الأستاذة الدكتورة نورة صالح عبد المحسن الشملان.. أستاذ الأدب العربي القديم ونقده بكلية الآداب بجامعة الملك سعود.. يحفل سجلها المعرفي والوظيفي بمحطات تستحق الرواية المطولة لجل تفاصيلها المهمة.. غادرت العمل الجامعي والأكاديمي بعد أن قدمت زهاء 30 بحثاً علمياً منهجياً محكماً نشرت في مجلات علمية موزعة بين مصر والسودان وسوريا وتونس وقطر والمملكة.. كما صدر لها أكثر من 10 كتب تتناول الأدب العربي وكتابان يتناولان شخصية تاريخية هما الملك فيصل والأميرة نورة بنت عبدالرحمن.
ولدت الدكتورة الشملان في مدينة عنيزة بمنطقة القصيم.. وعندما أصبح عمرها ثلاث سنوات انتقلت إلى الزبير حيث كان والدها يشتغل في تجارة الحبوب في البصرة.. فقضت الصفوف الأولى حتى الثالث ابتدائي في الزبير ثم انتقلت إلى البصرة وأكملت دراسة الثانوية فيها عام 1965م ثم التحقت بجامعة بغداد كلية الآداب- قسم اللغة العربية وتخرجت في الجامعة عام 1969م
والدها كان سابقاً لعصره وفق تعبيرها.. إذ تقول: (والدي كان حنوناً وسابقاً لعصره في الانفتاح ولكنه الانفتاح الخاضع لضوابط صارمة فهو مثلاً لا يسمح لي بالخروج من البيت إلى الصديقات أو الأهل إلا بمرافقة الوالدة التي كانت لا تميل إلى الخروج فكنت محبوسة في البيت وأتذكر أنني في أيام العطلة الصيفية الطويلة أعد الأيام باقتراب موعد المدرسة التي كانت المكان الوحيد الذي أخرج إليه من البيت ولكن هذا النظام الصارم الذي فرضه لم يمنعه من إرسالي إلى بغداد لإكمال دراستي الجامعية وتعرض لضغوط وانتقادات كثيرة من المجتمع الذي لم يكن يؤمن بتعليم البنت فضلاً عن إرسالها إلى بلد آخر)..
تضيف: (عندما أكملت دراستي الجامعية وفقني الله بزوج لا يختلف عن والدي من حيث حب العلم واحترام رغبتي، فأكملت الماجستير والدكتوراه وما بعد الدكتوراه برعايته وتشجيعه وكان بيننا اتفاقية أن أدرس ولكن لا يكون ذلك على حساب الأسرة لذا التزمت بألا أجلب معي أي كتاب إلى البيت، ولكي أعوض ذلك كنت أجلس في المكتبة من الساعة السابعة صباحاً وحتى الثانية ظهراً يومياً وبهذا النظام الدقيق الذي ألزمت به نفسي حصلت على الماجستير في سنتين فقط وكنت أول حاصلة على الماجستير من جامعة الملك سعود بقسميها البنات والبنين وفي جميع التخصصات.. كذلك كان سلوكي عندما قدمت للدكتوراه كنت أقضي سبع ساعات في المكتبة يومياً وهو الوقت الذي يكون الأطفال في المدرسة أو الروضة وكانت تساعدني سيدة هندية تتمتع بالحنان والحزم والنظام ما ساعدني على السيطرة على عملي الشاق).
تواصل الدكتورة الشملان: (عندما كنت أحضر للماجستير عام 1975م عين زوجي الدكتور سليمان السليم وزيراً للتجارة ولم يتجاوز الثلاثين من عمره فتضاعفت مسؤوليتي لانشغاله التام في العمل الذي يتطلب الكثير من الوقت والجهد ولكننا بالتفاهم استطعنا أن نتغلب على كل العقبات.. وبعد حصولي على الماجستير تحولت من مشرفة على الطالبات إلى محاضرة في قسم اللغة العربية وكانت الدراسة قد أصبحت نظامية فدرّست مادة الشعر الجاهلي لطالبات قسم اللغة العربية وكان يحز في نفسي أنني لا أضع الأسئلة ولا أصحح الأوراق بينما يقوم بذلك زميلي في قسم الرجال. وبعد الدكتوراه درست مادة الشعر العباسي وكان الوضع قد تحسن وأصبحنا نتمتع باستقلال إلى حد ما عن قسم الرجال من حيث وضع الأسئلة وتصحيح الأوراق ولكننا بقينا بعيدين عن مجلس القسم ولا ذنب لنا إلا أننا نساء، لكن الأمور بعد ذلك أصبحت أفضل وأصبحنا نحضر اجتماعات القسم عن طريق التلفون النقال.
كذلك أصبح يحق لنا مناقشة الرسائل العلمية الماجستير والدكتوراه وأتذكر أنني أول امرأة تناقش رسالة دكتوراه في الجامعة إذ ناقشت الزميلة رجاء عودة مع استاذيَّ الدكتور حسين نصار والدكتور محمود الربداوي ثم توالت الرسائل التي ناقشتها حتى بلغت أكثر من ثلاثين رسالة بين ماجستير ودكتوراه كما ناقشت رسائل في جامعات خارج المملكة).