مجلة شهرية - العدد (592)  | يناير 2026 م- رجب 1447 هـ

المعمَّى بين الفنية الجميلة والجهد الضائع

المعمى قسمان: قسم عربي صميم عرفه العرب الأميون قبل انتقالهم إلى الكتاب وتدوين العلم، ويُسمُّونه ملاحنَ ومعاياة وأحاجي وألغازاً.. وقسم معقَّد لم تعرفه فطرة العرب، ولكنَّ أدباء العرب نقلوه عن آداب الفرس وأبدعوا فيه: إما بِفَنِّيةٍ جَميلة، وإما بتكلُّف بارد ضائع.. ومن نماذج ذلك قولهم: (سنجار شعيرها من حلب يُحمل على الدواب)؛ فهذا الكلام الطويل لا يعنـي سوى اسم (محمد)، ويسمونه (تعميةَ محمد)، والنصُّ الدالُّ على محمد هو المُعَمَّى.. وحلُّه أن (محمـداً) من أربعة حروف دون اعتـداد بالحرف المضعَّف -وهو الميم-؛ فيكون مجموع الحروف: الحاء، والميم، والدال؛ فأبدلوا كل كلمة بحرف واحد من حروف محمد.. وتلك الكلمات تسمى رِباطاً.. والكلمات هي: مدن، وحبوب، ودواب؛ فسنجار مدينة؛ فأخذوا منها حرف الميم.. والشعير حبوب، فأخذوا منها حرف الحاء، وحلب من المدن؛ فأخذوا منها حرف الميم، والبغال من الدواب، فأخذوا منها حرف الدال؛ فصار مجموع الحروف محمداً (انظر علم التعمية واستخراج المعمى عند العرب 1/123).. ومثل هذا هو الأساس لمعمَّى (الريحاني) في عامية نجد، إلا أنهم لعاميتهم لم يُتْقِنوا تأصيله.. ونماذج المُعَمَّى الصناعي الفارسي الأصــل، وتحليلهـا، ودراستها: مبثوثة في كتب الأدب ككتاب (التنبيه على حدوث التصحيف) لحمزة بن الحسن الأصفهاني (280 - 360هـ) رحمه الله تعالى (انظر ص 188 - 203، وغيرها)، وكتاب ديوان المعاني لأبي هلال العسكري (بعد 395هـ) رحمه الله تعالى (انظر ص 1013 - 1020)، وكتب التراجم كوفيات الأعيــان لابن خلكان، والوافي بالوفيات للصفدي.. وأُفرِدتْ له كتب مثـل (كنز الأسماء في كشف المعمى) لقطب الدين النهروالي (990 - 1582م) رحمه الله تعالى وشروحه –ولا تزال مخطوطة-، ولقد هممت مع أخي الدكتور يحيى محمود ابن جنيد بتحقيقه منذ عقود، ثم تقاعسنا عن هذا المَطْلَب.. إلا أن قارئ كل ذلك يُصاب بالدُّوار لصعوبة المادة، وتَـمَعْلُمِ بعضهم في الحلِّ بكلام مغمغم، وصعوبة التعريف والشرح، وضعف التقْعيد.. ومن أمثلة المعمى الصناعي أيضاً قولهم: (رأيت بحلب أسداً حطوماً؛ فصدمه ظهر مِـجنـّى المرصَّع وسط هالته بدرَّة تبهر)؛ فهو تعمية لاسم (حامد)؛ لأن عندنا مع الرباط (الجنس) -وهو مدن، ووحوش، وسلاح، وياقوت- حروفاً أخرى هي أول حرف من كل مدينة من جنس المدن، وأول حرف من كل متوحش من جنس الوحوش؛ فيكون كل حرف من تلك الحروف بمقابل كل حرف من حروف (حامد)؛ فحلب مدينة، ولم نأخذ الميم، بل أخذنا الحاء أول حرف حلب، وأسد من الوحوش، فلم نأخذ واو الوحوش وإنما أخذنا أول أسد الألف.. وهكذا حتى صار عندنا اسم حامد؛ فالمدن مثلاً من الرمز الدال على الرباط ألغيناه وأخذنا بأول حرف مما هو داخل المدن كحلب.. ولو لم نلغ رمز الرباط لكان ذلك الكلام تعمية عن (موسى) لا (حامد).. ويلاحظ أنهم راعوا شكل الكتابة بجعل آخر موسى ياءً مع أنها ألف نطقاً كما في علم التعمية 1/123، وهو تحليل لنص الكندي الذي قسَّم المعمَّى (الأنواع العظام للتعمية) إلى بسيط، ومركب.. وقسَّم البسيط إلى تبديل أشكال الحروف، وإلى غير تبديل.. وقسَّم التبديل إلى ذي رباط وشرح، وإلى ما ليس بذي رباط.. واللغز الريحاني ضمن ذي الرباط والشرح.. فهذا ترف ثقافي وتكلُّف معاً، وإِغْداق مُصْطلحات؛ وكل ذلك يقصر عن مستوى الفن.. والتعمية تقوم على مواضعة قوم واصطلاحهم، ويبلغ المعمَّى قمَّته إذا كان نص المعمى فنياً يعني شيئاً مُهِمـاً غير دلالة المعمَّى الرمزية؛ ولهذا تجد نص (رأيت بحلب أسداً.. إلـخ) نصاً عادياً. 
قال أبو عبدالرحمن: وعُنِيتُ بهذا الفنِّ أيِّام حَماسي للتجربة الفاشلةِ التي أردت بها ردَّ الرسم الإملائي إلى هيئته برسم الحرف في الخط العربي؛ فقُوبِلتْ تلك التجربة بالامتعاض.. وكنت أردت برسم القلم هيئَته في الكلام المُرَكَّب -باستثناء الحروف المُفْردة في علم الخط وأنواعه-.. وأردتُ الدراساتِ التاريخيةَ، والتأصيلية، والتطبيقية، والتحقيقية لنصوصٍ في هذا المجال؛ وذلك هو الرسم الإملائي المعتاد المعمول به الآن وما دخله من تيسير من قِبَل المجامع العلمية والمجامع العربية، والرسم الإملائي الذي كان محل خلاف بين العلماء قديماً، ورسم القرآن الكريم في المصحف الشريف وفي التفسير وفي الاستشهاد.. ومنه ما أردتُ إيراده كاملاً محقَّقاً في سلسلة تِباعاً مِن مثلِ كتاب (المطالع النصرية) لنصر الهوريني رحمه الله تعالى، وهو أجَلُّ كتاب أُلِّف في هذا الموضوع؛ فقد أُوْرِدُ منه فصلاً أو فصولاً، وقد أجمع بين مواده، وأوفِّق بين نصوصه، وأحيل إلى أجزائه وإلى مصادره بالحاشية. 
وأُريد برموز الرسم ما استجد من اصطلاح رمزيٍّ للحرف أو الرقم، أو ما استجد من رمز دالٍّ من الأشكال؛ فمن كل ذلك ما جمع بين الحرف والشكل للرمز الاصطلاحي كعلامات النساخ من خلال علم مصطلـح الحديث ونمـاذج من المخطوطـات، وكالحروف والأرقام والأشكال ذات الرمز الاصطلاحي في رسم القرآن الكريم.. وكالأشكــال والحروف ذات الدلالة الإضافية لتمييز الكلام وإيضاحه –وهي ما اصطُلح عليه بعلامات الترقيم-، وكالحروف التي يرمز بها العلماء عن كتاب أو غيره على سبيل الاختصار، أو يرمزون بها لشيء على سبيل الإلغاز مثل الريحاني في عامية نجد.. ومثلُ الريحانيِّ: حروفُ الأبجديِّ تُتَّخذ رمزاً حسابياً، وتتخذ للإلغاز.. وأريد بترتيب الرسم الترتيب لحروف المعجــم المختَلَــف فيه بين العلماء كترتيب كتاب العين للخليل بن أحمد، وعكسه ترتيب القاموس المحيط للفيروز آبادي.. ومثل ذلك اختلاف ترتيب الحروف بين المشارقة والمغاربة.. ولقي اجتهادي معارضةً شديدة من القرَّاء دون أن أتلقَّى أدنى حجة مُستأنَفَة، أو اعتراضاً مُعْتَدّاً به يَرِدُ على براهيني؛ بل كلُّ ما طُرح يدور في فلك القاعدة المنزوعة البركة: (خطأ مشهور خير من صواب مهجور)؛ لهذا اضُطررتُ إلى السير على قاعدة الرسم الإملائي المعتاد فيما أكتبه في الصحافة إيثاراً للجماعة.. إلا أن الأمانة العلمية، والخوف من مَغِبَّة حجب العلم المحقَّق ببراهينه أَمْلَيَا عليَّ نشر هذا الجُهْدَ تأصيلاً لا تطبيقاً لعل الله أن ينفع به عندما تأخذ مسألة التيسير والتصحيح مجراها العملي من المجامع اللغوية والعلمية، ومن المؤسسات الثقافية؛ لأنني على يقين بأن وعي المحققين في قلق شديد من تعقيد هذا الرسم، وتشعُّب قواعده، وتحكُّم علله.. ولن يخمد هذا الوعي على المدى، بل إن العقل العلمي اللحوح سيحسم هذا الأمر في عهد اتسعت به آماد وأبعاد العلم.. وسأدرج هذا الجهد إن شاء الله بعنوان (التجربة الفاشلة) في أحد أجزاء حديث الشهر؛ فسيجد النظر الاجتهادي الدقيق ما فيه مِن مِيزَة يُؤخذ بها، ومِن مُجْمَلٍ يُطَّرح.. وبعد ذلك أتفرغ إن شاء الله لما تمس الحاجة إليه من رموز القلم التي من ضمنها المُعَمَّى.. وأتحفكم هاهنا بنماذج من المعمَّى الريحاني الرمزي، ونموذجه هذان البيتان:
وأهيف معشـوق الدلال ممنَّع
يمزِّقني فـي الحب كلَّ مُمَزَّقِ
فلو أن ليْ نصف اسمه وارعوى
أو العكس من باقيه لم أتعشَّـقِ
ذكر النهروالي في كتابه (كنز الأسماء) أنه تعمية لاسم (بختيار)، وجاء في إحدى حواشيه أن النصف الأول من بختيار (بخت)، وباقيه (يار)، وعكس (يار) رأي.. و(يار) بمعنى صاحب بالفارسية، وقد أضيف إلى الأول كما هي قاعدة لغتهم؛ فصار (صاحب البخت). 
قال أبو عبدالرحمن: هذا المعمى ليس من رموز القلم إلا بعد نقله عن الفارسية.. ولا يبعد أن يعرف عرب السليقة مثل هذه المعاياة من واقع لغتهم.. وبالعكس يكون حلُّ الرمز في البيتين (لو كان لي رأي أو بخت لم أتعشق).. وبدون عكس يكون الحل: (لو كان لي بخت، وكان صاحبي المُبادِلني المَشاعِر نعمتُ بالوصل ولم أتعشق).. ورأى الصاحب بن عبَّاد أحدَ ندمائه متغيِّر السجية؛ فقال: ما الذي بك؟.. فقال: حُمَّى.. يعني حرارة.. فقال الصاحب: (قَهْ).. أي احترز منه.. فقال ذلك النديم: (وَهْ)؛ فكان مجموع (قَهْ) و(وَهْ) قهوة.. وظاهر (وه) التوجُّع.. ولقد تلطَّف الصاحب بالظاهر من فعل (قه) بمعنى احترز منه، وإن كان في التعمية يريد مجموع (حُمَّى) و(قه).. أي حماقة.. وأراد النديم دفع ذلك عن نفسه فقال في التعمية (قهوه)؛ ليردَّ لذعةَ الصاحب له بكلمة حماقة.. قال أحد شراح (كنز الأسماء): كذا ذكره الصلاح الصفدي، غير أن عندي منه وقفة في صيرورة المجموع (حماقة).. كما أن الأمر من تقي (قِ) بالكسر لا بالفتح، لكن ذلك جائز عند أهل المعمى؛ لعدم اشتراطهم فيه العمل التذييلي، بل عدَّوه من المحسِّنات. 
قال أبو عبدالرحمن: هذا بخلاف التذييل في البديع، ولكنه تكميل ادِّعائي.. وهذا المعمـى من ثمار العلم بالكتابة، ولا يستبعد أن يعرفه الأقحاح من جهة النطق.
قال أبو عبدالرحمن: ويدرجون في المُعَمَّى ألغازاً ليست من رموز القلم؛ لأن (الترجمة) في اصطلاحهم شاملة، وهذا الإلغاز ليس من أسلوب العرب القدماء بيقين؛ لمعلوماته الحسابية المعقَّدة، وقد تكون الدلالة بذكر المتبقِّي وهو كسر يقابله أعداد كقول أبي نواس: 
جِنانٌ حصَّلت قلبي
فما إن فيه من باقي 
لها الثلثـان من قلبي
وثلثا ثلثه الباقي
وثلثـا ثلث ما يبقى
وثلث الثلث للساقي 
فتبقـى أسهـم ست
تُجزَّا بين عُشاق
انظر ديوانه ص446 / دار صادر.
قال أبو عبدالرحمن: (ثلثا ثُلْثِ ما يبقى) هما ثلثُ الثلثِ الذي ذهب ثلثاه؛ إذن قَلْبُ أبي نواس تقسَّم إلى أقسام بقي منها ثلثا ثلثِ ثلثِ ثلثيه الذي ذهب للساقي، ويساوي ستة أسهم؛ فأول ما ذهب الثلثان من الأصل؛ فبقي الثلث وهو واحد من ثلاثة.. وهو سُيقَسِّمه، والواحد لا ينقسم، ولو جعلنا أصل المسألة 6 لكان الثلث اثنين وهما لا ينقسمان أثلاثاً؛ فليكن أصل المسألة 9؛ فيكون الثلث ثلاثة؛ فإذا ذهب ثلثاه بقي واحد، وهو واحد من 9 أصلِ المسألة، وهو سيجعله أثلاثاً.. ولا نجـد أصلاً للقسمة برقم ينقسم، ويكون فيه ثلث الثلث أثلاثاً قبل العدد (27)؛ فالثلث الباقي منها 9؛ فكان ثلثُ ثلثِ الثلث 3.. منه ثلثان من ثلث الثلث بقيا، وثلث من ثلث الثلث ذهب للساقي؛ فثلثا ثلثِ الثلث يساويان الستة التي ذكرها أبو نواس.. أي الستة تساوي ثلاثة أمثال الاثنين؛ فنضرب 3×27=81، فستةٌ من 81 تساوي 2 من 27.. وقد تعنَّى الإمام حمزة بن الحسن الأصفهاني (280 - 360هـ) رحمه الله تعالى؛ فأصاب الحل وأخطأ خطأً فاحشاً في التحليل؛ فوافق الإصابة مصادفةً، ولم يذكر سبب وصوله إلى عدد (81)، ولم يُضِف المحقق الفاضل أي إفادة إلا إعادة تحليل الأصفهاني بالأرقام.. قال رحمه الله تعالى: (وتفسير ذلك أن الأصل 81، والثلثان منها 54، وثلثا ثلثه ثمانية عشر، وثلثا ثلث ما يبقى جزآن، وثلثُ ثلثِ ثلثِ الثلث جزء -أي ثلث الباقي؛ فذلك خمسة وسبعون، ويبقى ستة أجزاء، وهي التي تُجزَّأ بين العشاق) – انظر التنبيه على حدوث التصحيف ص188 - 189  ؛ فجاء المحقق الفاضل ليحلِّل هذا التحليل الباطل بالأرقام؛ فقال: (حل هذه المسألة يكون على الشكل الآتي: 
81 +(2/ 3)+ 27 + 2 = 54 وهو الثلثان من قلبي. 
81 + (1/ 3)= 18 ثلثا ثلثه. 
54 + 18=72  لها. 
81 - 72= 9 الباقي.
9 + (2/ 3)+(1/ 3)=(9 / 3)+(2 / 3)=(1 / 9)= 2 وهو ثلثا ثلث الباقي. 
9 + (1/ 3)+(1/ 3)=(9 / 3×3)=(9/9)=1 وهو ثلث ثلث الباقي. 
2+1 = للساقي. 
72 لها + 3 للساقي =75 
الأصل 81-75=6 تجزَّأ بين العشاق).- انظر المصدر السابق ص189 (حاشية)
قال أبو عبدالرحمن: هاهنا وقفات: 
الوقفة الأولى: أن هذه العملية الحسابية فضول؛ لأنها تعبيرٌ آخَرُ لكلام الأصفهاني المنثور، وهي مُعقَّدة وإن كانت صحيحة الحل؛ لأنه عَرَف الأصل 81 من عالِـمٍ آخر.. إلا أن هذا الحل الصحيح فاسد التحليل؛ بسبب أنه غفل عن مفتاح الحل قبل العلم نقلاً من عالِـم آخر أن الأصل 81.. وهذا المفتاح علامتان وضعهما أبونواس، وهما: (ثلثا ثلثِ الثلث) اللذان لم يُصرفا وبقيا للعشاق، والعلامة الأخرى ذِكرُ أبي نواس ستة أعداد تساوي ثلثي ثلثِ الثلث. 
والوقفة الثانية: البداية بالبحث عن الرقم الذي يكون أوَّلَ رقم ينقسم فيه ثلث الثلث إلى أثلاث؛ فلم نجد غير 27، ولم نجد ثلثي ثلثِ ثلثِ الثلث غير العدد (2)، وهما جزآن من (3)؛ فلما كانت 2=6 بنسبة أخرى، وكان 2 جزءاً من 27 ضرب 3×27=81؛ فكانت ستة جزءاً من 81، وهي نفسها الاثنان اللذان هما جزء من 27. 
والوقفة الثالثة: لم يُبيِّن كيف عرف أن الأصل (81)؛ وإنما عرف ذلك من غيره؛ فحلَّل وَفْق ما علمه من غيره، ولم يُحلِّل تحليل من يريد اكتشاف مجهولٍ. 
والوقفة الرابعة: ليصحَّ له التأصيل أضاف (ثلثَ ثلثِ ثلثِ الثلث) – على أنه ثلاثة أجزاء – إلى 54 + 18؛ ليحصل له على عدد 75، وهذا خطأ؛ لأن (ثلثَ ثلثِ ثلثِ الثلث) صُرف للساقي؛ فلم يبقَ غير جزأين؛ فكان الأصلُ عنده حقيقةً ثمانين لا واحداً وثمانين.. ولـو حلَّل من الأدنى دون الأعلى – وَفْـق عـلامتــي أبي نواس المذكورتين آنفاً – لما وقع في هذا الخطأ. 
وأخطأ في تحليل هذه الترجمة أبوبكر الصولي (- 335هـ) رحمه الله تعالى؛ لأنه جعل الأصل عدداً كثيراً بينما يوجد ما يقوم مقامه وهو أقل عدداً؛ فجعل الأصل 243، ويقوم مقامه ثلثه 81؛ فقال: (ومن المشهور الذي يتطارحه الناس أشعار: 
لها الثلثان من قلبي     
وثلـثا ثلثهـا البــاقي 
وثلثا ثلثِ مـا يبقـى 
وثلث الثلث للساقي 
وتبقى حصص سـتٌّ 
لِقَسْـمٍ بين عشــاق 
الأصل مئتان وثلاثة وأربعون.. ذهب الثلثان مئة واثنان وستون والباقي أحد وثمانون (الأصوب: واحد وثمانون).. ذهب ثلثا ثلثه يبقى سبعة وعشرون؛ فيذهب ثمانية عشر -وهو قوله: وثلثا ثلث ما يبقى-، وتبقى تسعة ثلثها للساقي، وهو قولـه: وثلث الثلث للساقي.. ويبقى ستَّة؛ فصيَّرها حصصاً ليستوي له الشعر؛ فقال: ويبقى حصص ست؛ لأنه لو قال أسهم كانت ستة). 
قال أبو عبدالرحمن: الذي في ديوان أبي نواس: فتبقى أسهم ست.. وعند حمزة الأصفهاني: فيبقى أسهم ست.
قال أبو عبدالرحمن: فمثل هذا هو الجهد الضائع، والمعاياة الباردة التي من حسناتها الخافتة تربية الذهن.. وأما البحث عن أقرب عدد جامع بلا معاياة فهو فطرة عربية كما في (مسألة العول) التي أمضاها عمر بن الخطاب رضي الله عنه.. ومُصْطَلحُ (الترجمة) في علم المُعَمَّى اشْتُقَّتْ من نقل الكلام من لغة إلى لغة، ووجه ذلك في المُعَمَّى أنك تنقل رَمْزَ حرفٍ من معنى كلمة كاملة تجعل حرفاً منها رمزاً عن الكلمة كلها مثل جملة (احذرْ بني كذبان)؛ فحروف الجملة رمز من جدول منازل القمر؛ إذ جعلوا لكل منزلة رقماً حسابياً؛ فجاء ترتيب حروف الجملة وَفْق ترتيب أرقام منازل القمر على هذا النَّسق:
(اِ) الشرطان، (ح) الهنعة، (ذ) الطَّرْف، (ر) الجبهة، (ب) البُطين، (ن) سعد الأخبية، (ي) القمر، (ك) سعد الذابح، (ذ) الطَّرْف، (ب) البُطين، (اْ) بطن الحوت، (ن) سعد الأخبية. 
ولقد أهمل بعض أهـل الاصطلاح كالجرجاني في التعريفات، والـمُناوي في التوقيف على مهمات التعاريف، والكفوي في الكليات الترجمةَ بالمعنى الموجود في اصطلاح أهل المُعَمَّى، وذكره التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون 2/260 ممتزجاً بالفارسية.. وأما الترجمة بمعنى نقل الكلام من لغة إلى أخرى فقد أهمله بعض اللغويين كالصاحب بن عباد في كتابه (المحيط في اللغة) وابن فارس في (مقاييس اللغة، وفي المجمل).. وهكذا أهمله المعاصرون كعبدالله البستاني في البستان وفي الوافي، وصاحب المنجد، ومعجـم لاروس، والمعجم الوسيط، والمعجم الوجيز الصادرَين عن مجمع اللغة بالقاهرة، ورينهارت دوزي في تكملة المعاجم، وكتب المعرَّب والدخيل.. والذين ذكروه إنما أوردوه على أنه من لغة العرب، وهذا هو الصحيح؛ وإنما حكم الصولـي بفارسيتها لَـمَّـا رأى عمليَّة المعمَّى المسمَّاة ترجمة فارسية الأصل؛ فحكم بفارسية اللفظ، وإنما الفارسي مصطلح الترجمة على المُعَمَّى.. ولقد كتب إليَّ الدكتور محمد خير البقاعي جزاه الله خيراً يقول: «إن ما رجَّحتموه هو الصواب المحض بإذن الله؛ لأن الترجمة التي تعني اليوم نقل كلام من لغة إلى لغة مفردات أو نصوصاً أو كتباً كاملة: كلمة عربية أصيلة وردت في اللغة الأكادية وفي الآرامية والسريانية (اللهجة العَربية من الآرامية) وفي العبرية والحبشية، ومعناها الأصلي تفسير الكلام، وهي في تلك اللغات (ترجمانو بالجيم المعطشة كما في كلمة جمل، والواو علامة الرفع، وتأتي التاء فيها بالفتح أو الضم، والجيم أيضاً مثل ذلك).. أما في الآرامية والسريانية والآرامية اليهودية فهي ترجمانا بفتح التاء في السريانية، وضم التاء في الآرامية اليهودية، وأغلب الظن أن الكلمة انحدرت من الأكادية إلى عرب الجاهلية، أو أنها رحلت من اليمن إلى جنوب العراق.. والفعل (ترجم) يعني في السريانية ترجم ونشر وخطب وتكلم، وفي العبرية (ترجم) يعني ترجم ونقل من لغة إلى أخرى، والترجوم هو الترجمة الآرامية للتوراة.. وأما كلمة دروغمان Drogman الفرنسية التي يشير معجم روبير الصغير إلى أنها من أصل إيطالي Dragmomanno وهي باليونانية والبيزنطية Dragoumanos ومعناه المترجم أيضاً.. والكلمة ليست إلا كلمة   (ترجمان) العربية التي طرأ عليها التعديل كما يحدث لكثير من الكلمات التي تنتقل بين اللغات، وقد وردت كلمة ترجمان بفتح التاء وضمها لضم الجيم، وتأتي بفتح التاء والجيم في الشعر العربي القديم كقول نقادة الأسدي: 
كالتَّرجْمان لقي الأنباطـا
 كما وردت في شعر عوف بن محلم الخزاعي، ووردت مفردة (ترجمان) وجمعاً (التراجم) في شعر المتنبي، ومفردة في شعر ابن الرومي، ومن غريب الصيغ ما جاء في شعر الأسود بن يعفر في المفضليات من قوله: 
حتى تناولها صهباء صافية
يرشو التجار عليهـا والتراجيما 
ويقال: (يريد التراجمة)؛ لأن باعة الخمر عجم يحتاجون إلى من يفهم الناس كلامهم، والأسود شاعر جاهلي كان ينادم النعمان بن المنذر.. واستخدم الجاحظ كلمة الترجمان والترجمة والمترجم الذي ترجم في غير موضع من الحيوان، ولم يستخدم ابن النديم الترجمة، وإنما استعمل النقل والنقلة من اللغات إلى اللسان العربي.. ويستخدم الترجمة بمعنى العنوان؛ إذ يقول: (كتاب ترجمته) أي (عنوانه).. أما الترجمة التي هي من أسماء المعمَّى التي قال الصولي عنها في أدب الكاتب ص186: (إنها كلمة فارسية الأصل تكلمت بها العرب بعد ذلك وعربتها) فهي تدل على التعمية نفسها، أو على بعض ضروبها.. وقال الصولي: (وهي شبيهة بالمعمَّى، وهو ما يُكنَّى من الشعر كأن يسمى الألف فاختة، والياء صقراً، والتاء عصفوراً.. ثم يردد الحروف على هذا، وترجمت له الأمر: أوضحته له).. وتحدث عن ذلك إسحاق بن وهب الكاتب معاصر الصولي، وابن دنينير المتوفى سنة 627هـ، وابن عدلان المتوفى سنة 666هـ، والقلقشندي المتوفى سنة 821هـ. وانظر تفاصيل أكثر في كتاب علم التعمية واستخراج المعمَّى عند العرب (مجلدان) من مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق تأليف الدكتور محمد مراياتي، والأستاذ يحيى مير علم، والأستاذ محمد حسان الطيان».
قال أبو عبدالرحمن: يُسرف علماء اللغة في ادِّعاء كثير من مفردات اللغة على أنها معربة، والواقع أن مبدأَ اللغة العربية عِرقاً من اللغة السامية التي هي لغة العرب العاربة البائدة كعاد وثمود، ومهدها جزيرة العرب، وتطورَّت لغة العرب عِرقاً –وهم العرب الباقية من عدنان وقحطان– من اللغة السامية في جزيرة العرب سوى ما دخل على لغة القحطانيين الذين رحلوا إلى اليمن من خليط في لغتهم، ثم انتقلت السامية من جزيرة العرب إلى الآفاق؛ وعلى هذا فكلُّ إرثٍ ساميٍّ في لغة العرب عِرْقاً فهو من بقايا العرب العاربة، ولم يترجموه، وإنما هو مُتَرْجَم عند الآخرين من إرث العرب الباقية، وإلى لقاء والله المستعان.

ذو صلة