مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

أثـر الحـــب في أدب الأدباء

«إن الإنسان كلما ارتقى ارتقت معه عاطفة الحب حتى تصل إلى أسمى درجاتها في تلك الصداقة الروحية التي هي أس كل سعادة حقيقية».
الحب توهج عاطفي، وهو يظهر تحت ظروف خاصة وفي أشكال مختلفة، فهناك مثلاً الحب الجنسي، والحب الوالدي، والحب الوطني، والحب الإلهي... وغير ذلك، ولكل منها ما يثيره ويوقده. ولما كان البحث في كل من هذه الأنواع أوسع من أن يحصر في مقال كهذا المقال، فإننا نخصص كلامنا للنوع الأول وهو ما يتعلق بالرجل والمرأة.
والذي يراجع ما قيل من الغزل في الشعر العربي منذ أيام الجاهلية حتى الآن لا يسعه إلا أن يشعر بما كان للحب من أثر في حياة الأدباء. لا فرق في ذلك بين بدو وحضر، أو قدماء ومحدثين. ولتوهجه في الشعر ظواهر شتى فقد يكون (شوقاً) إلى حبيب أبعدته الأقدار عن محبة الولهان فاتقد في جنانه ثم انطلق به لسانه في مثل قول الشاعر:
بكيت على سرب القطا إذ مررن بي     فقلت ومثلي بالبكاء جــدي     
أسـرب القطا هل من يعـير جناحه     لعلي إلى من قد هويت أطير
فهذا المحب يقف ذاكراً أحبابه النائين فيشتد شوقه حتى يتمنى لو كان طيراً من طيور الصحراء ليركب الريح إليهم ويطفئ نار الشوق بقربهم، وقد يكون (ألماً) يستولي على فؤاده ويتركه شقياً حيران؛ فيرفع صوته مع ابن الدينة دنفاً شاكياً، لا يدري ما الذي يجب أن يفعله لبلوغ مراده:
وقد زعموا أن المحب إذا دنا     يمل وأن النأي يشفي من الوجـد
بكل تداوينا فلـم يشف ما بنا     على أن قرب الدار خير من البعد
على أن قرب الدار ليس بنافع     إذا كان من تهـواه ليس بذي ود
وقد يبلغ هذا التوهج العاطفي أشده في المغامرات الخطرة التي يندفع فيها المحبون إرضاء لمن يحبون أو سعياً للوصول إليهم. فعنترة يستل حسامه وسط الوغى ذاكراً عبلة وينشد مترنحاً بنشوة الهوى:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل     مني وبيض الهند تقطر من دمي     
فوددت تقبيل السيوف لأنها     لمعــت كبارق ثغـرك المتبسم
وعمر بن أبي ربيعة يقصد قبيلة فتاته (نعم) فيقف مساء على شرفة واد مطل على مخيم القبيلة ويستعرض في نفسه الأخطار التي سيلاقيها في زيارته لحبيبته، كيف يصل إلى خيمتها وكيف يرجع سالماً فيقول:
وبت أناجي النفس أين خفاؤها     وكيف لما آتى من الأمر مصدر
فدل عليها القلب ريا عرفتها     لها وهوى النفس الذي كاد يظهر
ولما غاب القمر وخمدت نيران القبيلة وأنوارها مشى متسرقاً يحاذر أن يسمعه أحد حتى وصل إلى حيث يقصد. فبغتت (نعم) إذ رأته وعنفته على هذه المغامرة:
وقالت، وعضت بالبنان: فضحتني!     وأنت امرؤ ميسور أمرك أعسر
فـو الله ما أدري أتعجيل حـاجة     سرت بك أم قد نام من كنت تحذر
فقلت لها: بل قادني الشوق والهوى     إليك وما عين من الناس تنظـر
ومهما تكن الأسباب التي تثير في النفس عاطفة الوجد فإن مرجعها واحد هو تأثر النفس بالجمال واستجابتها الجاذبية القوية. وهنا نصل إلى عنصر من عناصر الفلسفة في الحب.
الجمال.. ما هو؟ وهل له مقاييس راهنة؟ وهو سؤال طالما سأله الناس ولم يتفقوا على جواب واحد عنه. ولعلنا لا نبعد عن الحقيقة إذا قلنا إن الجمال الجنسي هو جاذبية شخصية. وهذه الجاذبية توجد عادة ضمن إطار عام من الوسامة، على أنها لا تتقيد بقواعد معينة ولا تقاس بمقاييس محددة فليس لأحد مهما كان فناناً أن يحصر الجاذبية في شكل خاص من العيون أو الأنوف أو الوجوه أو الأفواه أو الألوان أو القامات. إذ قد ينجذب أحدهم لما لا ينجذب إليه الآخر. فهنا دوقلة النبجي يصف جمال محبوبته فيقول:
فالوجه مثل الصبح مبيض     والشعر مثل الليل مسود
وجبينها سلط وحـاجبها     شخت المخط أزج ممتد     
وتريك عـرنينا به شمم     أقنى وخـدا لـونه ورد
والجيد منها جيد جؤذرة     تعطو إذا ما طاله المرد
فهو يرى الجمال في بياض الوجه وسواد الشعر وسعة الجبين ودقة الحاجب وشمم الأنف وطول العنق، ولكنه غيره قد يفضل الشعر الأشقر ولا ينجذب إلا الأنف الأقنى والعنق المتزايد الطول. ومن الشعراء من يجذبهم جمال الخال في الخد فيقول مع القائل:
له خال على صفحات خد     كنقطة عنبر في صحن مرمر
أو يقول مع ابن اللبانة:     
بدا على خده خال فزينه     وزاد بي شغفاً منه على شغف
وما أكثر القول في جمال الخال. ولكن كثيرين يكرهونه..
ومنهم من يمدح الوجه المستدير كالقمر وغيره يؤثر الخد الأسيل. وكان القدماء يرون جمال القامة في نحافة الجذع ودقة الخصر وضخامة الوركين وذلك مما يستقبحه المتأخرون ويفضلون الهيف وامتشاق القامة. وقس على ما ذكرنا سائر ما يتفقون فيه ويختلفون، وما ذلك إلا لأنه ليس للجمال مقياس محدد، ولأن الجاذبية شيء معنوي لا يمكن إرجاعه إلى شكل أو لون خاص.
وعنصر آخر من عناصر الفلسفة في الحب هو العنصر الزمني. فمن الجمال ما يؤثر فوراً في النفس.. يشعر الإنسان لأول نظرة أو لقيا بانجذاب قوي إليه لا يلبث أن يبلغ درجة الافتتان أو الهيام، وفي بعض الحالات قد يدوم مدى الحياة أو يبقى زمناً طويلاً ولكن مثل هذا الحب عادة يمر كالشهاب الثاقب الذي يسطع في الجو ثم لا يلبث أن يتحول إلى هباء. ويغلب على الطبائع المتقلبة وعلى الشباب في أوائل عهودهم الحبيبة.
ومنه ما يتفتح تفتحاً مع الزمن فيدخل القلب تدريجياً ولا يزال يقوى حتى يصل إلى الشفاف ويستقر هناك فيكون كالنبع الذي يخرج من الجبل ويجري عذباً بين الأودية وفي السهول حتى يصل إلى البحر. وهو الحب النامي الثابت الذي يظل حياً حتى الممات.
وبهذا الحب عرف العذريون قديماً كجميل وقيس وعروة. وقصصهم مشهورة وما قالوه أو وضع على ألسنتهم من أرق الغزل العربي. ولنمثل على ذلك بحديث قيس بن الملوح وهو مع الحجاج في البلد الحرام وهناك غمرته ذكرى ليلى فلم يتمالك عن أن يقول:
ذكرتك والحجيج له عجيج     بمكة والقلـوب لها وجيب
فقلت ونحن في بلد حـرام     به لله قد صفـت القلـوب
أتـوب إليك يا رباه عـما     جنيت فقد تكاثرت الذنوب
ولكن عن هوى ليلى وحبي     زيـارتها فـإني لا أتوب
ومن العناصر الفلسفية في الحب العنصر الإنساني. ونعني به تأثير الحب في الحياة البشرية فإن لهذه العاطفة في الفرد والجماعة فعلاً قلما نراه لسواها فهي قد تنهض الهمم الفاترة وتقوي العزائم الخائرة وتفتح الأيدي الشحيحة وتدفع إلى اقتحام الأهوال وتحمل المشاق، وفي جوها تنمو المكارم وتتجلى الفضائل. وقد عبر عن ذلك أحد شعرائنا المتأخرين في وصفه لتأثير المرأة إذ قال:
أي معـتم بـراه كـربه
لم تنفس غمه والكـربا
أو جبان قاعد واهي القوى
لم تجدد منه عـزماً نبا
أو شحيح كفه قد جـمدت
لم تفجر من يديه الذهبا
والحب مصدر الإلهام لكثير من نوابغ الأدب والفن. والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى، أكتفي منها بمثل من الأدب الإفرنجي وهو الكوميديا الإلهية لدانتي. فقد أوقد نفس هذا الشاعر العظيم على ما روى ودفعها إلى نظم هذه الرائعة العالمية محبة مست قلبه وملكت عواطفه. هي محبته لبياتريس التي أقصيت عنه ثم ماتت فتركت في نفسه ما تركت من تأجج عاطفي ظهر بعدئذ في روائعه المشهورة.
وليس في الشعر العربي القديم من ملاحم أو روايات شعرية نظمت بتأثير الحب الجنسي ولكن هناك عدداً من القصائد الجميلة الخالدة كقصيدة ابن زريق التي مطلعها:
لا تعـذليه فإن العـذل يولعـه     قد قلت حقاً ولكن ليس بنفعه
وقصيدة ابن زيدون لولادة:
أضحى التنائي بديلاً من تدانينا     وناب عن طيب لقيانا تجافينا
ولا ننسى أن نشوة الحب -وأن يكن صوفياً أو روحياً- هي التي نظمت بردة البوصيري وتائية ابن الفارض وسواهما من الشعر المشهور. وفي أدبنا الحديث ما هو جدير بالبحث لولا ضيق المقام.
بقي في ختام هذه العجالة أن نشير إلى العنصر الطبيعي في الحب، وهو عند التحقيق أساس العناصر جمعاء، فالحب حركة نفسية منبعثة عن حاجة طبيعية، على أن الذين لا يرون غير هذه الحاجة يقفون بهذه الحركة عند أحط أطوارها فلا يدركون ما وراءها من جمال معنوي يرفع النفس إلى ذروات الوجود إذ يحول الحيوانية في الإنسان إلى إنسانية عالية.
وعليه نقول: «إن الإنسان كلما ارتقى ارتقت معه عاطفة الحب حتى تصل إلى أسمى درجاتها في تلك الصداقة الروحية التي هي أس كل سعادة حقيقية».
ذو صلة

   بدرى قرقار
   badreykorkar@yahoo.com
   مصر -اسوان
   الإثنين 28/05/2012
لولا المحبة لم يجد متالم الما يعز على المريض فراقه
pantoprazol 60mg pantoprazol yan etkileri pantoprazol iv