مخمور نحيل الوجه، بدت له الأرض وكأنها معبأة بالغياب، أدارت له ظهرها فوقف مريقاً بصره في عتمة جديلتها.
اقترب منها وشدها من كتفها دافعاً بنداء قلبه نحو شحمة أذنها الحمراء:
- لا تذهبي..
كررها ثانية فوق صوته الأحدب:
- لا تذهبي..
أجابته بلكنة باذخة الرقة:
- كي لا يشتد العشق في خلدي...
قاطعها:
- لم لا تنزلي أحماله عن ظهر صبرك إذن!!
عقدت جديلتها ومطّت طراوة شفتيها:
- ليتني أستطيع..
قال وخيط الدمع يمشط وجنتيه:
- لقد بسطت في طرقات قلبي بساطاً من الحب، فلم لا تدخليه؟!!.
ثم تحركت عيناه فوق قطعان النمش الصغيرة المتناثرة فوق نعومة صدرها، وأردف بأسى:
- لم أكن أعرف أن الحب يدوس أعناق المحبين!!..
سألته حين أغمق كهل الشك في دواخلها يده:
- ما الحب إذن؟!..
فشعر بأن الأرض تشد كاحله، وبأن قطرات قلبه لا تجفّ، فاجتر جوابه في لحظة تمنى منها أن تردم فجوة في قلبه:
- الحب: أن تصغي إلى هيام روحي..
أسكتت صوته بأناملها البيضاء، وهمست:
- أهل مكة أدرى بشعابها..
ثم طبعت على خده سلافة قبلة مبتورة وطلبت:
- اترك يدي..
فتمردت فوق الظلام مكسِّرةً ضوء فتنتها، وهو يراقب قوامها المستشيط لهباً، فانكفأ خائراً يلعق ظهر الأرض، ليدفن بعدها جهد ملامحه في راحتيه، منشغلاً في تفتيت لهفته..
أيقن بعدها أنه سلك طريقاً محفوفاً بحفر الغرام، ومواطئ العشق القاتل، عثر عليه أحدهم متمرغاً بجانب في الطين، بعد أن أفرغ كل ما رص بزوايا صدره من مشاعر.. قيل: لو أنه كتمها لمات منها..
لكنه أحس بالموت وهو يحمل قلبه المريض بحبها، ظن كلَّ الظن أنه سيمد له يده ويذهب معه، يصر على أسنانه ويقول:
- سآوي إلى مكان يعصمني من الحب.
فشعر بانهزامه أمام بغيته، فصاح بصوت مجروح:
- إليَّ بمن ينظر في جراحي..
رددها هائماً في الأزقة الضيقة، فلم يرفَّ أحد إليه بجواب، فانزوى جانباً ليسح لهب دمعه متكئاً على جدار متسخ، ليجدوه وقد صحب الموت في رحلته وألمه لم يبرد بعد.