بدأ فينسنت فان جوخ (1853-1890م) حياته فاشلاً في كل شيء، لم ينشئ أسرة، أو يحصل على راتب، ولم يحافظ على أصدقائه. علم نفسه الرسم من الكتب التي تحوي أعمال كبار الفنانين، ثم قضى عدة سنوات من المران والتدريب، ولم يعترف أحد بمواهبه الفنية أثناء حياته، وشعر بالنفور من الطبقة الوسطى التي وصفته فيما بعد بالعبقري فينسنت.
ولد فينسنت فان جوخ في زندبرت في برابانت جنوب غرب هولندا، بالقرب من الحدود البلجيكية، لأب كاهن. وقد ولد لهذه العائلة بعده ولدان، منهما ثيو الذي ولد عام 1857م، وكان له أثر كبير في حياة فنانا العظيم، وثلاث بنات. لم يُظهر فينسنت في سنينه الأولى أي علامة على موهبة متميزة، وعندما بلغ السادسة عشرة بدأ العمل مع جاليري فني فرنسي مساعد وسيط تسويق فني، وذلك في مدينة هينغ العاصمة السياسية لهولندا اليوم، وكانت هذه بداية تأسيس اهتماماته بالفن، ونقل بعد قليل بسبب تميزه إلى فرع الجاليري في لندن، وذلك في العام 1875م. تعامل فان جوخ مباشرة مع الكثير من الأعمال الفنية الفرنسية، وقد جذبته أعمال فناني مدرسة (الباربيزون)، مثل: دوبغني وميليه وكورو ورسو. وقبل نهاية عامه نقل إلى المركز الرئيس للشركة في باريس، ومنذ ذلك الحين بدأت ميوله الدينية في الظهور، حيث أراد أن يصبح كاهناً، يواسى البشر. ودخل مرحلة دراسية للإعداد لممارسة الكهانة، ولكنه لم يتمها. وتوجه إلى مناجم بلجيكا للعيش والتعامل مع العمال، ولم يجد المسؤولون له وظيفة، وكانت حياته حافلة بمحاولاته العديدة لتشويه جسده، فوضع مرة يده في اللهب المشتعل بعد مروره بقصة حب فاشلة، وتحدث فيما بعد عن محاولاته العديدة للانتحار، وحاول أن يعتدي على جوجان أخيه بآلة حادة، ناهيك عن حادثة قطعه أذنه الشهيرة. وعندما كان يعيش في لندن اضطربت حالته بعد قصة حب فاشلة، ووضعه والده في مشفى للأمراض العقلية. وهناك إشارات في تاريخ حياته تدل على وجود أخت له كانت موضوعة في مستشفى للأمراض العقلية، وشُخصت حالتها على أنها فصامية، كما توجد دلائل أيضاً على وجود أقارب له كانوا يعانون من الصرع (د.شاكر عبدالحميد – الفن والغرابة ص476). بدأ فان جوخ حياته الفنية في سن السابعة والعشرين، من دون أن تكون له وجهة واضحة، حيث أتى أخوه ثيو بفكرة أن يُصبح فناناً. وعلى الرغم من ممارسته الرسم هوايةً، لسنين طويلة؛ فإنه لم يكن متحمساً ليحترف الفن، حيث كان متشككاً في قدرته على التدريب على التقنيات اللازمة لممارسه التصوير بشكل محترف. وقد ظل معتمداً على دعم ثيو المادي، حيث اتفقا على أن يرسل رسوماته وصوره إلى ثيو مقابل الدعم المادي والمعنوي، وذهب فان جوخ إلى بروكسل للتدريب على تقنيات الرسم والتصوير، وأخذ بدراسة التشريح والمنظور، وقلد الكثير من أعمال الأساتذة القدامى والمعاصرين (د.محمود البسيوني – الفن في القرن العشرين ص56). وبسبب غلاء المعيشة في بروكسل انتقل للعيش مع والديه في (أيتين)، ثم اختلف مع والده، وانتقل إلى هيغ عام 1881م، وأخذ في تجربة الألوان الزيتية، وقد أنتج هناك الكثير من رسومات الشكل الإنساني، وجوانب من المدينة. ومنذ عام 1882م، وبعدها بعدة سنوات؛ أنتج ما يزيد عن ألفي عمل. وقد تحمس لرسم القرويين في شمال فرنسا عام 1883م، ولكنه لم يقض إلا ثلاثة أشهر فقط، وذلك بسبب العزلة، إذ لم يرحب به الفلاحون هناك، ولم يقبلوا الوقوف أمامه ليرسمهم. أنتج خلال هذه الفترة لوحته الشهيرة (آكلوا البطاطا)، وغادر فرنسا في نهاية عام 1885م إلى (أنتوريب)، متوقعاً أنه سيتمكن من العيش من فنه، والتحق بأكاديمية الفنون لعله يتمكن من تطوير قدراته في الرسم، بحيث يعتمد على نفسه، ويعفي أخاه من الدعم المادي الذي يرسله له، حيث كان ذلك يؤرقه كثيراً. أقام عند أخيه في شقة صغيرة، قرب حي الفنانين (مونومارتر)، ثم انتقل إلى شقة أوسع في شارع ليبي، وكانت باريس فرصته لرؤية أعمال ميليه مباشرة، ومانيه، ومونيه، وديلا كروا للمرة الأولى، ثم غادر باريس في عام 1888م، إلى الريف في أرلز جنوبي فرنسا، حيث اعتقد أن صحته ستتحسن هناك، ولم تخب توقعاته، فقد كان الفصل ربيعاً، وأشجار اللوز مزهرة، فرسم عدداً من اللوحات لأشجار الفاكهة. واستأجر في أرلز بيتاً به أربع غرف، ليكون أستديو، عُرف بالبيت الأصفر. وقد أنتج أثناء ذلك أولى لوحاته الوحشية من خلال ضربات فرشاة واسعة، وأصباغ لونية مهشمة. وقد عانى الفقر والفاقة، وكان يأكل الخبز الحاف فقط، وكان يدخن بشراهة. كتب لأخيه ثيو قائلاً: «كلما زاد مقدار القبح والشر والوهن والفقر الذي أعانيه ازدادت لدي الرغبة في الانتقام من ذلك كله برسم لوحات ذات ألوان براقة شديدة التناسق والتنظيم». وعندما رسم فان جوخ لوحته (ليلة في مقهى مدينة أرلز 1888م)؛ وصف المكان بأنه يدمر الإنسان، فهو كان يصف نفسه، وقد قيل إنه كان يُكثر من تناول شراب الأبسنت، وهو من الكحوليات التي تؤدي إلى ظهور هلاوس سمعية وبصرية، ونوبات انهيار جسدي وعقلي (د.شاكر عبد الحميد – الفن والغرابة ص478). وزادت لديه نوبات الصرع، وتشاجر مع أخيه جوجان، وقذفه بكأس زجاجية، وتصاعدت حدة الخلافات بينهما. وفي حادثة أخرى قطع جزءاً من أذنه، وقدمها إلى إحدى الغانيات، وفقد الكثير من دمه، ووضع في المشفى، حيث بدأ يعاني من الهلاوس السمعية والبصرية، وشُخصت حالته على أنها ضلال أو اختلال عقلي Delircum، وبعد ثلاثة أيام غادر المستشفى في السابع من يناير عام 1889م، وبدأ يعانى من مشاكل صحية في أسنانه ومعدته، نتيجة إهماله وعدم اعتنائه بنفسه، وأدى كل ذلك إلى كآبته ويأسه، فالتجأ طوعاً إلى مستشفى الأمراض العقلية في سانت ريميه، واستمر في الرسم والتصوير، تحت مراقبة حثيثة. وأثناء إقامته تلك بدا ينال بعض الاعتراف الفني خارج الأسوار، إذ بدأت أعماله تعجب الفنانين مثل (سورا)، وكُتبت بعض المقالات النقدية الإيجابية عنها، وباع ثيو إحدى لوحاته الموجودة الآن في متحف (بوشكين) في موسكو. وفى مايو 1890م التقى بالطبيب (جاشيت) الذي وافق على الاعتناء به، واستأجر غرفة، وبدأ على الفور بالرسم، وكان الرسم هو علاجه، وبدأ ينسى المرض، وخلال سبعين يوماً أمضاها هناك، رسم بشكل محموم أكثر من ثمانين لوحة، وكان يرسم حتى يغالبه التعب، وكتب لأخيه ثيو واصفاً ما يمر به: «أحب حقاً أن أخبرك بأنني أشعر بأشياء كثيرة، لكن مع هذا فإنني شعرت أن كل هذا بلا طائل. عملي هو حياتي كلها، ولكنه دمرها أيضاً. فقدت عقلي، ولكني أعتبرك أكثر من مجرد تاجر لوحات عادي».
وفى 27 مايو من العام 1890م أطلق فان جوخ رصاصة من مسدسه موجهاً إياها إلى صدره، ومات بعدها بيومين، حيث كان ثيو بجانبه، وقد تأثر ثيو بموت أخيه كثيراً، ومات بعده بعدة أشهر. وقد آلت مجموعة ثيو الكبيرة من اللوحات والرسوم والرسائل لفان جوخ، وغيره من الفنانين؛ إلى زوجته جو، حيث أدارتها نيابة عن ابنها (فينسنت وليام)، ونشرت أول مجلد لرسائل فان جوخ عام 1914م، بعد أن طبعته باللغة الهولندية، ثم أخذ فينسنت وليام على عاتقه إدارة المجموعة الفنية بعد وفاة والدته عام 1925م، إلى أن تأسست مؤسسة فان جوخ عام 1962م.
أسلوبه الفني
أخذ فان جوخ التفاصيل من الحياة اليومية، وأضفى عليها رؤيته اللونية، مفعمةً بمشاعر اليأس والحزن. وبات اللون وسيلته للتعبير عما يجيش في داخله. ويمكن القول إن فان جوخ نجح في إضفاء الظلمة من دون الاعتماد على اللون الأسود الحالك، أوحى لنا بهذا من خلال اللون الأزرق والشجرة الخضراء الحالكة. وأُولى اللوحات الباريسية التي رسمها كانت لوحة طبيعة صامتة، (سمك الماكريل مع الليمون والطماطم)، ويظهر فيها تكنيك الألوان الذي تعلمه في باريس، وفي لوحة أربع زهرات لعباد الشمس، تبدو للوهله الأولى بتلات الأزهار وكأنها اشتعلت بالنيران. وقد مزج عده ألوان تبدو للوهلة الأولى بأنها متنافرة، ولكنه نجح في أن يجعلها متناغمة. ويُعتبر فان جوخ شخصية فريدة، ليس في المدرسة التأثيرية فحسب؛ بل في تاريخ التصوير، فهو من النوع الذي عانى كثيراً في حياته، حيث لم يجد الإنسانة التي تحبه وتحيطه برعايتها، فكانت عنده نزعة للحب مكبوتة، ورسم سنابل القمح الصفراء والمقاهي وعباد الشمس وصوراً لوجوه متعددة، وصوّر زوجي حذائه وغرفة نومه ومقعده وبعض الكباري والزوارق. وكانت لديه قدرة تعبيرية خارقة في استخدام الألوان المتلاحقة بطريقة منظمة، وقد دارت نقاشات كثيرة حول أسلوبه الفني غير المألوف، وهذه الخطوط المتموجة. ولكن هذه النقاشات لم تستطع تفسير سر هذه اللوحات الجميلة غير العادية المتجاوزة للزمن، ولماذا اختار فان جوخ ألوان القوس قزحية؟ الأزرق، والسوسن الأبيض، ولحاء الشجر الأخضر، وعباد الشمس وزهرة الخشخاش.. كلها أعمال خالدة، أغلبها يُعرض في متحفه (متحف فان جوخ) بأمستردام، ذلك المتحف يؤمه سنوياً أكثر من مليون ونصف المليون زائر.