مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

استثمار العقل

(ما هوايتك؟), هذا من الأسئلة الشهيرة جداً في فترة طفولتي, إذ يمثل دافعاً ومحفزاً لأي شاب في مقتبل العمر بدأ لتوه يبحث عن عالمه, ويشق طريقه في دروب الحياة, ليفكر في اكتشاف قدراته الخاصة به. إلا أن أجواء التعليم في عالمنا العربي اليوم تراجعت بدل أن تتقدم, فوأدت منذ زمن تحت طاولات الدرس المهترئة وجدرانه العقيمة حلاوة الحديث عن الهواية وعن الطموح.
مع أن الدراسات الاجتماعية والتربوية قد انشغلت  في تحديد ماهية الذكاء, وخرجت نظريات متعددة حول قدرات الإنسان وحدود ذكائه, ولعل أشهرها نظرية جاردنر حول الذكاء المتعدد, وهي النظرية التي ترى أن كل متعلم لديه تسع قدرات, قد تبرز لديه قدرة معينة أو أكثر, وقد تجتمع أكثر من قدرة لدى الشخص الواحد. وهذه النظريات الحديثة قضت على مفاهيم كنسية قديمة ترى الإبداع (موهبة) أو خاصية خارجية خص بها هذا الشخص عن سواه من الناس. 
وبعد, فإننا في العالم العربي لم نخرج بمايواكب هذه النظريات ويعزز القدرات التي يتمتع بها المتعلم, فما زلنا نتجرر أساليب تعليمية قديمة لا تواكب ما توصلت له نظريات الذكاء والدراسات الاجتماعية والتربوية الحديثة. وفي المملكة مثلاً هناك مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع وهي مؤسسة أنشئت لرعاية ذوي القدرات والمبدعين, مع أنها استخدمت مصطلح (موهبة) بما يحيل للمفاهيم القديمة حول أن الذكاء هبة خارجية. 
إلا أن الحاجة ملحة ليس في مؤسسة الملك عبدالعزيز أو حتى في المملكة, وإنما في عالمنا العربي إلى تبديل كامل في الأساليب التعليمية وفي الأنماط المتوارثة, بحيث تتم إعادة بناء التعليم بما يواكب النظريات الحديثة سواء نظرية الذكاء المتعدد أو غيرها من النظريات الحديثة في التعليم, ليشمل التغيير شكل المبنى الدراسي والتوزيع التقليدي للمواد الدراسية, والوسائل, وأن تنحو الدراسة إلى مجالات تطبيقية أكثر منها نظرية تلقينية. حتى لو تفحصنا القدرات التي أوردها جاردنر في نظرية الذكاء المتعدد نجد ثلاثاً منها فقط  يمكن إدراجها في الجانب النظري, أما بقية القدرات فهي تطبيقية, تحتاج معامل خاصة وزياً خاصاً وأسلوباً مغايراً تماماً لطريقة التعليم التقليدية.
وتبعاً لذلك فالتعليم لم يتغير منذ أكثر من قرن من الزمان, ولم يخضع حتى الآن لتجربة تغيير خاصة به, فما نلمسه لا يعد تغييراً مقصوداً لذاته وإنما هو مواكبة لتطورات في مناحي الحياة بشكل عام. 
وليس فيما أقوله جديد, لكن تكراره والإصرار على المطالبة به يعد مطلباً ثقافياً ملحاً في عصر نحن أحوج ما نكون فيه للعمل على تهيئة الأجواء المناسبة للمتعلم لتخرج تلك القدرات والإبداعات الكامنة في عقول شبابنا وبناتنا, بما يحقق أحد أهم أهداف أي أمة تضع نصب عينها استثمار عقل الإنسان وإبداعه وذكائه.
ذو صلة