مجلة شهرية - العدد (600)  | سبتمبر 2026 م- ربيع الأول 1448 هـ

الحروب بين الملحمة والرواية

يشير القاص والشاعر الأرجنتيني خورخي بورخيس في ملاحظة حاذقة إلى أن البشرية عاشت حربين عالميتين دون أن تنبثق عن كليهما أو إحداهما ملحمة تصف ويلاتهما. ويصف الملحمة بأنها أقدم أشكال الشعر، ويرى أن الإنسانية تحتاج إلى الملحمة أكثر من حاجتها للشعر والقصة والرواية.
قد يتحمس الكثير من المتابعين لإشارة بورخيس، وقبل البدء بعرض الأسباب التي حالت دون انبثاق عمل ملحمي كبير يجب التوقف قليلاً من أجل التمييز بين الملحمة والرواية لأن ذلك قد يوضح الأسباب التي أدت إلى وفرة الروايات عن الحربين العالميتين الأولى والثانية في حين لم تنبثق عنهما أية ملحمة توازي في شعريتها الإلياذة على سبيل المثال، وذلك على الرغم من تراجيدية تلك الحربين والتي ما زالت البشرية حتى اللحظة تدفع أثمانها الباهظة.
يعرِّف النقاد الملحمة بأنها البطل المطلق القوة حد الجبروت، المنفلت بلا حدود، الحر حد الإطاحة بكل القوانين والأعراف المتفق عليها ضمن المجتمعات التي يعيش فيها ذلك البطل، هي أخيل في الإلياذة وجلجامش في الملحمة (الأوروكية) وهي كذلك الإنسان المتفوق، النمط أو المثال للبشر جميعاً، إنها أوليس أو أوذيس في الأوذيسة. بينما تستند الرواية على ما يقول مينيكين إلى إخفاق الإنسان أو إلى انحطاط الشخصية وترديها إلى الدرك الأسفل. وهي على سبيل المثال لا الحصر راسكولينكوف في (الجريمة والعقاب) للروائي الروسي فيودور دوستويفسكي، وهي كذلك عاشور الناجي في الحرافيش للروائي المصري نجيب محفوظ. ولا يخفى على كل من تابع مسيرة البطل في الملاحم أن قدره تحيكه قوى غير بشرية، أي أن البطل مسير من قبل قوى غيبية تتدخل وفق مشيئتها وكذلك حسب مزاجيتها التي يصعب تفسيرها أو التنبؤ بها وفق المنطق العقلي، على عكس الشخصية الروائية التي ترسم مصيرها الظروف المحيطة بها والمظاهر التي تعيد تشكيلها وفق نمط جديد لم يكن يشبهها وذلك دون العودة إلى مشيئة القوى الغيبية.
وإذا عدنا إلى إشارة بورخيس سنتساءل عن السبب وربما الأسباب التي حالت دون انبثاق عمل ملحمي كبير يتحدث عن الحربين العالميتين الأولى والثانية وغيرهما من الحروب التي تضرب أصقاع المعمورة.
تؤكد الوثائق والدراسات أن ملحمتي الإلياذة والأوذيسة أنشد هوميروس وقائعهما بعد مرور ما يقارب خمسمئة عام، وهذا يعني أن الذاكرة الجمعية نقلت أحداثهما عن طريق ذواكر سبعة أو ثمانية أجيال وربما أكثر، ولا يخفى على أحد ما للكرونولوجيا أو الزمن المتدرج من تأثير على الأشياء، إنه يعتق عصير الكرمة، ويحول الفحم إلى ألماس، والمخلفات الحيوانية والنباتية تصبح مع مرور الزمن ذهباً أسود.
إذن أخيراً التقطت أذنا الشاعر الكفيف والرحالة الذي لم يكن ليهدأ بين غرب المتوسط وشرقه أحداث حرب طروادة، لكن ليس كما حدثت تماماً، ولو أنها نقلت كما حدثت بالفعل من قبل شاهد عيان لما أطربت أحداثها هوميروس، بل ربما رفضتها ولفظتها كما لو أنها جسم غريب يؤلم أذنيه الرهيفتين ويؤذي روحه الشاعرة.
وصلت أحداث طروادة إلى أذني الشاعر بعد أن تناقلتها أكثر من سبعة أو ثمانية ذواكر ومن الطبيعي أن تكون تلك الذواكر قد خمرت أو صنعت تلك الأحداث بما ينسجم مع مفاهيمها وأحلامها وكذلك وفق حاجات وطموحات مجتمعاتها المتعاقبة، فلجأت إلى المبالغة واستعانت بالفانتازيا والغرائبية والعجائبية، ولكي تجعلها مقنعة ومنطقية أدخلت في عملية تخمير القوى الغيبية. لقد نسيت تلك الذواكر المتعاقبة الجنود المجهولين وربما الأبطال ليبقى أخيل البطل والشبيه بالإله في الإلياذة وأوذيس الحكيم والمسير برعاية الآلهة في الأوذيسة، ثم يأتي هوميروس ليعلي من شأن البطولة والحكمة، وللأسف فإن هاتين الصفتين الحميدتين ما كانتا لتنتصرا لولا المساندة، وما حدث في ملحمتي الإلياذة والأوديسة تكرر كذلك في ملحمة جلجامش حيث نرى ملك أوروك مغامراً يجوب العالم المحتجب، غير عابئ بمخاطر الخوض فيه وفق الملحمة السومرية.
أما السبب الثاني فيكمن في الشفاهية التي تشكل غياباً للحقيقة وتهميشاً للواقع ولقد لعبت دوراً كبيراً في أسطرة أفراد كان لهم سطوة وحظوة بين شعوبهم المتعطشة لحكايات البطولة وقصص المغامرين وأخبار الجوالين. وهذا يدعو للتساؤل حول ما إذا كانت الكتابة التي تشكل بطبيعة الحال حضوراً واقعياً ودليلاً حسياً يقارب الحقيقة قد قمعت المخيلة البشرية وأطرتها وفق ما كتبه شعراء وروائيون وقاصون عن حربين بعضهم عايش أحداثهما وآخرون كانوا شاهدي عيان على ما ارتكب بهما من فظائع وما حدث فيهما من ويلات بحق الإنسانية.
أما السبب الثالث فيكمن في الوعي الجمعي الذي لم يعد يعتقد بوجود شخصيات كهذه. وهنا لا بد من الإشارة إلى تأثير النصوص الدينية التي تنبذ الفكر الأسطوري والملحمي الذي سبق نزولها.
أخيراً لابد من الإشارة إلى أن فكرة فصل الأدب عن الحياة أثبتت استحالتها، وقد كانت الملحمة ضرورة جمعية للحضارات التي سبقت الأديان والكتابة، لكنها لم تعد كذلك فكانت الرواية بديلاً يلبي حاجة المجتمعات الحديثة خصوصاً منها الرواية الرعوية والملحمية كونهما تحاكيان في شعريتهما شعرية الملحمة دون أن يكون هناك قوى غيبية تنقذ البطل من النهابة الحتمية الصراع ومنطق الوجود.

ذو صلة