بعد رحيل شاعرنا وكاتبنا وناقدنا الدكتور محمّد العيد الخطراوي رحمه الله ورطّب ثراه؛ رأيت إيفاء بحقّ الصداقة؛ واحتفاء وتبجيلاً بنشاطه الفكري المتنوّع؛ أن أكتب عنه شيئاً يعرّف بناحية من اهتماماته العديدة؛ التي تشهد بها كتبه الكثيرة.
ذلك أن صاحبنا ضرب بسهم في أكثر من ميدان، فإلى جانب اهتمامه بالفقه وقضاياه؛ كتب في الأدب والتاريخ، ولعل من أبرز المؤلفات التي اعتنى بها في هذا الميدان تأريخه للمدينة المنوّرة في عهود ثلاثة؛ خص كلّ واحد منها بكتاب بدءاً بالعهد الجاهلي فالعهد الإسلامي الأول؛ ثم المدينة في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية (دراسة)... إلخ. ومن المؤكد أن في هذه المؤلفات الضخام دراسات وبحوثاً كثيرة عن تاريخ المدينة من النواحي الأدبية والاجتماعية وحياة الناس فيها.. ولا شكّ أن هذه المؤلفات خليقة بالاهتمام؛ وهي حقيق بدراسة مستوفاة من قبل الباحثين والمهتمين بتاريخ المدينة وحياتها.
أما أنا، فقد اخترت أن أتحدث عن جانب أدبي يتعلّق بتاريخ الشعر والشعراء في العصر الحديث؛ انطلاقاً من كتابه: (شعراء من أرض عبقر).
وفي لفتة عابرة لبعض رفوف مكتبي بجدّة؛ لمحت شاعرنا وكاتبنا من خلال دراساته: (شعراء من أرض عبقر). فأخذت أتمعّن فيه وأتساءل من أين أبدأ؟! فهذه الدراسة طبعت في المدينة المنورة؛ في شهر ربيع الأول سنة 1398هـ. ونقرأ في مقدمة هذه الدراسة قول المؤلف: «وقد حاولت أن يكون هدفي فيما كتبت: التعريف والتّنويه وذكر المحاسن أكثر من ذكر المعايب والمآخذ؛ عدا بعض اللّمسات النقدية الخفيفة التي كان لا بد منها!».
ويضيف الدارس: «وللأمانة التاريخيّة فضّلت أن أبقي الموضوعات على صورتها التي كتبت عليها أول مرّة وأذيعت بها دون حذف أو زيادة؛ ولم أتصرف في غير العنوان، حيث حل الجمع مكان الإفراد.. وقد أخرجتها في جزأين؛ هذا أولهما؛ ليسهل تناولهما وتخفّ قراءتها على الناس؛ لأنني رأيت الأكثرين في عصر السّرعة الذي نعيشه، يميلون إلى اقتناء الكتب ما خفّ حمله وصغر حجمه؛ وليس لهم صبر على ما كبر أو طال!».
ولو قدر لي قراءة هذا المؤلف: (شعراء من أرض عبقر) عند صدوره قبل ست وثلاثين عاماً أو بعدها بقليل في حياة مؤلف هذه الدراسة لكتبت: إليه بإعادة النظر في قراءة (الحلقات الإذاعية)، التي تناولت أولئك الشعراء بتعديل حالها بين تقديمها عبر برنامج إذاعي سريع وقتاً وتناولاً، وبين إصدارها بين دفات مجلدين في صيغة دراسة تشمل الماضي والحاضر والمستقبل، فذلك ما كان ينبغي عمله، ذلك أن الأيام أغيار كما قال شيخنا الجليل محمد متولي الشعراوي رحمه الله ورطب ثراه. ويبدو أن الأستاذ الخطراوي لم تتح له العودة إلى ما كتب قبل عقود ليضيف ويغيّر ويجدد قراءاته؛ فالرجل كان مشغولاً بأعماله الدراسية والإدارية في التعليم العام ثم في كلية التربية ودراساته وقراءته المختلفة، فلا وقت له ليعيد النظر وقراءة ما كتب ليبدي ويعيد فيه؛ لأنه لا وقت له في حياته العملية وشواغله المتعددة، وأكبر الظن أنه غير مستطاع أن يصنع شيئاً نحو ما كتب وقرأ وأذاع؛ ففضّل صرف النظر عن إعادة قراءة تلك الأحاديث الإذاعية السريعة؛ ليقدمها من جديد دراسة فيها من العمق ما يتماشى مع تجدد الأيام وتطور الحياة المتجددة المعطيات، فالدراسات بعامة تتطلب شيئاً من التفرغ لها والتأمل، والدكتور الخطراوي شغل نفسه بأمور كثيرة صرفته عن النقد والدراسات المتجددة والتيارات التي استجدت مع الحياة في الوطن العربي والغربي، فاضطر الرجل المشغول بجوانب شتى، لا أقول ليملأ فراغاً فليس لديه أوقات يبددها، إلا أنه شغل بحياته العملية والدراسات، وفي نادي المدينة الأدبي (نائباً لرئيسه)، وبحياته العائلية وما إليها؛ ثم حلت به ضروب من الأمراض شلّت حراكه سنين فلم يتح له أداء أي نشاط ذهني متجدد.
وأنا كنت مشغولاً بأعمالي الصحافية والإدارية، عبر سنين طوال في النادي الأدبي الثقافي بجدة، أخذ كل وقتي، فلم أفرغ إلى القراءة الحرة يوماً أو حتى ساعة، وقلت لبعض الأصدقاء إنني خلال انشغالي بمسؤولية النادي لم أقرأ كتاباً واحداً.. ربما أعتبر ذلك خسارة بالنسبة لي؛ غير أن المخلصين الواعين الأوفياء لم يروا ذلك خسارة إذا قيست بما حقق نادي جدة من نجاح، كل ذلك بفضل الله وعونه وتوفيقه.
إذاً فلا ينبغي وقد قدر لي أن أقول كلمات في نادي المدينة الأدبي، الذي كان يشارك في إدارته ونشاطه الدكتور الخطراوي كواجب عليَّ له، فلا أرى أنه يجب عليَّ أن أشير أو ألوم أخي الخطراوي بأنه كان ينبغي على صاحب تلك الدراسات التي تحولت أو جمعت على الأصح في مطبوعة أسماها صاحبها: (شعراء من أرض عبقر).. لا أرى أنه كان عليَّ أن أبدي آراء أعارض فيها أو أنتقد محتوى (المجلدين)، ولو كان الرجل حياً في مقدوره أن يحاور ويداور ويرد على ناقديه أو معارضيه، وقد عرفته قوياً ذا حجج وأدلة ومنطق، وكان بإمكاني أن أبدي الرأي كما قلت آنفاً أن أجمع تلك الأحاديث الأدبية (الإذاعية)، حينما أراد كاتبها أن يضمها في كتاب فألقى بها كما هي؛ وقد قلت إن الرجل كان مشغولاً بالوظائف المختلفة والقراءات، ولا وقت له أن يفرغ إلى تلك الأحاديث المذاعة، وأن يعيد فيها النظر فيضيف ويحذف ويعدّل.. إنني ألتمس له العذر، وبعد انتقاله إلى رحمة الله بعد مرض امتد سنوات، لا داعي أن يعتدي متحدث، وأنا أتحدث عن نفسي، فيشرع ينتقد آراء مرّ عليها سنين وذهب كاتبها إلى رحمه الله.. إذ رأيت أن الأجدر بي استعراض تلك الدراسة ونقل آراء كاتبها إلى المستمع والقارئ دون اعتراض ونقد، وفي هذا العمل السريع وفّرت على القارئ أوقاتاً لا يملكها ليفرغ إلى قراءة مجلدين، ذلك أن الوقت همومه وشواغله لا حدود لها، ولعل هذه المقدمة تشفع لي لأني لم أقدم دراسة على الدراسة كما ينبغي، ولكني نقلت أطرافاً من أحاديث المؤلف؛ أكبر الظن أنها أعجبتني، فلا مجال عندي أن أضيف إليها كلاماً على الكلام ربما أصبح لغواً، وقد اقتنعت بما قرأت وطالعت: (أحاديث من أرض عبقر)، ويشكر عليها كاتبها في حياته، ويرحّم عليه بعد انتقاله إلى الدار الآخرة.. وللقارئ النابه الواعي رؤاه، وأزعم أنه قد يرضيه ما يطالع مما سطره الخطراوي رحمه الله وغفر له.
إن القراءات الواعية للنصوص يخرج منها المطالع بالرضا أو الاختلاف أو بين بين، ولعلي أتطلع إلى دارس لمؤلفات الدكتور الخطراوي فأستمتع بما يتاح لي قراءته لدارس واع ذي اهتمامات بما يطبع من كتب خليقة بالمطالعة والدرس، وإن كان الوقت (ضنيناً) اليوم؛ فالحياة ركض وسعي وترحال وشواغل لا حدود لها، فالزمن غير الزمن، والحياة ما تفتأ تتعقد وتزداد عسراً وهموماً وعناء، وقد قال الحق سبحانه: (لقد خلقنا الإنسان في كبد)..
وقد تناول أستاذنا الخطراوي في دراساته عدّة شعراء من أرض عبقر، كما أسمى الكتاب الذي تناول فيه قراءاته لأولئك الشعراء؛ وقال في حديثه: «سنقدم لكم في كل حلقة إن شاء الله شاعراً نتفيّأ ظلال شعره؛ ونعيش في رحلة قصيرة بين محاريب وحيه وإلهامه؛ نتلمّس شخصيته ونستمتع بعرائس فنّه، واخترنا أن يكون هذا الشاعر وليد البيئة؛ نجتلي معه حماستها وننشر مطارفها ونجد نكهتها في أفواهنا وأسماعنا جميعاً».
واختار أستاذنا الخطراوي في قراءاته لهؤلاء الشعراء منهم: ابن بليهد، فؤاد شاكر، وعبدالحق نقشبندي، محمد هاشم رشيد، ماجد الحسيني، ومحمد فهد العيسى، حسن مصطفى صيرفي وغيرهم؛ من الشعراء الذين صحبهم وتناول أشعارهم بأدواته دراسة ونقداً وتحليلاً.
وسأتوقف مستعيناً بالله عند بعض الشعراء الذين اختارهم الدكتور الخطراوي؛ لدراسة أشعارهم وما كتب عنهم، فكتب في البدء قائلاً: «في شهر سبتمبر من عام 1932م ولدت جمعية أدبية كان لها شأن كبير في دنيا الشعر وعالم الأدب؛ لا في مصر وحدها بل في جميع أنحاء العالم العربي، لم يكن عملها قاصراً على إنشاء الشعر وممارسته؛ بل تعدته إلى تذوقه ونقده، وتدبيج المقالات الضّافية عن الشعراء الشباب آنذاك في العالم العربي؛ من السودان وتونس وسوريا والعراق والمملكة العربية السعودية أمثال الأستاذ محمد العامر الرّميح الذي كان من أهم زملاء شاعرنا محمد هاشم رشيد؛ تلكم هي جمعية (أبولو) الأدبية التي كان رائدها وصاحب فكرتها الدكتور أحمد زكي أبو شادي».
«كان أبرز أعضائها شعراء ثبتت أقدامهم في أرض الشعر ومحاريب الجمال؛ وتأصلت عبقرياتهم في الفن والإبداع، من أولئك الشعراء: الدكتور ناجي والمهندس علي محمود طه، اللّذين غنّيا الحياة والطبيعة والحب والألم والحزن في رومانسية حالمة، وتماوج من أوتار قيتارتيهما أرقّ الأنغام وأعذب الألحان».
«وكانت هناك روافد أخرى أمدت الشعر العربي بكثير من الطاقات المشعة والنماذج البرّاقة المتطورة، أفادت (جماعة أبولو) في تجديد معطيات الشعر الغربي الذي تواصل معه الشعراء المجددون، منهم الأخ محمد هاشم رشيد، من خلال ما ترجم من روائع القصائد لبعض الشعراء العالميّين وخاصة الفرنسيين».
إلى أن قال الدكتور الخطراوي: «وشاعرنا محمد هاشم رشيد يمثل الوجه الرومانسي للشعر في هذه الديار؛ وهو صاحب ديوان (وراء السّراب) الذي قدمه لقرائه عام 1952م، واستقبله عدد كبير من الأدباء والنقاد بكثير من الإعجاب والتقدير».
«ولشاعرنا الرشيد دواوين أخرى منها: (على ضفاف العقيق)، و(على أطلال إرم) و(في ظلال السّماء) و(على دروب الشمس)».
تناول الدكتور الخطراوي قصائد محمد هاشم رشيد بالشرح وقال: «الذي يقرأ شعره تطالعه أحياناً من خلاله قسمات الشابي، وناجي، وعلي محمود طه؛ من ألفاظ موسيقية حالمة وعبارات مضيئة راقصة؛ وخيال مجنّح محلّق في أجواء عبقة بالحب ممزوجة بالشكوى والأنين، مدثّرة بالحيرة واليأس والإحساس الدائم بالحرمان، كما نجد عند شاعرنا التمرّد على القوالب الشعرية الرّتيبة وإن لم يخرج إلى شعر التّفعيلة! لا فراراً، بل اكتفى بتنويع القوافي وتوزيع التفعيلات في أسلوب الموشحات».
***
وينداح حديث الشعر والشعراء؛ عبر وقفة مع شاعرنا وأديبنا الكبير محمد حسن عوّاد، فنقرأ قول دارسنا: «شاعرنا العواد فنان محلّق في سماء الأدب بأجنحة النور وأحلام البلابل وبراءة الفراش؛ رسخت أقدامه على أرض الأدب في ثقة وثبات؛ وذهبت جذورها تناجي الأعماق وتمتد»‑، وقال الناقد: «إنّ العواد من هؤلاء الأدباء الذين استطاعوا أن يحتفظوا بقوّتهم الشعرية مع ممارسته للنّثر بحثاً وفناً وكتابة في مختلف شؤون الحياة»، فالعواد من هذه القلّة المحظوظة التي استطاعت أن تحفظ لنفسها المستوى الجيد في الفنين معاً، ومن أهم كتبه النّثرية (خواطر مصرّحة) و(نحو كيان جديد)، ومن دواوينه الشعرية (البراعم) و(أماس وأطلاس) و(أشعة الشروق)؛.. وهو شاعر يميل إلى مناجاة الطبيعة وعرض مشهدها الفاغمة بالعطر والطيوب، وتجلي مفاتنها والاسترخاء في أحضانها.. قال في قصيدة له (في حضن الطبيعة):
غادراني في الربا الفيح مليا صاحبيا
واتركا نفحَة ريّا عطرها يسري إليا
ودعاني هانئاً فيها بأنسام الفضاء
ويصف الكاتب شعر العواد قائلاً: «لم يصف العواد صوراً جامدة؛ ولم يقدمها مشاهد ثابتة؛ بل بعث فيها كثيراً من الحركة والحياة وأوجد بين بعضها تآلفاً وانسجاماً.. واستلهم منها المعاني واستخلص الحكمة، وما أروع أن يحول الشاعر الطّبيعة كتاباً يقرأ؛ يملي الفكر ويلقي الموعظة ويعرض الفتنة والجمال».
وقال الخطراوي: «وشاعرنا العواد عبر قصيدة (لقاء) جعل الطبيعة مسرحاً للقائه وكأنه يشركها في بهجته بلحظات اللقاء؛ ويجعل من اللقاء المسعد وشاحاً مكملاً للوحة الطبيعة! فيقول:
أما تذكرين وقد ضمنا
رداء الظلام بأعطافه
وفي جانب الروض قد عمنّا
رقيق النسيم بألطافه
أما الطبيعة والمقلتان
على موجب وعلى سالب
لعلي أقول: إن هناك تقارباً وأشباها بين العواد وأبي ماضي إيليا، في قصيدته الشهيرة: (كم تشتكي) في ملامح الطبيعة التي تناولها، تشبه ما أنشده (إيليا) في ذلك الحين؛ ويشير الكاتب في حديثه عن العواد فقال: إن حرص الشاعر العواد على التجديد في هذه القصيدة من حيث التنويع في القافية شغله عن اختيار الصور وانتقاء الكلمات، فصورة (رداء الظلام) في البيت الأول صورة ندية بلّها القلم، كما أن الكلمات: اللطاف والموجب والسالب غضت جميعها من سياق النص؛ مما جعلني أميل إلى أن هذه القصيدة من بواكير شعره».
وقال كاتبنا عن أستاذنا محمد حسن عواد: «شاعرنا العواد فنان محلق في سماء الأدب بأجنحة النسور؛ وأحلام البلابل، رسخت أقدامه على أرض الأدب في ثقة وثبات؛ وذهب جذورها تناجي الأعماق»؛ ويضيف كاتبنا: إن العواد من هؤلاء الأدباء الذين استطاعوا أن يحتفظوا بقوتهم الشعرية؛ مع حماستهم للنثر بحثاً وفناً وكتابة في مختلف شؤون الحياة، فالعواد إذاً من هذه القلة المحظوظة التي استطاعت أن تحتفظ لنفسها بالمستوى الجيّد في الفنّين معاً، ومن أهم كتبه النثرية المطبوعة (خواطر مصرحة) و(نحو كيان جديد).
***
وحملنا الدكتور الخطراوي على بساطه يطوف بنا في فيافي (شعراء من أرض عبقر)، فذكر منهم الشاعر محمد حسن فقي، حمزة شحاتة، أحمد قنديل، حسن عبدالله القرشي، سعد البواردي، محمد علي السنوسي، عبدالسلام حافظ، محمد سليمان الشبل، سعد أبو معطي، عبدالله بن إدريس، ولعل القائمة ملأى.. ولكني سأتناول من تلك المجموعة التي قدمها أستاذنا الخطراوي بضعة شعراء، ذلك أنني أخشى ألا يسعفني الوقت فأنقل ما دونه قلم الدكتور الخطراوي من قراءته لأشعارهم.
***
وأقف في ظل الشاعر (أحمد قنديل)؛ الذي كتب عنه المؤلف فقال: «هذا الشاعر يتخذ لكل موقف ما يناسبه؛ ويلبس لكل حالة لبوسها، فهو ينظم الشعر الفصيح فيباري أقرانه وشعراء جيله؛ ويكتب الشعر (العامي) فيسابق أهله ويبزّ ذويه؛ ويسر أقواماً ويسيء آخرين»؛ وقال الكاتب عن القنديل إنه كان ينشر بعض إنتاجه تحت توقيع (الصموت الحساس)؛ وكلاهما من صيغ المبالغة، وهو معروف بين أقرانه بقوة العارضة وامتلاك ناصية المجلس بحديثه المسترسل الأخاذ الذي لا يخلو من طرفة فكهة أو نكتة لاذعة، ويسترسل كاتبنا عن القنديل قائلاً: فإنه من رفقاء الشاعرين الكبيرين محمد حسن عواد وحمزة شحاتة؛ درس معهما بمدرسة الفلاح بجدة، وتحمّل معهما أعباء المسؤولية الأدبية خلال نصف قرن أو يزيد، ولعلي أقول للتاريخ إن القنديل وقف إلى جانب (شحاتة) خلال المعركة الشعرية الشرسة التي بلغت القذى في الهجاء بين الشاعرين، وأنا لم أكن معاصراً لها، ولكني سمعت ذلك من معاصري تلك المعركة، وقال لي الصديق الشاعر السفير (محمد صالح باخطمة)، إن والده كان مدير شرطة مكة المكرمة يومئذ؛ فقال للشاعرين في لهجة نذير ومنذر: إذا لم تتوقّفا عن هذا الأذى فسأزج بكما في (السجن) فتوقف هذا التهاجي.
ورأى كاتبنا أن القنديل يرمز إلى جانب فلسفي؛ يظهر ذلك بوضوح في قصائده؛ فينشد (دنيا الغد) قائلاً:
فيا حلم الفلاسفة المفذّى
ومسعى الطامحين له استعدوا
أطلّي بالسّلام على قلوب
إليه -وقد يراها الشوق– تعدو
وبالحب استفاض هوى وعدلاً
تساوى فيهما شعبٌ وفرد
وكنت أود وما تغنى الودادة أن أمضي في ضوء القناديل فأنقل المزيد من شعر أبي القناديل لاسيما قصيدته الطويلة في تكريم الشاعر والأديب الكبير الأستاذ عبدالوهاب آشي، التي بلغت نحو سبعين بيتاً، والأستاذ الآشي أول رئيس تحرير لصحيفة (صوت الحجاز) التي أنشأها محمد صالح نصيف رحمه الله في مكة المكرمة في العهد السعودي، ثم تحول اسمها إلى (البلاد السعودية) حين ملكها معالي الأستاذ محمد سرور الصبان رحمه الله، وتولى يومها رئاسة تحريرها الكاتب الصحافي البارز عبدالله عريف، وفي عهد المؤسسات الصحافية أصبح اسمها (البلاد). ومطلع القصيدة في الحفل التكريمي لأستاذنا الآشي الذي أقامه له أدباء أم القرى، قال مشعل القناديل:
نفضوا القلوب على القلوب وأقسموا
يوم الجهاد بأنهم لن يحجموا
وحيا المحتفى به بقوله:
يا أيها المثل المكرَّم بيننا
رمزاً يطيب به الولاء ويعظم
والقنديل كثير التفاؤل والسماحة، وله شعر غزل رائع مثل قصيدته في حديثه إلى البلبل، قال:
والوردة الحسناء من ذا الذ
ي يثير فيها غيرة المستحى
إن لن تغازلها تُبثُ الهوى
للروض بسّاماً وتشكو الجوى
وقصيدة أخرى غزلة عنوانها: (ما الذي فيك) قال:
ما الذي فيك يا معيداً إلى القلـ
ـب صباه من بعد أن صار كهلاً؟
والذى تعبس الحياة إذا غا
ب، وتبدو بسّامة إن أطلا
كل ما فيك فاتن يعجز اللفـ
ـظ إذا رام للذي فيك حلا
وفي قصيدة أخرى قال:
لا تقل إنه الجمال وما يفعل الجمال
فيمن على الجمال تعافى؟
إلى قوله وقد غيّر القافية:
فإذا قلت مرة ما الذي فيـ
ـك؟ فإني بالسر فيك ضنين
وأصل إلى الحديث عن شعر الأستاذ حسن عبدالله القرشي من خلال دراسة كاتبنا الخطراوي، لأقول إن شاعرنا حقيق بثناء الأستاذ العميد طه حسين كاتب مقدمة ديوان الشاعر (الأمس الضائع). وما كتبه النّقاد في بلادنا وفي غيرها، فالأستاذ القرشي ذو علاقات وطيدة مع شعراء الوطن العربي وبخاصة مصر، ولعل من مميزات الشاعر القرشي أنه يحفظ من شعره قدراً ليس قليلاً، وأنه يلقيه إلى بعض الصديق إذا طلب منه ذلك، يلقيه من الذاكرة الحافظة، كما يحفظ من أشعار القدماء المشهورين الذين أعجبه شعرهم. وللأستاذ القرشي نصيب في كتابة القصة، فله قصص منها: (حب في الظلام، والحب الكبير، وأنّات الساقية، وأقاصيص...)، وله شيء من الدراسات الأدبية؛ وكان نثره جيداً كلغته عبر قراءاته ومطالعاته، وقد قضى شطراً من حياته في سنيه الأخيرة في القاهرة، وكانت له علاقات وطيدة بشعرائها وكتابها ونقادها، ذلك أنه حفيل بهذه العلاقات والتواصل مع أهل الفكر والشعراء البارزين.
ونقرأ من شعره ما قدمه كاتبنا الخطراوي:
رنّحته الرياض حسنا أغنَّا
يُترع النفس سحرُه الغضّ فنّا
طائر ملهم النشيد تفانى
بينِ عطف الورود يرتاح وهنا
رفرفت نحوه القلوب تناغيه
فأشجى القلوب حين تغنّى
في مقدّمة ديوان (الأمس الضائع) للقرشي، قال العميد: «لقد سمعت بين ما سمعت من الشعراء شعر الأستاذ الصديق حسن عبدالله القرشي؛ ولم أكد أسمعه حتى كَلَفْتُ به، تمنيت أن أراه منشوراً يقرؤه الناس في الحجاز؛ وفي غير الحجاز من أقطار الأرض».
لقد توقفت أتأمل ما قاله الأستاذ؛ ليس لدى قراءتي لكتاب أستاذنا الخطراوي (شعراء من أرض عبقر)؛ وإنما منذ عقود حين طبع الأستاذ القرشي ديوانه (الأمس الضائع)؛ فاستمتعت بما أفضل به الأستاذ العميد يومئذ من ثناء على شعر الأخ حسن القرشي، بل إن عميد الأدب العربي تحدث يوم جاء إلى بلادنا في شهر يناير عام 1955، ومكث بيننا نحو عشرة أيام في ملتقى وفود عربيّة من مصر وبعض الدول العربية، وكان الأستاذ العميد يومها: رئيس اللجنة الثقافية في جامعة الدول العربية؛ وكان من رفاقه الأستاذ الكبير (أمين الخولي) زوج (بنت الشاطي) الكاتبة البارزة الشهيرة عائشة عبدالرحمن. وفي مقدمة الدكتور طه لديوان القرشي ممّا سرّه أنّه استمع إلى بعض شعرائنا في الاحتفاء به ورفاقه وبقية وفود الدول العربية، ففرح وأشار إلى أن الشعر قد تجدد في الحجاز وعاد إلى سيرته الأولى بعد أن صمت طويلاً، ولعل حديث الأستاذ العميد يذكر ما قاله أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله بمناسبة الاحتفاء به أميراً للشعراء. قال: «افتقدنا الحجاز»؛ وكان من حاضري تلك المناسبة الشاعر الصحافي الأستاذ فؤاد شاكر فألقى بعضاً من شعره ذكر فيه أن الشعر تجدّد في الحجاز! رحم الله من ذكرت ومن سأذكر وعباده المؤمنين.. وبمناسبة الحديث عن عميد الأدب العربي وزيارته لبلادنا أنّ مؤسّسة الصّحافة والنّشر بجدّة وهي التي أنشأها الأستاذ أحمد عبيد رحمه الله، ابن المدينة المنورة وأصدر منها (مجلة الرياض) يوم تولى الملك سعود بن عبدالعزيز رحمه الله الملك؛ خلفاً لصقر الجزيرة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رطب الله ثراهما.. قال الأستاذ مداعباً المحتفين به وبرفاقه في كلمات بليغة قوية، قال: منذ أن وطأت قدماي هذا البلد العزيز الكريم؛ أسمعكم تتحدثون عن رجل، أوشك أن أقطع فيما بيني وبين نفسي أنني لا أعرفه. وقال: ردوا أنفسكم إلى شيء من القصد فلسنا ضيفاً عليكم؛ وإن أردتم إلا أن نعيدها جذعة وأن نخاصمكم على هذه الأرض، فثقوا بأننا مستعدون.
***
وأنتقل إلى شاعر آخر مما اختار الدكتور الخطراوي بالبحث والدراسة، فهو شاعر وقاص وصحافي. إنه الأستاذ (سعد البواردي)، الذي قال: «إنني أبرأ من كل أدب ذاتي، ولا أرى أدباً إلا ما يخدم الحياة فقط»، ومن هذه العبارة الصغيرة أستطيع أن أستشف اتجاهه في الشعر، ودواوينه الكثيرة التي قدمها مثل (أغنية العودة) الذي طبعه في عام 1961، ثم (صفارة الإنذار)، (ذرات في الأفق)، (أحاسيس من الصحراء)، (أطياف الربيع)، (لقطات ملوّنة).. وغيرها.
ويمضي كاتبنا قائلاً: «ومن مراجعتنا لبعض أشعاره وجدناه فعلاً يبتعد كثيراً عن الذاتية والتقوقع في حيّز الفردية؛ وينطلق بكل إمكاناته الفنية يخدم كل غرض حياتي نبيل؛ ويسخر شعره لمعالجة القضايا الإنسانية والاجتماعية داخل بلده وخارجها؛ وقد أخذت قضية (فلسطين) جانباً كبيراً من شعره».
ولعلي آثرت إحدى القصائد التي آتى عليها أستاذنا الخطراوي وعنوانها: (الحارة الزنجية)، فقد قدمها البواردي بقوله: «هناك حيث تقع مدينة (جوهانسبورج) عاصمة جنوب أفريقيا الصاخبة، حيث يوجد أكثر من حارة (زنجية) يخيم عليها الصمت والعزلة»، قال فيها البواردي:
الحارة الزنجية
يخرقها السبات
تبحث عن أصوات
تعطي لها الحياة
كأنها فلاة
تسودها السكينة
كأنها موات
ليست من الحياة
ليست من المدينة
الحارة الحزينة
جدرانها عوجاء
أوتادها عرجاء
دموعها تراب
أنفاسها السواد
متّشحة السواد
لقد نقلت ما أمكن من دراسة الدكتور محمد العيد الخطراوي لشعراء من أرض عبقر كما قدّمها النّاقد في كتابه؛ تارة بالتحليل وتارة أخرى بالنقد البناء من وجهة نظره، وحسبي ذلك.. وفي الصفحات التالية لديوان: (غناء الجرح)، من منشورات نادي المدينة المنورة الأدبي بتاريخ 1/6/1297هـ؛ لشاعرنا وكاتبنا وناقدنا الدكتور الخطراوي رحمه الله.. وقد أهداه إلى كل عربي ورث عن أسلافه رفض الذلّ والصغار؛ وألزمته أخلاقه العربية الذود عن الذمار.
ولعل قصيدة (غناء الجرح)، أول من لفت انتباهي، ربما لعنوانها، قال الشاعر:
لفحة الشوق تبعث الحلم حيا
يتهادى على ذراع الثريا
يطأ الحاضر الذليل ويُلقي
بنثاراته مكاناً قصيا
ثم يُلوي به الطموحُ إلى أن
يجعل الشهب مركباً ونَجيا
أي لوم على السجين إذا ما
حنّ للفجر مشرقاً ووضيا
وأتأمل لأحلل عنوان القصيدة التي ترمي إلى الألم والجرح؛ بينما مطلع الأبيات يدعو إلى الشوق والحلم، وإلى ربط بين عنوان القصيدة والأبيات؛ فقرأت ما بين أسطرها دعوة إلى نبض يؤمن بقضيته فأعطاها من فكره وجهده، ولعل الأبيات التالية تشرح ما عناه الشاعر فنقرأ:
يا أخا الجرح طال شوقي وسهدي
والأسى في الفؤاد يُمعن كيّا
وسدى تربط الضمادات إن لم
يكن الجرح حافزاً أبديا
مسعراً للكفاح رمزاً لثأر
مطعم النصر حاقداً عنجهياً
إلى أن قال:
من يغرس الحياة في الأرجل العجفاء
والشوق كي تطيق المضيا
إنها في مسابح الصبح تحيا
وهي من هاهنا تحث المطيا
روعة في التّصوير للألم والجراح لقضية تُقلقه وتقلق كل عربي مسلم يدافع عن حماه وأرضه المسلوبة، إنه جرح كل مواطن فلسطيني ومسلم ذي اهتمام إلى استرداد وطنه؛ ليعيش في رغيد العيش حين تعود أو تسترد القدس موطناً عربياً، ودعوة إلى الاستشهاد في سبيل المسجد الأقصى من براثن المعتدين:
والتزم دوحة الحياة وناد
يا فلسطين ها أنا عدت حيا
وقفة مع رجل وتاريخ.. كان ينبغي أن تمد لتشمل جوانب مضيئة من حياته الحفيلة بالكثير من العطاء المثمر في التعليم العام، وفي كلية التربية وغيرهما؛ وتلك المجلدات الشاملة عن المدينة؛ تناولت عهوداً؛ بدءاً بالعصر الجاهلي وصدر الإسلام وما بعده إلى العهد العباسي.. آمل أن يتاح لبعض الدارسين في جامعة طيبة، وفي جامعاتنا في وطننا العزيز الكريم المتخصصين فيما تناوله أستاذنا في تلك الأسفار الجامعة القيمة.
وعبر أيامه في (وادي العقيق)، وفي هذا النادي الأدبي، نائباً لرئيسه الأستاذ محمد هاشم رشيد، ومنشئ دورية (الآطام) والمسؤول عما تنشره من أدب ومعرفة، وفت معه إدارة هذا النادي تكريماً ومستشاراً للآطام، وإنه لوفاء الرجال؛ وليس ذلك بغريب على من عرفت، وإنه ليصدق عليهم قول أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله:
إنما يقدر الكريم كرام
ويقيم الرجال وزن الرجال
(من محاضرة ألقاها الأستاذ عبد الفتاح أبو مدين بنادي المدينة الأدبي)