لقد اهتم الإنسان بالجمال منذ أن خلقه الله سبحانه وتعالى, وبث في قلبه حب كل شيء جميل وإيجابي تطمئن إليه نفسه، ولما كان تطور البشرية أمراً حتمياً، تطورت معها –بشكل تلقائي ومتزامن– نظرته إلى الجمال متأثراً بانتماءاته الدينية، والحضارية، والسياقات الثقافية المتعددة. من أجل هذا، لا ينبغي لنا النظر إلى مفهوم الجمال نظرة شمولية تغفل كل هذه المؤثرات الدقيقة في حياة الأفراد والمجتمعات.
يكاد الفلاسفة جميعهم يتفقون على أن الأشياء الجميلة عادة ما تكون عينية غير مجردة؛ فالمساجد المزخرفة، والأهرام المصرية الشاهقة، والأبراج الشهيرة الموجودة في العواصم العالمية وغيرها تمثل موضوعات فنية مادية تتحسسها اليد وتدركها العين، والأمر ذاته ينطبق على الموضوعات الطبيعية من زهور، وجبال، وأنهار، وغروب شمس، وطيور، وحيوانات كلها تبقى عينية. بمعنى أوضح، أن الجبال الموجودة في العالم المادي الحقيقي هي التي تمثل الجمال وليست الفكرة المجردة عن الجبال. ومن ثم، نقول إن الموضوعات الجميلة مدركة في طابعها.
فلسفة الجمال عند الغربيين
يعتبر اليونانيون بحق أول من اهتم بالظاهرة الجمالية في شخص (هيراقليط)، و(سقراط)، و(أفلاطون)، و(أرسطو) وغيرهم.
على سبيل المثال، استطاع أفلاطون أن ينحت للجمال الذي ينتمي إلى عالم المحسوس أو المعقول، مثالاً هو (الجمال بالذات)، ومن ثم، أن يربط بين الحق والخير والجمال. ويعد أفلاطون من الفلاسفة الجماليين الموضوعيين المثاليين. إنهم يرون إمكانية تحديد أساس موضوعي للحكم الجمالي الذي يقتضي أن يكون واحداً لدى معظم الناس عند تقييم شيء معين. إن مصدر هذا الحكم هو مثال واحد في العالم المعقول هو (مثال الجمال بالذات).
أما (هيراقليط)، فلقد جعل من الإله المثال الأعلى للجمال. وشدد على استحالة قيام علم يعنى بالجمال، نظراً لنسبية الأحكام الجمالية لدى الناس، ويتفق (سقراط) مع هذا الفيلسوف في مبدأ النسبية، لأنه يرى أن للجمال مثلاً أسمى يستحيل أن تبلغ مرتبته الأشياء. يتجلى هذا المثل الأعلى في الفضيلة. وكان يؤمن بمبدأ الغائية حين رأى أن الشيء لا يكون جميلاً إلا إذا اقترن بمنفعة، وإلا اعتبر قبيحاً.
ظل هذا التصور للجمال سائداً إلى حدود العصر الحديث التي أسس لميلاد فكر جديد لا يربط الجمال بالضرورة بمفهوم النفعية التي كانت سائدة في عهد سقراط، كما أن مفهوم الجمال لم يصبح لصيقاً بالأخلاق والفضائل كما كان يرى أفلاطون. إن مفهوم الجمال في العصر الحديث تأثر بالتطورات العلمية والأبحاث التي تعنى بعلاقة الجمال بالفلسفة، والفن، والهندسة والطب، وغيرها من الاهتمامات الأخرى.
إن أهم ما يميز هذه الحقبة من التفكير البشري هو سيطرة النزعة العقلية الديكارتية في التقييم الجمالي، ذلك بأن ديكارت يدعو إلى الحكم النسبي الذاتي للجمال، بحيث يمكن إطلاق العنان للإحساسات والأهواء الفردية لتأسيس هذا الحكم انطلاقاً من العقل. من هذا المنطلق تظهر استحالة صياغة تعريف مطلق ومقنع لمعنى الجمال بالنظر إلى تغير السياقات الفكرية والمجتمعية والذاتية التي تنتج اختلافاً في الأذواق كما ذهب إلى ذلك (مونتني Montigny) قبل (ديكارت Descartes).
في السياق ذاته يعرض (كانت Kant) لموقفه الجمالي في كتابه المعروف (نقد الحكم)، إذ يرى أن إدراكنا للجمال هو شيء متأصل في نفوسنا أو بتعبيره، هو شيء أولي ولا حاجة لنا إلى استحضار مثال نقيس من خلاله الأشياء الجميلة ما دام كل جميل يشعرنا بالسرور بشكل تلقائي. بكلمة، إن الحكم الجمالي –حسب كانت– لا يقوم في الموضوعات الجمالية، بل يقوم في النفوس.
يأتي هيجل بعد هؤلاء جميعاً ليعمق النقاش حول موضوع الجمال من خلال مؤلفاته العديدة في علم الجمال أو الأستطيقا (aesthetics)، فيرى أن الجمال هو التجلي المحسوس للفكرة، ذلك بأن الفن يمثل في كنهه عالم الأفكار، وفي صورته السطحية عالم المحسوسات. إنه يرى صعوبة أو ربما استحالة وجود حقيقة جمال في العالم المادي المحسوس كالطبيعة (شمس، أشجار..)
فلسفة الجمال عند المسلمين
اهتم المسلمون بالظاهرة الحسية للجمال سواء عن طريق البصر أو السمع، والتزموا بالشرع في تعاملهم مع الجمال؛ فالله جميل يحب الجمال والتدبر في حسن صنعته يعد من تمجيد الخالق وتسبيح بعظمته. ومن ثم، نقول إن مفهوم الجمال في الإسلام ارتبط ارتباطاً وثيقاً بمقاصد الشريعة الإسلامية.
وعندما نتحدث عن فلسفة الجمال في الإسلام، يتعذر علينا تجاوز التفسير الصوفي للجمال الذي يمثله بشكل أوضح الفيلسوف الإسلامي أبو حامد الغزالي الذي تحدث عن السماع الصوفي. إنه يرى أن هذا النوع من السماع يحدث حالة في القلب تسمى (الوَجْدُ)، ثم يوضح أن كل سماع يتم بواسطة قوة الإدراك الحسية (الحواس الخمس) التي تؤدي حتماً إلى إدراك باطني يتم عبر العقل والقلب. كل قوة من هذه القوى الإدراكية تتلذذ بموضوعها الجمالي. يقول الغزالي بهذا الخصوص : «واعلم أن كل جمال محبوب عند مدرك ذلك الجمال، والله جميل يحب الجمال. ولكن الجمال إن كان يتناسب والخلقة وصفاء اللون أدرك بحاسة البصر. وإن كان الجمال بالجلال والعظمة وعلو الرتبة وحسن الصفات والأخلاق وإرادة الخيرات لكافة الخلق وإفاضتها عليهم على الدوام إلى غير ذلك من الصفات الباطنة، أدرك بحاسة القلب..».
وفي سياق الحديث عن التفسير الصوفي للجمال، لا ينبغي أن نغفل المساهمات الفريدة لأبي حيان التوحيدي وابن العربي؛ فالتوحيدي يرى أن جمال الموجودات التي كانت في علم الله قبل أن تكون، موجود في مصدرها. ولا يمكن لإنسان معرفة كنه هذه الموجودات وجمالها إلا بمعرفة الخالق وصفاته عبر استعمال العقل على حساب الحواس. ويصف التوحيدي صفات الله تعالى الجميلة وأفعاله الحسنة بأنها «من الحسن في غاية لا يجوز أن يكون فيها وفي درجتها شيء من المستحسنات، لأنها هي سبب حُسن كل حَسن، وهي التي تفيض الحسن على غيرها، إذ كانت معدنه ومبدأه، وإنما نالت الأشياء كلها الحسن والجمال والبهاء منها وبها». من ناحية أخرى، يربط التوحيدي مفهوم الجمال المادي بمفهوم الغاية التي لا بد أن تكون إيجابية وخيرة لبني البشر. مثلاً، إذا قدم المرء شيئاً ما خيراً للإنسان، عُد نافعاً وجميلاً، وإذا ما أدى الشيء المقدم وظيفة شريرة صار غير نافع وصار قبيحاً. ولا يمكن معرفة المنفعة (الحسن) من عدمها (القبح) إلا إذا انطلق في «البحث اللطيف عنهما حتى لا يجور فيرى القبيح حسناً والحسن قبيحاً، فيأتي القبيح على أنه حسن، ويرفض الحسن على أنه قبيح». أما ابن العربي، فتصوره للجمال يقوم على حقيقتي الجلال والجمال؛ إذ جعل الجلال للقهر والجمال للرحمة.
هذا عن تصور التراثيين لمفهوم الجمال. فماذا عن تصور المسلمين المحدثين لهذا المفهوم؟
تطور الحديث عن الجمال في الوقت الراهن، فتحدثوا عنه بشكل عميق ضمن تخصص (الأدب الإسلامي). فهذا عماد الدين خليل يعرف الجمال بكونه «ذلك الإبداع الذي يتضمن قدراً من التناسب والتناظر والإحكام والإثارة، والذي يبعث في النفس الدهشة والتجاوب والإعجاب والانسجام، ويمنحها قدراً من التوحد والتناغم والامتلاء». كما يرى أيضاً أن الجمال يتضمن «دوائر ثلاثة تضم أولاها الكون والوجود والحياة والإنسان بحثاً عن عناصر الجمال.. وتنطوي ثانيتها على النشاط الأدبي والفني باعتباره نشاطاً جمالياً.. أما ثالثها فتتمركز عند تاريخ الجمال والفلسفة».
وعندما يتحدث عماد الدين خليل عن قيمة الجمال وغائيته يقول: «إن الجمال في المنظور الإسلامي ليس هدفاً بحد ذاته، كما قد يتبادر إلى الذهن, فالجمال في الإسلام جمال قيمي، فما يقود إلى قيم إيجابية تبشيراً وتعزيزاً هو الجمال المطلوب». ثم يسترسل قائلاً في تمييزه بين الجمال الحق، والجمال الباطل: «الإسلام واقعي حينما يسمي حتى ما لا يرضاه زينة أو جمالاً، ولكنه يفرق بين الجمال الذي يقود إلى الحق، والجمال الذي يقود إلى الباطل... فهناك الجمال الذي يدخل دائرة الحِلّ، بل يغدو أمراً واجباً، وهناك الجمال الذي يدخل دائرة الحرمة ويغدو أمراً مرذولاً». إن الكاتب بهذا يعلن حرباً ضد من يفرق بين الجمال وغايته, مؤكداً في تساؤله: «لم خلق الله سبحانه هذه القيم الجمالية... إن لم تكن من وراء ذلك حكمة ومنفعة تحتمان على الإنسان التعامل مع (الجمال) والتكيف بقيمه، وتزيين الحياة الدنيا بمعطياته التي ما لها من نفاد؟!».
وغير بعيد عن تصور عماد الدين خليل، يرى نجيب الكيلاني أن «الجمال سبب من أسباب الإيمان وعنصر من عناصره، والقيم الجمالية والفنية تحمل على جناحيها ما يعمق هذا لإيمان ويقويه»، كما يوضح أن «المنفعة في العمل الأدبي لا تتناقض مع القيم الجمالية وهذا راجع إلى قدرة الكاتب وبراعته في الأداء»، ثم يقول: إن الإسلام «يعلي القيم الجمالية ويعلي من شأنها ويحيطها بسياج من العفة والنقاء والطهر.. ويزيد الكلمة الجمالية شرفاً حين يكلفها بأعظم رسالة وأسمى مهمة.. الإسلام جميل يحب الجمال ولم يتنكر في يوم من الأيام للجمال الذي هو من صنع الله وإبداعه». وضمن هذا السياق الذي يربط الجمال بالأخلاق، يرى نجيب الكيلاني أن الأدب الإسلامي «إفراز طبيعي لمجتمع مسلم، والذين يعارضون هذا التصور يهددون الأصول والبديهيات والوقائع التاريخية.. وأن على الأدباء الإسلاميين أن يهتموا بتأصيل القيم الجمالية ومضامينهم الفكرية الأصيلة».
وكي نختم، لا بد من الإشارة إلى أن ميدان البحث في مفهوم الجمال ما يزال خصباً، على الرغم من أن حضارات الدنيا كلها تحدثت عنه. وبالتالي، تدعو الضرورة إلى مواصلة البحث فيه بعمق حتى نستكشف أسراراً أرقت الباحثين في الماضي القريب والبعيد.