كثيراً ما يَرِدُ ذكر مصطلح (الخلايا الجذعية) Stem cells في وسائل الإعلام ونشرات الأخبار العلمية بين فينة وأخرى. وقد غدا هذا المصطلح العلمي محوراً رئيساً للأبحاث الطبية، وعنصراً مهماً في حلقات البحث في المنتديات والمراكز العلمية حول العالم.
وقد غدا حديثاً استخدام هذا النوع من الخلايا أملاً باسماً يُبشّر العلماء بآفاق مستقبلية حالمة، تَعِدُنا بعلاج قائمة كبيرة من الأمراض. وما يزال العلماء ينتظرون قادمات الأيام، وما تحمله رحمها الحبلى من نتائج الدراسات والأبحاث.
وتشير المعلومات الواردة من مراجع علم الأحياء والجنين إلى أنّ الجسم البشري ينشأ -بإذن الله- عندما يُلقّح الحيوانُ المنوي الذكري البويضةَ الأنثوية، ونتاج ذلك تكوّن ما يُعْرف بالبويضة المُلقّحة، التي سرعان ما ستخضع لمسلسل طويل ومتسارع من الانقسامات المستمرة، بصورة لا تَعْرف كللاً ولا مللاً، ليَظْهر في نهاية المطاف جَنين حي خُلق في أحسن تقويم، ويحمل في جسمه أجهزة وأنسجة شتى تضمّ ملايين الخلايا. ويستقرّ هذا المخلوق في غيابة الرحم، وينمو شيئاً فشيئاً إلى أن تحين ساعة ولادته، فسبحان الذي أحسن كل شيء خلقه.
وتُظهر لنا عدسات المجهر المكبّرة البويضة الملقّحة وقد استقرت في رحم الأم، في صورة كتلة متماسكة من الخلايا التي تنتظم في طبقتين، إحداهما خارجية، وهي التي تنشأ عنها المشيمة التي تضخ الغذاء والأكسجين اللازمين لنمو الجنين في رحم الأم. وتضمّ الطبقة الداخلية للبويضة الملقّحة ما يُعرف بالخلايا الجذعية الجنينية Embryonic Stem Cells، وهي خلايا سريعة النمو، وذات قدرة فائقة على التحوّل إلى أيّ نوع من خلايا الجسم المتخصصة، عبر انقسامات سريعة تتوالى في أثناء عملية نمو الجنين داخل الرحم.
وثمّة العديد من أنواع الخلايا الجذعية الجنينية التي ستقوم لاحقاً بصُنْع أجهزة جسم الجنين المختلفة، وعلى سبيل المثال تقوم خلايا الدم الجذعية بصناعة سائل الدم، وما يحويه من عناصر مختلفة، كخلايا الدم الحمراء، وخلايا الدم البيضاء، والصفائح الدموية.
ونرى في مثال آخر أنّ خلايا الجلد الجذعية ستكوّن نسيج الجلد، وطبقاته المختلفة، وخلاياه الحية بأشكالها المتنوعة. وهكذا تنشأ كافة أجهزة الجسم من الخلايا الجذعية ذات الأشكال المتباينة والمتخصصة في صناعة كل نسيج على حدة.
وثمّة طرق عديدة يمكننا من خلالها الحصول على بغيتنا من الخلايا الجذعية من مصدرها المباشر. ومن أشهر تلك الطرق ما قام به (الدكتور تومسون) حين نجح في الحصول على بعض الخلايا الجذعية من الجنين، ثم عمد إلى تنميتها في بيئة معملية خاصة، ليبدأ عقب ذلك في الشروع بتجاربه المعملية التي كتب لها النجاح.
وقد جاءت نتائج دراسة تجربة (تومسون) مشجعة، إذ تَحوّلَت بعض الخلايا الجذعية التي تمّ عزلها في تلك التجربة إلى أنواع مختلفة من الأنسجة الحيّة، وذلك بعد أن هُيِّئَتْ لها الظروف المناسبة، وأعطيتْ منشّطات حيوية تؤمّن لها حاجتها للنمو السليم.
ويُعَدّ كذلك دم الحبل السري للجنين عقب ولادته مصدراً غنياً بالخلايا الجذعية. ويتمّ هنا سحب ذلك الدم باستخدام إبرة ذات مواصفات خاصة، ثم يُجْمَع هذا الدم، ويُحفظ بشكل علمي يضمن عدم فساده، إلى أن يحين أوان استخدامه.
أما مصدر الخلايا الجذعية الآخر فهو المشيمة Placenta، وتشير العديد من الدراسات إلى نجاح تنمية الخلايا الجذعية المأخوذة منها، إلا أنّ ذلك ما زال قيد البحث والتطوير.
وثمة أيضاً ما يُعْرف بالخلايا الجذعية البالغة Adult stem cells، ويَظهر هذا النوع من الخلايا بأعداد قليلة في العديد من أنسجة البالغين، كالنسيج المكون لنخاع العظم، والأنسجة الدهنية. ولهذا النوع من الخلايا الجذعية قدرة محدودة على إنتاج بعض خلايا الجسم بالمقارنة مع الخلايا الجذعية الجنينية التي تستطيع إنتاج أعداد أكبر من خلايا أنسجة الجسم المختلفة.
وبالرغم من ارتفاع منسوب التفاؤل لدى العلماء بشأن الخلايا الجذعية البالغة إلا أنها لم تحظ حتى الآن بما حظيتْ به الخلايا الجذعية الجنينية من السمعة الحسنة في مجال معالجة الأمراض. ويعود سبب ذاك إلى ضعف قدرتها على التحول، وافتقادها للمرونة والكفاءة العالية التي تمتاز بها الخلايا الجنينية في توليد جميع أنواع الخلايا، وهو الأمر الذي يحدّ من إمكانات الخلايا الجذعية البالغة في علاج الأمراض.
وتأمل دراسات أخرى تحقيق بعض النجاح في الحصول على الخلايا الجذعية البالغة من أنسجة أخرى في الجسم، إلا أنّ ذلك يحتاج إلى بذل المزيد من الجهود العلمية، بغية الحكم على نجاحها.
تتعطل وظائف بعض خلايا الجسم وأنسجته وأجهزته عقب إصابتها بأمراض مختلفة. ونتاج ذلك تأثر المهام الوظيفية لأجزاء الجسم المصابة، ويظهر ذلك في صورة أعراض وعلامات مرضية، كشف العلم عن جانب كبير منها.
وقد قلنا قبل قليل إنّ للخلايا الجذعية قدرة فريدة على الانقسام السريع والتجدد والتحول إلى أنواع عديدة من خلايا الجسم. وتظهر الأبحاث الحديثة المتخصصة بدراسة الخلايا الجذعية نتائج مشجّعة، إذ تمّ تحفيز نمو هذه الخلايا في المختبرات، مما أدى إلى إنشاء خلايا جديدة، تم استخدامها في تعويض ما تلف من خلايا الجسم وأنسجته عقب إصابتها بالمرض.
وقد قاد ذلك إلى المساهمة في علاج عدد من الأمراض المستعصية التي يصعب علاجها وفقاً للطرق التقليدية المعتادة، مثل إصابات الحبل الشوكي، والجلطة الدماغية، والشلل الرعاش (مرض باركنسون)، وداء الخرف الشيخوخي المعروف بمرض (الزهايمر)، وإصابات الحروق، والتهاب المفاصل، وبعض أمراض الدم، والأمراض الوراثية.. وغيرها.
وقد مَنَح استخدام الخلايا الجذعية أملاً جديداً لمصابي أمراض القلب المزمنة، إذ تمّ إنتاج خلايا قلبية جديدة من تلك الخلايا الجذعية، وتمت زراعتها في عضلة القلب المصاب، وجاءت نتائج الدراسات الأولية مشجّعة، إذ نجحتْ الخلايا المزروعة الجديدة في إعادة تأهيل أنسجة القلب وبنائه، وأدّت عملها بصورة شبه طبيعية.
وللخلايا الجذعية أيضاً دور في علاج داء السكر، إذ استطاعت توليد خلايا غدة البنكرياس التي أخذتْ بعد بدء العلاج تعمل بكفاءة ونشاط واضحين، وبدأ عقب ذلك إنتاج هرمون الإنسولين من جديد، بعد أن تعطل إنتاجه بسبب المرض، وكان نتاج ذلك التوقف عن استخدام حقن الإنسولين مجدداً.
إذن تبدو لنا نتائج الدراسات الأولية المتخصصة بمجال الخلايا الجذعية مشجّعة، فسبحان مَنْ علّم الإنسان ما لم يعلم. ونحن في شوق شديد وتطلع شغوف إلى قادمات الأيام، ولعلها تكون حبلى بالأخبار السارة التي ينتظرها الأطباء والمرضى على حد سواء، بغية توظيف الخلايا الجذعية، في علاج قائمة طويلة من الأمراض، التي ما تزال بحاجة ماسّة، إلى استخدام وسائل علاجية جديدة وغير تقليدية علّها تحدّ من شكوى المريض ومعاناته.
ورغم الأمل الكبير الذي نجح استخدام الخلايا الجذعية في زراعته في نفوس المرضى، إلا أن ّهناك بعض العقبات التي لا تزال تحتاج إلى تذليل. وثمة على أرض الواقع تحديات تقف أمام التوسع في مجال العلاج بالخلايا الجذعية. ومن ذلك: حاجة العلماء إلى بذل المزيد من الجهود لإثبات سلامة استخدام هذه الخلايا، وأمانها التام في معالجة الأمراض. كما قد تقف الأمور المادية عائقاً أمام طريقة العلاج الوليدة هذه، إذ إن تكلفة استخدامها ما تزال عالية، وهو الأمر الذي سيعيق انتشارها بشكل واسع في الكثير من دول العالم.
ختاماً، فإن الدرب شاق وطويل، وما زلنا في بداية الطريق، وأمامنا عقبات تنتظر تمهيدها، ولعلّ وسائل البحث العلمي تشمّر عن ساعد الجد، ولعلّ المعامل والمختبرات تقوم بدورها المنشود منها، ولعلّ المستقبل القريب يجود علينا بتحقق الآمال المرتقبة. وقد تجيب قادمات الأيام عن تساؤل العلماء الذي ما برح يفارق أذهانهم: (هل ستغير الخلايا الجذعية واقعنا الصحي؟ وهل ستعيد ترتيب أوراقنا المبعثرة، حتى ننعم بإذن الله بعالم خالٍ من الأمراض؟).