بعد النهاية الدراماتيكية للنظام الأقوى في أوروبا، النظام البوربوني، كانت أوروبا وأمريكا والعالم يسيرون في حقبة مختلفة جذرياً عما سبقها، وبلغ الفكر مرحلة اختبر نفسه في خضم أحداث عاش وسطها كعنصر فعال في تأجيجها وتوجيهها وتنويرها، وهو ما جعل الفكر شريكاً للفعل في إحداث التغيير الكبير.
العقل أم الفن؟
في ظل عالم غير آمن بحروبه المستمرة، فإن سيلاً فائضاً من المشاكل كان يتسارع ليكتسح البلدان بالمشاكل التي لا تنتهي.
أما الفن فقد تبدى كملاذ روحي أصيل يحافظ على ما تبقى من أصالة في مجتمعات اقتحمت التقدم بسرعة رهيبة.
مع انهدام الاستقرار الطويل الذي حكم العالم، أصبح النشاط الفني جسر عبور للمراحل المجهولة، وفيما كان الشعر -وبالخصوص الغنائي منه- يتقلد بجدارة وسام الحامي الرئيسي للرومانسية، فإن الموسيقى برزت كظاهرة تجسد عبقرية الإبداع وخلوده كما في سيمفونيات بيتهوفن.
بعد انقضاء الفترة الملتهبة من تاريخ اندلاع الثورة الفرنسية، تبين للجماهير أن الشعارات البراقة المرفوعة إبان اشتداد المظاهرات الغاضبة بقيت شعارات دون أن تصل لما توقعوه من الدولة الجديدة التي استهلت عهدها بالحروب النابليونية في مختلف الجبهات شرقاً وغرباً ، وهي خيبة أمل أعادت الشعور لمرحلة مفقودة، رومانسية تتضمن التراث والفلكلور القديم، مقابل شكوك متنامية بالأدب الرسمي والحديث.
وبات واضحاً أن التكوين العقلي المنطقي لم يبلغ نضجه بعد، فيما بعد سنرى وصوله إلى امتداد متقدم مع بروز الفكر الجدلي الماركسي الذي سعى بمنهجية دؤوبة إلى ترسيخ منهج واضح يحتوي كافة أصناف العلوم ومن ضمنها الفن بالطبع.
وبخصوص التنوير فقد كان يحاول تدارك قصوره، فلسفته الرامية إلى استعادة ثقة الجماهير كانت تسير بسلاح العقل، صحيح أنها لم تصل لمنهج واضح ومذهب محدد الملامح كما فعلت الماركسية لاحقاً، لكن دعاة التنوير كانوا واثقين من أن هناك ما ينبغي السعي لكشفه مما لم يكتشف.
من خلال الفكر تتضح المقصدية، نعرف المعنى، الكاتب يفصح عن فكرته بأدق العبارات وأوضح المعاني، لذا بعد انتهائه من تأليفه، أو حتى بعد رحيله، يتبقى لنا التحليل والتفكر فيما كتبه، أما الفن فهو على خلاف ذلك، بعد إتمام العمل، يبقى ميداناً مفتوحاً للكشوفات، يتعدى إطار التحليل والتفكر بشأنه إلى أن يكون متضمناً للمفاجآت والدلالات غير المكتشفة، لا نفهم الفن من المرة الأولى، نحتاج أن نتوسع فيه لنعثر على سر جماليته، فنجد في ما وراء النص أكثر مما نجده في النص المباشر.
بين قصائد شيلي نستمتع بالأثر الرومانسي الذي يغني للحياة، لا كهروب من الواقع، بل أيضاً استطلاعاً للمستقبل، الوثوب إلى أزمنة قادمة، ومجاراة العقل بالفن، يحض على التفكير، في الوقت نفسه فهو يغرس بذرة الحب في كل ما يفعله الإنسان.
الإبداع محارباً الآلة
حين يسعى الفن لمجرد التفسير فإنه يتنازل عن مبدأه الأساسي، لذة الاكتشاف.
مايُفسّر سريعاً لا ينتمي للفن الحقيقي، كل فن عصي على التفسير الملموس، بخلاف الفلسفة، يستعير الفن منظومة الأفكار لينشئ بها كياناً جميلاً لا يشيخ.
بينما تقوم الفلسفة بتركيب الأشياء وتنظيم المعاني، يتجه الفن إلى التفاعل بين الأشياء المتناقضة فيخلق منها مقطوعة تقتحم الغيبي واللا مدرك، إنه يعطي وظائف جديدة للكلمات باستمرار، يزيد القاموس ثراءً فيما يمنح المعنى جدارة الأسبقية للابتكار.
الشعر الرومانسي محاولة جادة بإيمان عميق بجدوى الإنسان، بنقائه، باعتباره لا مجرد شيء كما تسعى الرأسمالية لتوظيفه في بنيتها كفرد قيمته في الانغماس في أعمال ليست من اختياره، تسرق وقته وطاقته وتفكيره مقابل أن يحظى بما يمد في حياته ويغطي حاجاته المعيشية. فيغدو العامل أداة، مهمته توليد المال، والحفاظ على وسائل الإنتاج، وهو بهذا مهدد ممن قد يقوم بما يقوم به الآن، لذا تنتشر الأخبار حول عصر الآلات العاملة المفكرة في مستقبل قريب، بما يضع إنسان هذا العصر أمام أسئلة الوجود وأزمة الهوية.
هذه الأسئلة فرضت إعادة إنتاج للواقع عبر تخييل الواقع المعاش على الواقع الذي من المفترض أن يعاش.
استقلالية الفن تحميه من الانخراط في مجالات تمحو هويته الخاصة، لذا في الفلسفة يحتاج الفنان أن يكون صاحب رؤية لا صاحب نظرية، فالنظرية موقعها يستقر في عقل الفيلسوف، واتخاذ الفلسفة منبراً أعلى للفن سيُقزم من قدرة الفنان على الارتقاء نحو القمم العليا للإبداع، حيث إن التمعن الدقيق في تفاصيل الفلسفة سيجعل الفن تابعاً لا سيداً.
ينبري الفنان لتعرية الواقع لحض المتلقي على التفكير، ليدرك أن ما يراه من واقع ليس هو الصورة الوحيدة، فهناك صور أخرى أحق بأن تكون واقعاً فعلياً، في هذه المرحلة، يُشكل التفكير فلسفة الفنان، بتوظيفه للفلسفة في خدمة الفن يكون الفنان خطا خطواته الأولى لاكتشاف أسلوبه الخاص.
وبالإضافة للفكرة التي يتوصل لها المبدع في فنه، فإن القارئ/ المتلقي، يتوصل هو الآخر للفكرة، وقد لا تشابه فكرة الكاتب، وهذا نجاح الفن وقوته، أنه يخلق الأفكار باستمرار، مانعاً اتّباع التكرار.
تتخذ الرأسمالية بأساليب إنتاجها تنميطاً مخيفاً للإنسان، متمثلاً في الخضوع القسري لمتطلبات لا نهاية لها يفرضها هذا النظام، فترى الإنسان منذ انتشار المكننة بات يفقد أجزاء حريته جزءاً جزءاً، لكون المنظومة العامة تمارس عليه ضغطاً مؤلماً لإجباره أن يتبع السائد ويسايره.
حدود الواقع والخيال
أما الواقعية فباتت بحاجة إلى أخذ الواقع إلى الخيال، كما فعل نجيب محفوظ وإليزابيل الليندي، بأن ترى قصة مختلفة في ذات الحي الذي مررت فيه كثيراً وتعرف منافذه وتعرجات زواياه ووجوه ساكنيه، ثم تقرأ عن حكاية لم تسمعها من قبل في ذات الحي، يربطك بالمعروف والمستتر، وبقدر براعة الكاتب يسير الخيال جنباً لجنب مع الواقع بما يمنح القارئ بعداً فكرياً لا سابق له.
القارئ يتجاوب أكثر مع الفن الذي يعبر عن قضايا واقعه، ليس بأخذها حرفياً ولكن بعكسها بصورة مبتكرة على حياة أخرى، هذا يمنحها المرغوبية. ويعزز من قبولها، فحتى العلم يكون جزءاً من الفن كما الفلسفة، بشرط أن يدخل إلى الفن كزائر لطيف يطور من الأسلوب ويمنحه شرعية تعزز الفكر والخيال معاً، فنرى أدب الخيال العلمي الياباني عبر أعمال الرسوم المتحركة الضخمة، تناول حروب المستقبل في عصر الوحوش الآلية الضخمة.
إن أعمالاً مثل غرانديزر ومازنجر وجونكر ورعد العملاق، تمثل تعاضداً فريداً بين الواقع والخيال، بين الفن والعلم، بين الأدب والفلسفة، وهو يجعل من الفن تياراً سائلاً شديد المرونة يتأقلم بسهولة مع المكونات المختلفة للمعرفة صانعاً من تنافرها هيكليته الوحدوية الفريدة.
ساعياً نحو البساطة، يصل الفن إلى مرحلة من الدهشة تجعل المتلقي يتساءل مذهولاً بإعجاب منقطع النظير، يا للروعة، كيف لم أفكر في ذلك من قبل؟
والتبسيط مرحلة شاقة، لا يصلها الفنان إلا بعد مكابدات لا حصر لها، وهو حين يفعل ذلك، يمهد الطريق للآخرين ليستمتعوا بما أنجزه، جاعلاً من الرمال ذهباً متاحاً للجميع.
عبر الرواية يمكن أن ننقل حياة أفراد كثر، لا يربطهم غير مكان وزمان، بنهايات مفاجئة تجعل الجميل قبيحاً، هذه قدرة يمتاز بها السرد، كما يمكن للفنون البصرية لا سيما الفنون المعاصرة فعل ذلك، وهم بذلك يمنحون الأحداث بعداً مفاجئاً يستدعي التفكر، أما الشعر فيمكنه أن يجمع القبح كله ليصيغه في تحفة جمالية، ماذا عن كوازيمودو القبيح ، لقد رأينا جماله في السرد الروائي! بالفعل كان ذلك، لكننا قرأنا الشعر في تلك السطور، وهو جزء من عبقرية هوغو الذي أجاد في كلا النوعين.
وحدة العمل تستوجب انفتاحه على الأجناس البعيدة عنه متى احتاج لذلك، وحجمه يفرضه تعدد الأحداث والوقائع، لوحة العشاء الأخير تتعدد شخصياتها، لكن لكل شخصية دورها وحكايتها، دور المتلقي أن يتأمل بانتباه للتفاصيل الموجودة فيها ليصل إلى التفاصيل غير الموجودة، بذلك نعرف أن البنية الأساسية للعمل الفني تولد بحرية، لا تتقيد بالقوالب.
الجمال سبيلاً للأصالة
الفنان الذي يُحسن إدارة انفعالاته لحظة التأليف يمكنه تحقيق المعادلة الصعبة، الانتقائية في الأفكار الواردة عليه بالتوازي مع الانفصال عما يعيق تلقّي الأفكار وقبولها.
يناضل الروائي في تأليف روايته، ونضاله الأصعب أن يسمح لحياة شخصيات روايته بالظهور، قد يكون التخطيط المسبق مفيداً لمسار الرواية، مع ذلك، فإن أفكاراً جديدة تتوارد في غضون ذلك على مخيلته قد تتعارض مع مخططه الأولي، هذه مرحلة فاصلة، من يقرأ الأعمال الروائية لـ(بلزاك) سيلحظ القدرة الفذة لهذا الروائي على خلق الشخصيات ومسارات الأحداث.
استيعاب المستجدات بما تفرضه من تغيير للمسار يمثل تحدياً شاقاً على الكاتب، وطريقة تصرفه ستحدد نجاح عمله من عدمه.
ينال علم الجمال النصيب الأوسع من مسؤولية الحفاظ على الفن، أما الفنان فعليه عدم الانخداع بالشكل الظاهري للواقع والمادة، وحماية فنه من المناهج اللامعة شكلياً، يعتني المبدع بالأسلوب، ويدقق في المحتوى، كما يفتح نافذة الخلق لاستقبال ورؤية ما يظهر من شوارد إبداعية، والدفاع باستماتة عن ذات الفن والفنان وحماية خصوصيات الإبداع، وهي المهمة التي تضيع ما لم ينجزها بدأب ونشاط.