مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

الحبّ.. حين تكون ميتاً

الصمتُ يخترق أناه ببطء، ويرحل زاحفاً نحو مرحلة جديدة.. السماء تعرّتْ لتستريح من وعثاء السحب، وأنت تذبحين الحديث بصمت قاتل كأن كل شيء يتخلى عنك؟ شفتاك الهاربتان إلى صمت سحيق لا تتمتمان كدأبهما. هل سرقت منهما تلك الابتسامة الحلوة؟ وجنتاك استسلمتا لجفاف نسيم يطل رديئاً، فتطل عليك النهاية وتزداد تعاظماً فيك، ويتردد الشحوب في وجهك أكثر بهاء وتألقاً.. ويوم سألتك محتاراً:
- لماذا لا تهشين عنك هذا الشحوب؟
 قلت بصوت حزين:
- تَدلّي عينيك أمام نفسي في انهزام يلسع كل رغبة لي في النهوض.
- وما ذاك؟
- قد أتعبني..
- أنت أتعبتِ نفسك بكثرة السؤال.
- التعب قطعة مني فكيف لا أسأل عن شيء هو مني؟
- لا تسألي عنه.
- مستحيل.
- اخرجي من نفسك.
- أنا إنسان كباقي الناس أو إن شئتَ قلْ كأشباه الناس.
- ولست كأي إنسان!
 خرّتْ من برجها، فقدت بصرها، أرسلت أناملها الناعمة تتحسس ظهر الأرض تبحث عن بقايا الـ..
 بكتْ.. صفعت قلقها لتفيق.. تحسست وجهها فلم تجد عينيها، عادت إلى قلقها فاستحال لهيباً، قامت تبحث مجدداً عن بقايا نفسها، ابتسمت بقلق، قالت في ذهول:
- أنا أنثى..
- ولكنكِ توشكين أن تكوني شيئاً آخر! 
- لا أريد موتاً وأنت حي.
- أنا مثلك على أبوابه أتعلم الصمت أمام حوافره..
- هذا كلام الشعراء وأصحاب الخيال، بل أنتَ لا تعرف الموت!
- ولم لا؟
- ارحل أيها الأبله إلى أناك البعيدة.
- كلانا مُبعَدٌ، أنت أناي إليك يحجّ فؤادي العطشان ليرتوي بشذاك.
- سأضحك منك وعليك، لأنك سفيه.
- العاشق لا يكون سفيهاً أبداً.
- أما أنتَ فنعم.
- كيف؟
- اسأل روحك!
- لن تجيب مهما سألتها.
- اسأل ولا تنتظر جواباً.
- يهمني الجواب.
- جواب ماذا وسؤال ماذا؟ امض إلى أناك أيها السّيزيف الأبله..
- حسناً.. ألا تحبينني؟
ضحكتْ ملء شدقيها، فقالت ساخرة:
- كلّ الحب..!
- متى وكيف؟
- حين تكون ميتاً.
- كفي هذا الهذيان.
- ألا تستطيع أن تمارس الموت ولو لدقيقة؟
- هو ليس لعبة لِيُمارَس..
 تنهدتُ تنهيدة يائسة وحاجباي يرتفعان في حيرة وذهول مما تقول، نظرتُ إلى أعلى؛ السماء أقفلت زرقتها، فتناثرت مفاتيح الغروب في كل مكان، فسحبت الشمس أهدابها من قمم الجبال، وهبّ نسيم متذمر، فظللتُ أتأمل ما قالت حبيبتي، وفجأة عصفت ريح هوجاء فحملت حبيبتي في ارتفاع مهيب كأميرات الأساطير، حتى صارت نقوداً مبعثرة في الفراغ، فلما هممتُ باكياً أطاردُها لأستردها كانت قد ذرتها الريح في الهواء وقُضي الأمر.. فصاحتْ من بعيد وهي تضحك مني بكل شفقة، وتقول كلاماً لا أفهمه، وتهمهم بصوت كصوت العدم وتغني:
 - نار يا حبيبي نار.. يسعد بالحياة من لا يفقه لها معنى..
pantoprazol 60mg oforsendelse.site pantoprazol iv
ذو صلة