حياته كانت لغزاً فهو لم يستطع أن يفهم غير والدته التي كانت ملهمته فتعلم منها عزة النفس والبساطة وقال بأن المرأة العاقلة هي نصف المجتمع. كان لا يؤمن بالحب بل بالعلاقات الناجحة. حبه الأول كانت إلهامه عندما ألف أغنية (بلغي كل مواعيدي) بعدها تزوّج بركات مرتين، الأولى من السيدة رندا عازار وهي أم أولاده مجد ووعد وغنوة، ومن ثمّ من مي حريري وأنجبت له ملحم جونيور والتي طلّقها وعاد بعدها إلى زوجته الأولى.
اعتبر ملحم بركات مجدّداً في الأغنية العربية واللبنانية وقيل عنه بأنّه (سابق عصره) إذ قدّم نماذج من الأغنية العربية الجديدة منذ ثمانينات القرن الماضي. وهو لم يغنّ إلاّ باللهجة اللبنانية، ليس لعدم اهتمامه باللهجات الأخرى، بل قناعة ووفاء للذين صنعوها.
رحل أبو مجد يوم 28 / 10 / 2016 في مشفى أوتيل ديو في بيروت بعد أن تغلب عليه المرض الذي لم يكن بركات يخشى غيره ودفن في كفرشيما التي ترعرع في بساتينها واستلهم منها أجمل ألحانه باقياً صوته ولحنه هائماً في نسمات جبلها.