مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

(هانيبال ليكتر) كما لم يظهر من قبل في السينما أو الأدب

 
تحويل شخصية الدكتور هانيبال ليكتر إلى مسلسل تليفزيوني هو أمر شديد المنطقية. نحن أمام رجل فريد من نوعه، ليس فقط لأنه آكل لحوم البشر، أو طبيب نفسي لا يشق له غبار، أو حتى قاتل متسلسل عبقري؛ ولكنه إضافة إلى كل ذلك، عقل شديد الدهاء، ومثقف موسوعي، وفنان حقيقي، سواء بالرسم أو العزف على البيانو والتأليف الموسيقي. خليط يبدو متنافراً، ولكنه مع هانيبال متجانس بشدة من دون أي شذوذ. المؤلف (براين فولر)، مبتكر المسلسل، لم يتفوق فقط على جميع كُتّاب السيناريو الذين اقتبسوا سلسلة روايات هانيبال إلى السينما؛ ولكنه تفوق على (توماس هاريس) شخصياً مبتكر الشخصية الأصلي. ليس في ذلك أي قدر من المبالغة، فولر أخد جميع تفاصيل الشخصية، دون أن يُهمل منها أي شيء، ثم أضاف لها مزيداً من الأبعاد النفسية، خصوصاً في علاقاته بويل جرهام، عبر مساحات درامية أصلية وجديدة، ذهبت بالعمل إلى مصاف الكلاسيكيات، وكل ذلك عبر ثلاثة مواسم فقط حتى الآن.
المخرج (مايكل مان)، مخرج أفلام حركة مهمة، مثل (حرارة) و(ضمانات) و(الدخيل)؛ التقط رواية (التنين الأحمر) التي صدرت عام 1981، والتي يظهر بها شخص هانيبال ليكتر للمرة الأولى على الإطلاق؛ وقرر أنها تصلح للعرض السينمائي، فكتب السيناريو، وقام بإخراجها، في فيلم (صائد البشر) الذي عرض عام 1986. لم يحقق الفيلم نجاحاً كبيراً، ولكنه دفع مؤلف الرواية تومارس هاريس إلى كتابة رواية جديدة، يمنح من خلالها هانيبال ليكتر الظهور في مساحة أكبر، أسماها (صمت الحملان) عام 1988، وهي الرواية التي ستتحول إلى تحفة سينمائية بالاسم نفسه على يد المخرج (جوناثان ديم) عام 1991، بالإضافة إلى شعبية ساحقة لشخصية هانيبال، فضلاً عن جوائز الأوسكار التي حصدها الفيلم، وهو ما يدفع هاريس من جديد إلى كتابة رواية جديدة بعنوان (هانيبال) 1999، يطلق فيها العنان ليتصدر هانيبال المساحة الأكبر من الأحداث كشخصية رئيسة، تبقى المشكلة أن الممثل (أنطوني هوبكنز) كان قد تقدم كثيراً في العمر عندما تحولت الرواية الجديدة إلى فيلم عام 2001، ولكن المخرج (ريدلي سكوت) اختار بعناية فائقة الملابس السوداء الفضفاضة والإضاءة الخافتة والكادرات المناسبة حتى يظهر هوبكنز في الرابعة والستين من العمر، كما ظهر بنفس قوته في الرابعة والخمسين من عمره، وهو ما ينجح فيه سكوت بجدارة، بينما يفشل في ذلك تماماً المخرج (بريت راتنر) الذي أعاد تقديم رواية التنين الأحمر بالاسم نفسه عام 2002، حيث يظهر هوبكنز في الفيلم رجلاً طاعناً في السن، ممتلئ الجسد، ثقيل الحركة، فاقداً لأي بريق، رغم أن أحداث التنين الأحمر تسبق كلاً من صمت الحملان وهانيبال. وهكذا يكون الظهور الأخير لأنتوني هوبكنز في الشخصية محبطاً ومخيّباً للآمال إلى أقصى درجة، وللمرة الأخيرة حتى الآن يقرر هاريس استنفاذ شعبية السلسلة ليصدر الرواية الرابعة عام 2006 والتي تتحدث عما سبق من أحداث، فيسرد طفولة هانيبال القاسية أثناء الحرب، وكيف تحول من طفل بريء إلى وحش آدمي لا يرحم. ثم تحولت إلى فيلم عام 2007 لاقى نقداً لاذعاً وعدم إقبال جماهيري، رغم أن الفيلم لو تم التعامل معه كفيلم مستقل بعيداً عن السلسلة، فهو فيلم مصنوع بشكل جيد جداً، وهكذا لا يبدو أن توماس هاريس الذي بلغ عامه السادس والسبعين قد ينوي كتابة أي شيء جديد عن هانيبال.
إحدى المشكلات الأساسية في روايات وأفلام هانيبال هي أننا لا نعرف بالضبط مدى خطورة الرجل، فنحن معظم الوقت نراه في غرفة مغلقة بعناية داخل مصحة للمجرمين المختلين عقلياً، ففي رواية التنين الأحمر نراه مسجوناً بالفعل طوال أحداث الرواية، وهو نفس الأمر في فيلم صائد البشر، بينما يتم إلقاء القبض عليه بطريقة هزلية في بداية فيلم التنين الأحمر، تجعله يبدو كأي مجرم عادي. وفي رواية وفيلم صمت الحملان نراه مسجوناً أغلب الوقت، إلا في مشهد هروبه من السجن، والمشهد الختامي للعمل. المرة الوحيدة التي نراه يتحرك بحرية هي في رواية وفيلم هانيبال الذي تدور معظم أحداثه في إيطاليا، وحتى هذه المرة فالأمر لا يتجاوز نطاق جرائم القتل العادية، وهذه المشكلة هي أول ما قام مبتكر المسلسل براين فولر بمعالجتها عن طريق تقديم موسمين كاملين (الأول والثاني) تدور أحداثهما بالكامل قبل ثلاثية روايات هانيبال الأساسية، ستة وعشرون حلقة كاملة مع الأحداث الأصلية والجديدة تماماً، ثم قرر بعد ذلك تقديم رواية هانيبال في الموسم الثالث عبر سبع حلقات، وتقديم رواية التنين الأحمر في ست حلقات، أي أننا لا نشاهد هانيبال في المسلسل مسجوناً إلا في ست حلقات من مجموع تسع وثلاثين حلقة كاملة، وهي مساحة كافية تماماً لندرك ما الذي يمكن أن يفعله هانيبال وهو حر طليق.
المشكلة الثانية أن هانيبال آكل لحوم البشر لم نره يأكل أي بشر عبر الأفلام الخمسة التي ظهر فيها، وحتى في المشهد الوحيد في فيلم هانيبال الذي يطبخ فيه مخاً بشرياً، فليس هانيبال من يأكله، على عكس المسلسل الذي يقدم هانيبال في أول ظهور له في الحلقة الأولى وهو يتناول طبقاً أنيق التقديم من اللحم البشري على مقطوعة (Aria Da Capo) للموسيقار الألماني باخ، ثم في الحلقة نفسها نراه يطبخ رئة أحد ضحاياه ثم يتناولها، والأمر لا يتوقف عند مشهد أو اثنين، بل لا تخلو حلقة تقريباً من الموسم الأول والثاني إلا وهناك مشهد طبخ أو تقديم طعام يتم تصويره بطريقة تفوق أي برنامج طهي أو أي أفلام أو مسلسلات ظهرت بها مشاهد لإعداد الطعام من قبل، ثم لا يكتفي هانيبال بتناول القلوب والأكباد والكلى وغيرها من أعضاء بشرية وحده، بل يقوم بتقديمها لكل من يظهر معه تقريباً في المسلسل، الكثيرون تناولوا لحوماً بشرية من يد هانيبال دون أن يعرفوا ذلك، ومشاهد الطهي والطبخ ليست ترفاً في مساحة المسلسل، بل لها دور درامي أيضاً مهم، فعلى سبيل المثال لا يقدم هانيبال المأكولات البحرية لضيوفه إلا في حالة وجود شكوك حول ماهية الطعام، وأحياناً تكون مشاهد تقطيع اللحوم وتجهيزها كناية عن صراع دموي على وشك أن يدخله هانيبال مع أحد أعدائه.
المشكلة الثالثة أن جميع الشخصيات في الروايات كانت من الرجال البيض إلا شخصية (ريبا ماكلين)، وهي امرأة بيضاء تظهر في التنين الأحمر، و(كلاريس ستارلنج) الشخصية الرئيسة في صمت الحملان، وهي فتاة بيضاء في عامها الأخير من أكاديمية الشرطة، وسنعود للتحدث عنها لاحقاً. في مسلسل هانيبال هناك تنوع عرقي كبير في شخصيات العمل، تقريباً هانيبال وجرهام هما فقط من ظلا رجالاً بيضاً، كما هم في العمل الأصلي، بينما تغيرت الغالبية العظمى من الشخصيات الأخرى، وتحولوا إلى رجال سود أو نساء بيض أو سود، كما أصبح أحد أهم أعضاء فريق التحقيقات امرأة آسيوية، ولم يكن ذلك تغييراً عبثياً أو تجارياً فقط، من أجل إرضاء أكبر شريحة ممكنة من المتابعين؛ ولكن تم بناء خطوط درامية جديدة كما في شخصية (دكتور آلان بلوم) الذي تحول إلى (دكتورة آلانا بلوم) والتي ستدخل في علاقة عاطفية مع هانيبال، ثم في علاقة أشد تركيباً في الموسم الثالث.
المعضلة الحقيقة التي وقع بها مبتكر المسلسل براين فولر، ولم يتمكن من حلها حتى الآن في صناعة المسلسل؛ هي أن شخصية كلاريس من صمت الحملان، والتي حازت الممثلة (جودي فوستر) عنها جائزة الأوسكار والجولدن جلوب؛ تمتلك حقوقها شركة (مترو جولدن ماير). ومن الواضح أن الشركة المنتجة للمسلسل رغم كل النجاح الذي حققه لم تستطع تأمين حقوق الشخصية حتى الآن، وتم تقديم أحداث رواية هانيبال في الموسم الثالث بدون كلاريس وبدون أن يؤثر ذلك على الأحداث، ولكن العلاقة المعقدة بين ويل جرهام وهانبيال ليكتر اكتملت تماماً خلال الثلاثة مواسم التي تم تقديمهم، ولم يعد من الممكن أن تستمر شخصية جرهام أكثر من ذلك، وعلى هذا الأساس فإن جميع أحداث الحلقات التسعة والثلاثين كانت قبل لقاء هانيبال وكلاريس، وهي العلاقة التي شهدت أوج النجاح والتحقق والشهرة في فيلم صمت الحملان، وتستحق ربما ثلاثة مواسم جديدة كاملة فقط من أجلها، ولكن بما أن حقوق الشخصية لا تزال غير متاحة، فالعمل على المسلسل متوقف في الوقت الحالي، وربما من الممكن أن يستمر من جديد بعد ثلاث أو أربع سنوات بحسب تصريحات فولر الصحفية بعدما تتم كتابة دراما تليق باللقاء المرتقب بين هانيبال وكلاريس.
حسناً، ما الذي قدمه فولر في المسلسل بخلاف كل ما سبق ذكره، فولر صنع علاقة لا مثيل لها بين جرهام وهانبيال. ومن شدة تعقيدها، وأبعادها النفسية المركبة؛ ذهب البعض إلى أنها علاقة مثلية، وهي ليست كذلك في الحقيقة، بل هي أبعد ما تكون عن ذلك، هانيبال رجل حاد الذكاء ويقدّر الذكاء، لذلك فهو معجب للغاية بذكاء جرهام، ومنذ الحلقة الأولى في المسلسل يقول ليكتر لجرهام: (إننا متشابهان تماماً، أنت وأنا)، ويل جرهام ليس مجرد محقق جنائي تقليدي، وأسلوبه في العمل لا مثيل له، فهو يمسح مسرح الجريمة بعينيه ويقرأ كافة التفاصيل، ثم يتقمص شخصية القاتل لمعرفة أسلوبه وأبعاده النفسية، كما يملك قدرة مدهشة على ربط التفاصيل ببعض، واكتشاف الدوافع الحقيقة وراء المشهد بأكمله، لذلك فمنذ الجريمة الأولى لهانيبال ليكتر يبدي إعجابه الشديد به من حيث قوة التنفيذ وتفرد الأسلوب، ومن خلال محاضرة يلقيها عن جريمة ليكتر الذي يتصادف وجوده خارج القاعة يستمع إليه، يقول جرهام إن مرتكب هذه الجريمة قام بتقليد القاتل الأصلي، ولكن مع فارق أنه رفعها إلى مستوى الفن! هذه التفاصيل هي المفاتيح الحقيقية لقراءة العلاقة العجيبة بين هانبيال وجرهام، هانيبال يرى في جرهام أفضل صديق قابله في حياته، فهو مثله يتمتع بذكاء خارق، ويعرف كيف يفهم ويقدّر المجرمين المتفردين، ويمكن لهما أن يشكلا فريقاً رائعاً من وجهة نظر هانيبال، وهو ما يرفضه ويحاربه جرهام منذ اللحظة الأولى التي أردك فيها ذلك حتى المشهد الأخير من الموسم الثالث. ولكن بالرغم من كل تلك المقاومة، يتمكن هانيبال من تحقيق مخططه بتحويل جرهام إلى وحش كاسر مثله تماماً، يتجسد ذلك في مشهد صراعهما مع التنين الأحمر العظيم في مشهد بديع أقرب ما يكون إلى الأساطير الإغريقية منه إلى مشهد حركي في مسلسل تليفزيوني.
فولر استلهم كبار المخرجين السينمائيين أمثال ستانلي كوبريك وديفيد لينش وديفيد كروننبرج، وقرر أن يأخذ التجربة إلى أقصى ما يمكن الوصول إليه، لذلك فهو لم يقدم جرائم قتل مقززة بقدر ما جعل منها مزيجاً من الغرابة والجمال الشكلاني والقسوة الشديدة في تنفيذها، على سبيل المثال هناك ضحية وجدوه على خشبة المسرح، وقد تم تمزيق رقبته وشد أحباله الصوتية، بحيث يمكن العزف عليها كما لو كانت كونترباص. أيضاً لم يتناول الطب النفسي الذي مارسه هانيبال على جرهام بشكل تقليدي، ولكن أخذه إلى منحى جنوني من مجرد محاولة السيطرة الذهنية إلى خلق مرض عقلي حقيقي وتشوهات ذهنية غير طبيعية، ناهيك عما فعله مع هانيبال نفسه، وكيف تمكن من تحويله من مجرم متوحش كما ظهر في الأدب والسينما، وجعله أسطورة حية بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
 
ذو صلة