إن النقد السوسيولوجي في الأدب، غني ومتنوع، فهو من جهة، يتضمن تيارات ومجالات بحث شديدة التباين، ومن جهة أخرى، يختلف من حيث الطرائق المستعملة في المعالجة النقدية، إذ يمكن التمييز بين طريقتين أساسيتين في النقد السوسيولوجي هما: السوسيولوجيا التجريبية (S.Empirique), والسوسيولوجيا الجدلية (S.Empirique). وسنحاول التركيز في مقالنا هذا على البنيوية التكوينية كما جلى خطوطها المفكر الماركسي ل. غولدمان، والمؤسس الأول والحقيقي لها جورج لوكاتش. ترى ما مفهوم البنيوية التكوينية؟
إن أشهر من يمثل السوسيولوجيا التجريبية (S.Empirique) هو الفرنسي روبير إسكاربيت (R.Escarpit) ومساعدوه ممن تجمعوا حول (معهد الأدب والتقنيات الفنية للجماهير) (I.L.T.A.M), وهي مجموعة من الأبحاث السوسيولوجي المتعلقة بالنشر والتوزيع، ولا سيما تقبل الأعمال الأدبية، وتشكل هذه المجموعة فرعاً من فروع علم الاجتماع الوضعي، يعتمد مبدئياً الطرق نفسها (من استمارات واستطلاعات غير مباشرة.. إلخ) المعتمدة في كافة الفروع الأخرى من علم الاجتماع الجامعي.
ويؤخذ على الاتجاه التجريبي (تجاهله للكيف واهتمامه أكثر بالكم والمضمون) الذي يلعب الدور الأساس في تكوين الوعي الجماعي. كما يرى تيودور أدورنو Adorno Theodor ممثل الفلسفة الجدلية للنظرية النقدية، أنه من المستحيل إهمال العناصر المكونة للعمل الفني، ومن المستحيل كذلك في رأيه، استبعاد أحكام القيمة الجمالية في علم اجتماع الأدب، لأن الدراسة الجمالية للكيف تشرح في كثير من الأحيان المظاهر الكمية للعمل، فمثلاً واقعة أن نصاً طليعياً صعب القراءة، لا يلقى أي نجاح في السوق في حين أن إنتاج الأدب البذيء Trivial يباع بفضل كليشهاته الأيديولوجية وقوالبه القابلة للتسويق.
أما السوسيولوجيا الجدلية (S.Empirique) فقد اتخذ مصطلحاً أكثر دقة وتعبيراً مع لوسيان غولدمان الذي أطلق عليه البنيوية التكوينية فيما بعد. لا سيما بعد استفادته مما كتبه جورج لوكاتش في مؤلفه (نظرية الرواية) و(التاريخ والوعي الطبقي) كما تزعمها أيضاً كل من ميشال زيرافا، وجاك لينهارد Jacque leen Hardt وبييرزيما P. Zima أستاذ الأدب العام الذي يرى «أن النظريات الجدلية لا تهتم فقط بالوظيفة الاجتماعية والاقتصادية للأدب البذيء literature triviale بل تسعى لشرح العلاقة بين بنياتها الدلالية والسردية من جانب والمصالح الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لبعض الجماعات من جانب آخر».
لقد كانت أعمال جورج لوكاتش بمثابة اللبنة الأولى في المنهج البنيوي التكويني، وجعله علماً موضوعياً بحيث لم يعد العمل الأدبي يبدو كانعكاس للوعي الجماعي، كما أن العلاقة الأساسية لم تعد على مستوى المضمون وإنما على مستوى التماثل البنياني analogic structurelle.
يفهم من هذا القول أن العلاقة أصبحت تبدو على مستوى التماثل البنيوي بين البنى الذهنية، التي هي عبارة عن مقولات تشكل الوعي الجماعي، وبين البنى الجمالية التي تشكل العمل الفني، وقد اكتسب المنهج النقدي الجدلي على يد لوكاتش صورة أكثر عمقاً وانسجاماً، لقد أقام هذا الناقد دعائم (سوسيولوجيا الرواية) استناداً إلى النظرية الجدلية التي تفسر الفن بأنه تعبير غير مباشر عن الصراعات الاجتماعية القائمة في أي مجتمع وما قدمه (لوكاتش) من إضافات جديدة أضفى على المنهج النقدي الجدلي أهمية بالغة من حيث أنه لم يعد يتوجه إلى المضمون الاجتماعي والأيديولوجي فحسب، ولكنه أخذ يقيم للجانب الفني أهمية قصوى إذ أن تحليل هذا الجانب يعتبر خطوة ضرورية من أجل الوصول إلى فهم التصور الذي يتبناه الأديب.
والحقيقة أن الناقدين لوكاتش وغولدمان استفادا كثيراً من أعمال المفكرين الماركسيين، ولا سيما كارل ماركس K. Marx الذي حدد خطوط المنهج الاجتماعي الجدلي، وهو يؤكد على أن الإنتاج الفكري، وبالتالي الأدبي والشعري، ينتمي للبنية الفوقية للمجتمع، في فترة من فترات التطور التاريخي، وأن هذه البنية وجدت في ظروف موضوعية متميزة بعلاقات ووسائل إنتاج محددة، وهو ما يكون البنية السفلى للمجتمع.
نستنتج مما سبق، أن لوكاتش لم يصغ أفكاره عن البنيوية التكوينية صياغة نظرية متكاملة، إذ كانت هذه المهمة من إنجاز لوسيان غولدمان. فمفهوم البنيوية التكوينية كما هو واضح، يتكون من مفهومين: المفهوم الأول وهو البنية (S.tructure) ويعني اعتبار النص الروائي بنية فنية ذات استقلال عن باقي البنى الأخرى للأشكال الأدبية، فأي رواية مهما كان نوعها تعتبر بنية جمالية وفكرية قائمة بذاتها وتتمتع باستقلال نسبي عن باقي البنى الأخرى (روايات أخرى أو منظومات فكرية وجمالية مخالفة).
المفهوم الثاني وهو التكوين (Genese) ويرتبط بمسألة التطور، فأي ظاهرة فنية مهما كان قدر استقلالها، فهي لا تفهم فهماً كاملاً إلا عندما تربط بسياقها الفكري والاجتماعي العام.
ويعتبر لوسيان غولدمان من أشهر المنظرين للبنيوية التكوينية، ذلك بأنه اتخذ من النقد الأدبي مجالاً أساسياً لبلورة منهج ينطلق من طبيعة العمل الأدبي ذاته، وقد اصطبغت البنيوية عنده بلون جدلي ماركسي يقيم علاقة بين الذات والموضوع، بين تأثير الواقع الاجتماعي على الإبداع الأدبي، وأهمية العامة الاقتصادي، والعلاقات بين مختلف شرائح المجتمع.
ومن ثم فإن جوهر الممارسة الأدبية هي ممارسة فوقية معقدة للصراع الطبقي ضمن تاريخ ومجتمع معينين وتعقد هذه الممارسة نابع من تعقد الخطاب الأدبي ذاته، بعبارة أخرى يرتكز المنهج الاجتماعي الجدلي أو البنيوية التكوينية على مبدأين أساسين يلخصهما غولدمان في قوله: «إن أول فكرة عامة يرتكز عليها الفكر البنيوي التكويني يكمن في أن كل تأمل في العلوم الإنسانية يحدث لا من خارج المجتمع، بل إن هذا التأمل جزء تقل أو تكبر أهميته حسب الوضعية بطبيعة الحال من الحياة الثقافية لهذا المجتمع، ومن خلالها الحياة الاجتماعية العامة.. إن الفكرة الثانية الأساسية لكل علم اجتماع جدلي وتكويني هي أن الأفعال الإنسانية أجوبة شخص فردي أو جماعي، تؤسس محاولة لتغيير وضعية معطاة في اتجاه ملائم لتطلعاته، وهذا يعني أن كل سلوك، وبالتالي كل فعل إنساني، له خاصية دالة ليست دائماً واضحة، ولكن على الباحث إظهارها من خلال عمله».
نلاحظ من خلال هذا النص، أن هناك تركيزاً كبيراً على العلاقة الكائنة بين الفكر والواقع، حيث أن الإبداع الأدبي والفكري لا يتمتع أبداً باستقلال مطلق عن الواقع.
وقد ظهرت استفادة غولدمان بمقولة الكلية التي أعطاها جورج لوكاتش مكانة الصدارة في كتاب (التاريخ والوعي الطبقي) في كتابة المهم (الإله المختفي) Le dieu cache.
والفكرة الرئيسة في هذا الكتاب كما يحددها غولدمان في تصديره، هي أن الوقائع الإنسانية تكون دائماً أبنية كلية ذات دلالة، تتسم بأنها عملية ونظرية وانفعالية على السواء، وأن هذه الأبنية لا يمكن أن تدرس بطريقة وضعية أي لا يمكن أن تفسر وأن تفهم سوى في منظور عملي مؤسس على قبول مجموعة معينة من القيم.
إذا ترى البنيوية التكوينية في العمل الأدبي عنصراً مهما ومكوناً للوعي الجماعي، من هنا جاء اختلاف غولدمان مع مجموعة من الدراسات النقدية السابقة، التي نعتها بالدراسات السوسيولوجية المبتذلة فغولدمان يعتبر النقد الماركسي الكلاسيكي هو نقد المضامين يرى في العمل الأدبي انعكاساً للوعي الجماعي الإيديولوجي، لذلك يكون هذا النقد فعالاً حين ينصب على الأعمال الأدبية المتوسطة المستوى.
لذلك نجد أن مفهوم الرؤية للعالم الذي حدده لوسيان غولدمان، كان وسيلة للتخلص من النظرة الآلية للانعكاس، فالعمل الفني عند غولدمان هو رؤية للعالم Vision du monde والرؤية هذه ليست نسخاً أو انعكاساً ساذجاً للأشياء، وإنما هي تفاعل وثيق بين البنى الذهنية لمجتمع ما، وبين البنى التي تشكل عالم العمل الفني.