قرأت رداً لبعض الفقهاء على الفلاسفة، وهو رد مليح نتيجته الاستدلال بالخطأ على تسويغ خطأ مثله؛ فلقد ذكر أبو بكر الرازي: «أن أهل الشرائع أخذوا الدين عن رؤسائهم بالتقليد، ودفعوا النظر والبحث عن الأصول».. ثم رد عليهم أبو حاتم الرازي بقوله – وهو معارضة الدعوى الباطلة بدعوى باطلة: «إنه وغيره ممن يدعي الفلسفة قد أوجبوا التقليد على أتباعهم فيما يدق من علومهم، وأجازوا التسليم لرؤسائهم فيما لا تبلغه عقولهم.. أو ليست هذه رخصة في ترك النظر».
قال أبو عبدالرحمن: منذ أكثر من عقد من الزمن أصابني قلق فكري حول تحقيق مسائل الشريعة للمسلمين بجهد مشترك مشروط بالأهلية، وخلوص النية لله جل جلاله في تحري مراده وابتغاء مرضاته، والتـحلـي بالخلق النبيل في الصدق مع النفس؛ فلا يجزم طالب العلم بشيء وفي عقله وقلبه قلق يكدر عليه الصدق.. وكل ذلك نتيجة نصيحتين هما من نص كلام الله، ولكنهما من باب الذكرى للغافل، والذكرى تنفع المؤمنين.. هاتان النصيحتان للإمام ابن حزم برد الله مضجعه، وقدس روحه، ونور ضريحه.. قال: «من أخذ الشريعة من غير ما صح عن صاحب الشريعة الذي أرسله الله تعالى بها، واتبع من لم يأمره الله تعالى باتباعه: فقد خاب، وخسر، وبطل عمله؛ فهو باطل مـفترىً، والباطل فرض اجتنابه».. وقال: «من طلب علم الشريعة ليدرك به رياسة، أو يكسب به مالاً: فقد هلك؛ لأنه طلبه لغير ما أمره خالقه أن يطلبه؛ لأن خالقنا عز وجل إنما أمرنا أن نطلب ما شرع لنا لننجو به بعد الموت من العذاب والسخط؛ فمن طلبه لغير ما أمره به خالقه: فقد عطاءه، وبطل تعبه، وحبط عمله، وضل سعيه».. فهل يتحقق ما أراده الله باجتهاد مطلق حاصل في الذاكرة بملكة الحفظ والتصور، سريع الحضور بملكة الاسترجاع وقوة الذاكرة؟!.. كلا، بل هذا ضرب من الجنون، ولم يحصل هذا لمخلوق إلا للرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين يبلغون وحي ربهم، وتكفل الله لهم بأن يحفظ لهم بلاغهم إلى قومهم، وتكفل الله بحفظ الإسلام إلى أن تقوم الساعة؛ لأنه خاتمة الأديان للثقلين جميعاً؛ إذن ما المخرج؟!.. الجواب أن من لم يطلب العلم الشرعي فلا حق له في الفتيا، والرد إلى أهل الاختصاص من المسلمات؛ وإنما يسأل أهل الذكر، ويتحرى الاجتهاد بـحسه في معرفة الأورع، والأشهر بتحقيق العلم.. وهكذا سبيل طالب العلم الشرعي إلى أن يكون شخصيته بعلوم الآلة تحصيلاً وفكراً مثل علوم النحو والصرف واللغة والبلاغة اللواتي يـحقق بهن دلالة النص الشرعي، والتاريخ وعلومه ونظام التفكير من نظرية المعرفة، ليحقق ثبوت النص ودلالته معاً، وسيمضي أكثر من عقد في ممارسة بعض مسائل الشريعة وتكون له دربة.. وهذا هو الاجتهاد المطلق الذي أعنيه، وأما أن تكون كل مسألة من المعارف محققة حاضرة في ذهنه فهذا محال؛ وإنما المراد تحصيل الملكة والأهلية موهبةً ودربةً اكتسابيةً؛ فيكون عليماً بمواضع المسائل من مصادرها، قادراً على اقتناص الشوارد، محتفظاً بكناشة تذكره ما مر عليه؛ فإذا نابته مسألة لم يحققها يتفرغ لها سويعات أو أويمات؛ فيكون سريع الإلمام بالمسائل، ماهراً –بالله ثم بما عنده من الملكة والتأصيل والأهلية– في اقتناص المراد الشرعي.. ثم إن من هذا شأنه لا يخلو من أحد أمرين:
أحدهما: أن يصرف ملكته وأهليته وتأصيله إلى نصر مذهب إمام وأتباع إمام قلدهم أمر دينه؛ فهذا إن لم يفت فأجره عند ربه عظيم إن شاء الله، وهذا هو الذي ينطبق عليه قول ابن عجلان فيما أورد أبو عمرو بن الصلاح قال: «قال الإمام أحمد: سمعت الشافعي يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: سمعت محمد بن عجلان (رحمهم الله تعالى) يقول: إذا أغفل العالـم لا أدري أصيبت مقاتله.. هذا إسناد عزيز جداً؛ لاجتماع أئمة المذاهب الثلاثة فيه بعضهم عن بعض، وروى مالك مثل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما»، وقد نظم هذا المعنى أبو بكر ابن دريد عفا الله عنه؛ فقال:
جهلت فعاديت العلوم وأهلها
كذاك يعادي العلم من هو جاهله
ومن كان يهوى أن يرى متصدراً
ويكره (لا أدري) أصيبت مقاتله
وفي التحرج من الفتيا بغير اجتهاد مـحقق أورد ابن الصلاح نصوصاً نافعة.. قال رحمه الله تعالى: «وروى أبو عمر (يعني ابن عبدالبر) عن سفيان بن عيينة، وسحنون بن سعيد (رحمهما الله تعالى) قالا: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً.. وروينا عن عبدالرحمن بن مهدي قال: جاء رجل إلى مالك بن أنس يسأله عن شيء أياماً ما يجيبه؛ فقال: يا أبا عبدالله: إني أريد الخروج وقد طال التردد إليك؟.. قال: فأطرق طويلاً، ثم رفع رأسه فقال: ما شاء الله: يا هذا إني إنما أتكلم فيما أحتسب فيه الخير، ولست أحسن مسألتك هذه».. وقال: روينا عن أبي حصين الأسدي أنه قال: إن أحدكم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر (رضي الله عنهم).. وروي عن الحسن، والشعبي مثله.. وقال ابن المنكدر: إن العالم بين الله وبين خلقه؛ فلينظر كيف يدخل بينهم؟.. قال ابن الصلاح: ولما ذكرناه هاب الفتيا من هابها من أكابر العلماء العاملين، وأفاضل السالفين والخالفين.. وكان أحدهم لا يمنعه شهرته بالإمامة، واضطلاعه بمعرفة المعضلات في اعتقاد من يسأله من العلماء من أن يدافع بالجواب، أو يقول: لا أدري.. أو يؤخر الجواب إلى حين يدري؛ فروينا عن عبدالرحمن بن أبي ليلى أنه قال: أدركت عشرين ومئة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (رضي الله عنهم) يسأل أحدهم عن المسألة؛ فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول.. وفي رواية: ما منهم من أحد يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه إياه، ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا.. وروينا عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: من أفتى الناس في كل ما يستفتونه فهو مجنون.. وعن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه.. وكلام الإمامين ابن حزم وابن عبدالبر رحمهما الله تعالى في هذا كثير، وقال أبو عمرو ابن الصلاح (577-643هـ) رحمه الله تعالى: «جاء عن أبي سعيد عبدالسلام بن سعيد التنوخي الملقب بسحنون إمام المالكية وصاحب المدونة التي هي عند المالكيين ككتاب الأم عند الشافعيين أنه قال: أشقى الناس من باع آخرته بدنياه، وأشقى منه من باع آخرته بدنيا غيره.. قال: ففكرت فيمن باع آخرته بدنيا غيره، فوجدته المفتي.. يأتيه الرجل قد حنث في امرأته ورقيقه؛ فيقول له: لا شيء عليك.. فيذهب الحانث، فيتمتع بامرأته ورقيقه؛ وقد باع المفتي دينه بدنيا هذا.. وعن سحنون: أن رجلاً أتاه، فسأله عن مسألة، فأقام يتردد إليه ثلاثة أيام: مسألتي أصلحك الله.. اليوم ثلاثة أيام.. فقال له: وما أصنع لك يا خليلي؟.. مسألتك معضلة، وفيها أقاويل، وأنا متحير في ذلك.. فقال له: وأنت أصلحك الله لكل معضلة؟.. فقال له سحنون: هيهات يا ابن أخي، ليس بقولك هذا أبذل لك لحمي ودمي إلى النار!.. ما أكثر ما لا أعرف.. إن صبرت رجوت أن تنقلب بمسألتك، وإن أردت أن تمضي إلى غيري فامض تجب في ساعة.. فقال له: إنما جئت إليك ولا أستفتي غيرك.. فقال له: فاصبر عافاك الله.. ثم أجابه بعد ذلك».
وإن أراد أن يفتي؛ لأن حاجة العامة ماسة إليه، وقد نصبه الإمام لذلك، وليس عنده إلا ما وعاه ذهنه من مسائل إمامه بأدلتها، ولم يـجهد نفسه في مراجعة كتب الفقه المقارن، ويـجدد علمه بتلك المراجعة، ويجتهد، ولا يتكل على ما في كتب الأصحاب: فالأتقى له عند ربه أن يقول: «الذي عليه الأصحاب، أو عليه مشايخنا أن الحكم كذا، ودليلهم كذا، وعليه العمل في بلادنا»؛ فيكون مخبراً عن المشايخ، ويخرج من عهدة الفتيا في الشرع بغير اجتهاد.
وأما الأمر الثاني الذي ينبغي أن يتصف به من عنده الأهلية التي أسلفتها: فشأنه أن يفتي بما حققه عن اجتهاد؛ فيفتي العامي بالحكم إجمالاً، ويفتي المثقف بالحكم وما يكفي من الدليل، ويفتي طالب العلم بالحكم وأدلته مع الدفع لأدلة الآخرين واعتراضاتهم؛ فإن كان لم يحقق المسألة فليفت بما عليه علماء البلد ناسباً الفتوى إليهم، ويعد بتحقيق المسألة ليسمعها السائل فيما بعد أو يقرأها.. وهو لن يفتي باجتهاده إلا عن يقين أو رجحان حسبما اشترطته آنفاً من الأهلية وخلوص النية في تحري مراد الله .
قال أبوعبدالرحمن: من الغبار الذي تذروه الرياح تسويغ اتباع إمام بعينه باجتهاد أدى إلى رجحان مذهبه؛ فهذه دعوى العصمة على استحياء.. والأئمة المتبوعون الذين وصفوا بالاجتهاد المطلق لا يعني وصفهم هذا أنهم أحاطوا بمسائل الشريعة على وجه إصابة المراد الشرعي؛ فهذا محال؛ وإنما ميزتهم أنهم لم يتبعوا مذهب إمام بعينه، بل استعملوا الأهلية التي أسلفتها في النظر في نصوص الشريعة، وأقوال العلماء قبلهم أو من معاصريهم، ثم كانت مسائلهم على أنحاء: منها ما جزموا فيه على المراد فيما لا يسع فيه الاختلاف من القطعيات، ومنها ما أخذوا فيه برجحان ظهر لهم، ومنها ما توقفوا فيه، ومنها ما تجاوزوا البحث فيه وهذا كثير في موسوعات العلماء؛ فعلى سبيل المثال تجاوز بعض أئمة التفسير مسائل لم يحققوها، وتعتريهم العناصر التي أحصاها العلماء عن أسباب الاختلاف كغياب شاهد العلم عند بعضهم؛ وبهذا نعلم إحالة أن يكون المتبع إماماً بعينه آخذاً اتباعه بالاجتهاد المشروع؛ لأن معنى ذلك أنه وجد خلوص الإصابة في مذهب إمامه؛ فيلزم عنه دعوى العصمة، ولا يملك أحد أن يجسر ببرهان على أن الحق في قول إمام بعينه.. ولا يخلو متبع إمام بعينه من أحد أمرين: إما أن يكون ذلك تلقيناً بحكم النشأة، وإتباع مشايخه من أهل المذهب، وبقائه على مذهب أهل بلده؛ فهذا لا يحل له أن يفتي.. وإما أن يكون اجتهد في أصول إمامه؛ فاتبعه لاتفاقهما في الأصول التي صححها باجتهاد، ثم صرف مواهبه للاجتهاد في قول إمامه؛ لتحقيق مراده، ورد فروعه إلى أصوله، وربما خالف إمامه في مسألة فقهية؛ لأنها تطبيق خاطئ لأصول إمامه؛ فهذا كذلك يـخبر عن مذهب إمامه ودليله.. والأولى أن يصرف موهبته إلى النصوص الشرعية والفقه المقارن الذي فيه أقوال العلماء واستدلالهم واعتراضهم.. ولو رفع الله الفكر من العقل ورفع العلم من الصدر فلا خيار إلا تقليد إمام بعينه؛ لاستحالة الاجتهاد فيما اختلف فيه العلماء، ولأنه عز طلب الحكم بدليله من غير تقليد؛ فلم يبق إلا التقليد الأعمى بغير علم بالبرهان والاعتراض.. ولكن الله جعل الفكر حظاً مشاعاً، والعلوم حاضرة إلى أن يفسد الكون قبيل قيام الساعة فينزع الله العلم من الصدور عندما لا يوجد إلا شرار الخلق.. ومن ملك الاجتهاد في تحقيق مراد إمامه علماً وفكراً فهذه الملكية هي شرط الاجتهاد في تحقيق الخلاف بين العلماء، فحق أن يصرف هذه الموهبة لتحقيق مراد ربه لا إلى تحقيق مذهب إمام بعينه؛ ليتبعه!!.. وبالنفي أقول لا المجتهد المطلق كالأئمة المتبوعين، ولا أحد من المجتهدين في مذهب إمام بعينه يملك الإمامة في كل معارف الشريعة وما يساعدها حديثاً وفقهاً وأصولاً ولغة ونحواً وبلاغة، بل من المقلدين المتأخرين من هو مثلاً أمكن من أحد الأئمة المتبوعين في العلم بتصحيح الحديث كالزيلعي وابن حجر والألباني –وهذا لا يعني العصمة؛ وإنما هو التفاضل في الاختصاص-؛ لتفرغهم لهذا الفرع، ولانتشار الحديث؛ فكان فيه ما لم يبلغ أحد الأئمة؛ ولهذا اتفق الأئمة كلهم (كما في الرسالة الباهرة للإمام ابن حزم، ومقدمة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم للألباني رحمهم الله) على معنى هذه الكلمة: (إذا صح الحديث فهو مذهبي).. والإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى من أصحاب الحالة الثانية التي ذكرها ابن الصلاح، وهم الذين اختاروا مذهب إمام بعينه عن اجتهاد أدى بهم إلى سلوك طريقته في الاجتهاد، وقد خالف الإمام أحمد رحمه الله في مسائل فقهية محصورة؛ اتباعاً للدليل وحسناً فعل.. إلا أنه تهيب أن يخالفه في مسائل من العقيدة حصل فيها الخلاف منذ عهد أحمد: وهي إما مسبوقة بإجماع سلفي قبل الخلاف، وإما أنه لا يعلم فيها قول؛ فالرد إذن إلى البرهان لا إلى اتباع إمام بعينه.. وابن تيمية رحمه الله من أذكياء العالم، وذو معارف متعددة، وذو زكاء -بالزاي- لتعبده وجهاده وصدعه بما يراه حقاً.. ومع الإيمان بهذه الحقيقة فلا بد من الإنصاف، فليس هو بأوحد في العبادة والصراحة بإطلاق من بعض من سبقه أو عاصره أو جاء بعده.. وليس هو بأذكى من جميع خلق الله، بل عارض من يساويه أو يفوقه في الذكاء وتركيب الحجج وتوليد الوجوه.. وهو متمكن في العلم بالجملة، ولكنه مثلاً ليس بأعلم من أبي حيان والسهيلي والشاطبي صاحب شرح الخلاصة في النحو، ولا من الجويني وأبي حامد الغزالي في أصول الفقه والمنطق، ولا من الأزهري وابن فارس والراغب والزمخشري في اللغة، ولا من ابن حجر في الحديث.. وقوة ذاكرته لا تعني استيعابه للعلم الذي عنده مدوناً، ودقة ملكته في توليد الحجج والوجوه لا يعني إصابته حتماً.. بل يظهر ذكاؤه وعبقريته في مسألة إذا حققتها بميزان الإصابة وجدتها خارج محل النزاع؛ فالوجوه الكثيرة التي رد بها الحد الأرسطي (كما بينت ذلك كثيراً) عبقرية فكرية، ولكن المنطقيين (بتنصيص بعضهم، وبدلالة سياق بعضهم) لم يريدوا باقتناص التصور بالحد أن الحد هو الذي يحصل التصور؛ فتكون عبقرية ابن تيمية في تلك الوجوه داحضة للزعم بأن الحد يحصل به التصور؛ وإنما أرادوا أن الحد يوصل تصور المرسل إلى تصور المتلقي، أو ينقل تصورهما بلغة مشتركة؛ وإذن لا ترد عبقرية ابن تيمية على كلامهم عن الحد.. وإذا التزم عالم عابد موهوب مثل الإمام ابن تيمية نصر مذهب إمامه في مسألة خلافية، وتهيب مخالفته، ولم يراع فضل معارضه في علمه وموهبته وحجته: فسيقع حتماً في التكلف في الاستدلال، وربما خرج عن المسلمات، وإليكم هذا المثال: قال رحمه الله عن عصمة الأنبياء: «قد اتفق المسلمون على أنهم معصومون فيما يبلغونه عن الله؛ فلا يجوز أن يقرهم على الخطأ في شيء مما يبلغونه عنه؛ وبهذا يحصل المقصود من البعثة.. وأما وجوب كونه قبل أن يبعث نبياً لا يخطئ أو لا يذنب فليس في النبوة ما يستلزم هذا، وقول القائل: (لو لم يكن كذلك لم تحصل ثقة فيما يبلغونه عن الله) كذب صريح؛ فإن من آمن وتاب حتى ظهر فضله وصلاحه ونبَّأه بعد ذلك -كما نبأ إخوة يوسف، ونبأ لوطاً وشعيباً وغيرهما-، وأيده الله تعالى بما يدل على نبوته: فإنه يوثق فيما يبلغه، كما يوثق بمن لم يفعل ذلك، وقد تكون الثقة به أعظم إذا كان بعد الإيمان والتوبة قد صار أفضل من غيره.. والله تعالى قد أخبر أنه يبدل السيئات بالحسنات للتائب كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح، ومعلوم أن الصحابة رضي الله عنهم من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وقبل أن يصدر منهم ما يدعونه من الأحداث كانوا من خيار الخلق، وكانوا أفضل من أولادهم الذين ولدوا بعد الإسلام.. ثم يقال: وأيضاً، فجمهور المسلمين على أن النبي لابد أن يكون من أهل البر والتقوى متصفاً بصفات الكمال، ووجوب بعض الذنوب أحياناً مع التوبة الماحية الرافعة لدرجته إلى أفضل مما كان عليه، لا ينافي ذلك.. وأيضاً فوجوب كون النبي لا يتوب إلى الله فينال محبة الله وفرحه بتوبته وترتفع درجته بذلك، ويكون بعد التوبة التي يحبه الله منه خيراً مما كان قبلها، فهذا مع ما فيه من التكذيب للكتاب والسنة: غضٌ من مناصب الأنبياء، وسلبهم هذه الدرجة، ومنع إحسان الله إليهم وتفضله عليهم بالرحمة والمغفرة.. ومن اعتقد أن كل من لم يكفر ولم يذنب أفضل من كل من آمن بعد كفره وتاب بعد ذنبه فهو مخالف لما علم بالاضطرار من دين الإسلام؛ فإنه من المعلوم أن الصحابة (رضي الله عنهم) الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد كفرهم، وهداهم الله به بعد ضلالهم، وتابوا إلى الله بعد ذنوبهم أفضل من أولادهم الذين ولدوا على الإسلام. وهل يشبه بني الأنصار بالأنصار أو بني المهاجرين بالمهاجرين إلا من لا علم له؟.. وأين المـنتقل بنفسه من السيئات إلى الحسنات بنظره (بل برحمة ربه وهدايته التوفيقية الإعانية) واستدلاله وصبره واجتهاده ومفارقته عاداته ومعاداته لأوليائه وموالاته لأعدائه إلى آخر لم يحصل له مثل هذه الحال؟.. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية (لم يبين وجه الاستدلال، ولم يـحقق الثبوت).. وقد قال تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً، إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً) (سورة الفرقان: 68-70).. وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولاً الجنة وآخر أهل النار خروجاً منها: رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه، فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا.. فيقول: نعم. لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه.. فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة.. فيقول: يا رب قد علمت أشياء لا أراها هاهنا.. فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه.. فأين من يبدل الله سيئاته حسنات إلى من لم تحصل له تلك الحسنات؟ (ما علاقة هذا بتجويز تعمد الذنوب من الرسل).. ولا ريب أن السيئات لا يؤمر بها، وليس للعبد أن يفعلها ليقصد بذلك التوبة منها؛ فإن هذا مثل من يريد أن يـحـرك العدو عليه؛ ليغلبهم بالجهاد، أو يثير الأسد عليه ليقتله، ولعل العدو يغلبه والأسد يفترسه.. بل مثل من يريد أن يأكل السم ثم يشرب الترياق وهذا جهل، بل إذا قدر من ابتلي بالعدو فغلبه كان أفضل ممن لم يكن كذلك، وكذلك من صادفه الأسد، وكذلك من اتفق أن شرب السم فسقى ترياقاً فاروقاً يمنع نفوذ سائر السموم فيه كان بدنه أصح من بدن من لم يشرب ذلك الترياق.. والذنوب إنما تضر أصحابها إذا لم يتوبوا منها، والجمهور الذين يقولون بجواز الصغائر عليهم يقولون: إنهم معصومون من الإقرار عليها؛ وحينئذ فما وصفوهم إلا بما فيه كمالهم؛ فإن الأعمال بالخواتيم».
قال أبوعبدالرحمن: كل ذلك حق بالنسبة إلى غير الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فيكون هذا الحق خارج مـحل النزاع، وهو خروج موحش جداً، قبيح جداً، سافل جداً؛ وبيان ذلك من وجوه:
أولها: أن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام بنصوص قطعية مصطفون من العباد.. اصطفاهم ربهم خالقهم ومرسلهم؛ وبضرورة الشرع ولغته نعلم علم اليقين أنه لا يصدر منهم تعمد صغيرة قبل الرسالة إلا عن عدم علم، ولا تصدر منهم كبيرة معروفة بضرورة العقل ألبتة.. ولا يصدر عنهم بعد الرسالة تعمد كبيرة ولا صغيرة ألبتة، وإنما يصدر عنهم خطأ في الاجتهاد –مـتحرين الخير والحق-، فيبـين الله لهم ويعفو عن خطأ اجتهادهم.
وثانيها: أن آدم عليه السلام من المصطفين كما قال تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) (سورة آل عمران: 33)، وأكله من الشجرة ذنب، ولكنه ليس عن عمد بل عن نسيان بالنص الصريح مع امتحان الله عزمه بتسليط إبليس لعنه الله؛ لحكمة من ربنا تبصرةً لعباده؛ فتاب عليه ربه لضعف عزمه وغلبة النسيان عليه .
وثالثها: أن اعتقاد صدور كبيرة عنهم قبل الرسالة –مع منافاته معنى الاصطفاء– يـسهل قبول الشناعات المفتراة على أفضل الخلق فيما حـرف وبدل من العهد القديم والعهد الجديد؛ وبهذا تبطل بيقين دعوى ابن تيمية أنه ليس في معنى النبوة ما يستلزم أن النبي لا يذنب؛ فكيف نقبل هذا الكلام الموحش مع أن النصوص قطعية على الاصطفاء، والاصطفاء معروف معناه؟.. وأما وقوع الخطأ فهو خارج محل النزاع؛ لأنه اجتهاد يقصد به الخبر قبل البلاغ؛ فيأتي البلاغ رافعاً الحرج هادياً إلى الصواب؛ ولتجريد الرسل لمعنى الاصطفاء يأتي عتاب الله لهم شديداً لتتعظ الأمة.. ألا ترى قول الله تعالى عن أفضل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً وكان أمر الله مفعولاً) (سورة الأحزاب: 37)، فهل تعمد المصطفى صلى الله عليه وسلم ارتكاب كبيرة بخشية الناس لا بخشية الله؟!.. كلا والله ثم والله ثم والله؛ وإنما أخفى بالاجتهاد ما عنده في قلبه من وحي الله بأنه سيزوجه زوج زيد من بعده حتى يمضي الله وعده؛ ظناً أن ذلك أمراً يخصه لم يؤمر بعد تبليغه.. ومن اجتهاده أنه لو قال لزيد: (طلقها) ثم تزوجها من بعده لقال الناس: أمره بطلاقها لينكحها بعده!!.. فاقتضى تدبير الله الكوني أن يكون بلاغه الشرعي المطهر على هذه الصفة من إظهار ما في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من توقِّي قولة السوء لو قال: (طلِّقها إني مأمور بنكاحها بعدك)، وأظهر بقضائه الشرعي عذره صلى الله عليه وسلم في الاجتهاد، وسهل لرسوله المخرج بأن الله مظهر الأمر علناً بأنه سيزوجه زوج زيد بعده؛ لرفع الحرج المذكور في الآية الكريمة، ورفع عنه ربه الحرج في خطأ الاجتهاد بهذا العتاب، وأن خشيته لربه على ما هي عليه، وإنما قصد الخير في مداراة الناس لو أظهر ما عنده؛ فيسيئون به الظن ويكذبونه؛ فبهذا العتاب الشديد، وبرفع الحرج، وبإظهار الله ما سيقضي به من زواج الرسول صلى الله عليه وسلم بزينب: سهل المخرج، وأظهر الله معنى الاصطفاء في اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم يـقر عليه بظهور مقصده الكريم بأبي هو وأمي.
ورابعها: ليس من اللازم ما ذكره ابن تيمية من القول بأنهم لو لم يعصموا من تعمد الذنوب ما حصلت الثقة بهم –وهو إلزام صحيح في نفسه-، بل يقال: إن تعمدهم الذنب مدفوع بيقين من معنى الاصطفاء، والله تفضل عليهم برفع المنزلة بالاصطفاء لا بتبديل السيئات المقصودة حسنات؛ فهذا لغيرهم من المسلمين، وأما هم فشأنهم أعلى بالاصطفاء، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
وخامسها: ذكر ابن تيمية نبوءة لوط وشعيب عليهما السلام في سياق تعمد المعصية ثم التوبة؛ فما الذنب الذي تعمداه عليهما سلام الله وبركاته؟.. أستغفر الله وأتوب إليه، وأعوذ به من مكابرة الحق بسفسطات العقول.
وسادسها: ذكر أن الله نبأ إخوة يوسف، وهذا قول على الله بغير علم؛ فلا يصح بذلك خبر، وليس هم الأسباط، بل الأسباط حفدتهم، وهم أبناء يعقوب عليه السلام مباشرة.. وهم متعمدون ذنباً كبيراً بدافع الغيرة، فاجعون مـحزنون أباهم الرسول الكريم، متعمدو الكذب؛ فليس كل ذلك من صفات المصطفين الذين يجعل الله فيهم الرسالة، ولكنهم ندموا، وأحسنوا التوبة، واستغفروا، واستغفر لهم النبيان الكريمان أبوهم يعقوب وأخوهم يوسف عليهما السلام، فعفا الله عنهم وتاب عليهم، وأفضلهم كبيرهم؛ فهم من المسلمين الذين يذنبون ويتوبون ويغفر الله لهم، وليسوا من أهل الرسالة المصطفين؛ وإنما الأسباط الموصوفون في القرآن الكريم بالرسالة فهم حفدتهم من بني إسرائيل، وأما إخوة يوسف فهم أبناء مباشرون لا أحفاد.. والبرهان على أن ذلك معهود الشرع أن القرآن في مواضع أخرى يذكر في خطابه لموسى عليه السلام اثنتي عشرة فرقة من قبائل بني إسرائيل هم ذرية يعقوب عليه السلام.
وسابعها: لا خلاف أن الصحابة رضي الله عنهم خيار الخلق بعدما مر بهم من جاهلية، وأنهم أفضل من أولادهم.. ولكن هل اصطفاهم الله رسلاً؟!.. إن محل النزاع فيمن جعله الله رسولاً بالاصطفاء، وليس محل النزاع التوبة وتبديل السيئات حسنات بحق من تاب من المسلمين؛ فيا عباد الله هل تقبلون هذا التكلف من أفاضل العلماء وقد نهيتهم عن زلة العالم؟!.. والخروج عن مـحل النزاع سببه القياس الفاسد.. قياس أتباع الرسل التائبين على الرسل المعصومين.. ألا ترى أن الله قال عن عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم: (ووجدك ضالاً فهدى) (سورة الضحى: 7) مع أنه ما عبد وثناً، ولا شرب خمراً، ولا ارتكب فاحشة؛ لاصطفاء الله له؛ وإنما تحرج وتحوب بالتحنث في خلوته؛ فالمراد أنه لم يأت بلاغ مفصل بما يعبد به ربه على مراد ربه؛ فهداه الله بالوحي.. ومن الاصطفاء أن الله شرح صدره حسيـاً، وشهد له ربه أنه على خلق عظيم، وشهد له لذلك قومه قبل أن تأخذهم الأهواء والحمية بعد بعثته، وشهد له أعرف الناس به زوجته خديجة رضي الله عنها؛ فمحال محال ومحال أن يصدر منه صغيرة أو كبيرة في بعثته وقبل بعثته؛ وإنما ذنبه عندما أمره ربه بالاستغفار لذنبه في سورة غافر لا يتجاوز الخطأ في الاجتهاد قبل البلاغ ومقصده الخير، ومثل اضطراره إلى تعجيل وعد ربه الذي يعلم أنه حق (حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب) (سورة البقرة: 214).. ومن توقع كبيرة أو صغيرة فمذهبه أقبح من البنيويين الذين –بلازم مذهبهم– يلتمسون من المسكوت عنه من الضلال والهدى ما لا يليق بالمصطفين الأخيار؛ وإنما القبح في حقهم وارد في كتب أهل الكتاب المحرفة المبدلة؛ ولا غرابة في ذلك على من قتلوا أنبياء الله لعنهم الله.. وهكذا موسى عليه السلام لم يأته بعد البيان من ربه ببيان كيفية التعامل مع العدو لما وكز واحداً من المجرمين اللذين يسومون قومه سوء العذاب؛ فقضى عليه.. ولي جولة مع مسائل مماثلة، وإلى لقاء والله المستعان.