مجلة شهرية - العدد (600)  | سبتمبر 2026 م- ربيع الأول 1448 هـ

الملاعب.. مدرسة أخرى للغة العربية

لكل إنسان قصة خاصة مع اللغة التي أحبها، وطريق مختلف قاده إليها. أما علاقتي بالعربية فقد نشأت من منابع متعددة، من الكتب التي فتحت لي أبواب التراث، ومن الدراسة التي منحتني أدوات الفهم والتحليل، ومن البيئة العلمية التي جعلت العربية جزءاً من مسيرتي الفكرية والأكاديمية. غير أن هذه الرحلة الثرية لم تخلُ من نوافذ أخرى أضافت إليها أبعاداً جديدة، وكان من أجملها نافذة التعليق الرياضي العربي.
نشأت في الهند، وكانت العربية بالنسبة إلي لغة حضارة ومعرفة وثقافة، سعيت إلى تعلمها والتعمق في أسرارها. وقد كان للقراءة والدراسة الدور الأكبر في بناء ملكتي اللغوية؛ لكن الاستماع إلى التعليق الرياضي العربي جاء بوصفه إضافة نوعية مميزة؛ فقد عرّفني على وجه آخر من وجوه العربية، وجهها الحي الذي يتحرك مع الناس، ويتفاعل مع مشاعرهم، ويصل إلى القلوب بسهولة وعفوية. لم يكن التعليق الرياضي مصدر اكتسابي الأساسي للعربية؛ لكنه كان رافداً جمالياً أغنى تجربتي، ووسّع دائرة مفرداتي، وصقل ذائقتي في اختيار العبارات والتراكيب، كنت أتابع المباريات في البداية بدافع الشغف بكرة القدم، ثم وجدتني مع الوقت أستمتع بالطريقة التي تتحول بها لحظات اللعب إلى مشاهد لغوية نابضة، وكيف يستطيع المعلق أن يرسم بالكلمات ما تعجز الصورة وحدها عن نقله.
فالمعلق الرياضي المبدع لا يكتفي بوصف ما يحدث أمامه، بل يمنح الحدث روحاً أخرى، من ذلك أنه يلتقط التفاصيل الصغيرة، ويصوغ الانفعالات في عبارات مؤثرة، ويحول التمريرة إلى قصة، والهجمة إلى لوحة، والهدف إلى لحظة لا تُنسى. وفي هذا الجانب تقترب مهمة المعلق من مهمة الأديب، فكلاهما يبحث عن الكلمة المناسبة التي تمنح المشهد قيمته وجماله.
لقد أدركت من خلال هذه التجربة أن العربية ليست لغة الكتب وحدها، بل هي لغة الحياة بكل تفاصيلها. فهي قادرة على أن تحضر في قاعات الجامعات، وفي صفحات المؤلفات، كما تحضر في الملاعب وبين الجماهير. وحين تُستخدم بإبداع تصبح وسيلة للتواصل والتأثير، مهما اختلف المجال الذي تُوظف فيه.
ومن أجمل ما يميز التعليق الرياضي العربي أنه يجمع بين عناصر متعددة: سلامة اللغة، وسرعة البديهة، والقدرة على الارتجال، وجمال الأداء الصوتي، والثقافة الواسعة. فالمعلق يعيش لحظة متغيرة لا تمنحه فرصة طويلة للتفكير، ومع ذلك يستطيع أن يختار العبارة المناسبة في الوقت المناسب، وهو أمر يكشف عن تمكن لغوي وحضور ذهني لافت.
وقد أسهم عدد كبير من المعلقين العرب في جعل هذا الفن أكثر قرباً من الأدب والثقافة، فلكل صوت منهم أسلوبه ومدرسته الخاصة. هناك الحضور الثقافي والقدرة على صناعة العبارة لدى عصام الشوالي، وهناك جمال الأداء ورشاقة التعبير عند حسن العيدروس، كما يتميز خليل البلوشي بالهدوء والدقة والقدرة على قراءة تفاصيل المباراة، ويقدم علي سعيد الكعبي نموذجاً للتعليق المتزن الذي يجمع بين المعرفة والحضور، بينما يمتلك عامر الخوذري أسلوباً خاصاً يترك أثره لدى المستمعين، ويظل حفيظ دراجي من الأصوات التي جمعت بين الحماسة والبلاغة والثقافة الرياضية. كما لا يمكن الحديث عن مسيرة التعليق الرياضي العربي دون الإشارة إلى المدرسة السعودية التي كان لها حضور بارز في هذا المجال، فقد أسهم عدد من المعلقين السعوديين في تطوير هذا الفن وإثراء المشهد الإعلامي الرياضي، ومن بينهم: عبدالله الحربي، وجعفر الصليح، وعيسى الحربين، وغيرهم من الأصوات التي ارتبطت بذاكرة الجماهير السعودية والعربية. وقد كان للإعلام الرياضي في المملكة دور مهم في تعزيز حضور العربية الفصحى في المجال الرياضي، وجعلها لغة قريبة من مختلف فئات المجتمع.
إن القيمة الحقيقية للتعليق الرياضي لا تكمن في كونه مصاحباً للمباراة فقط، بل في قدرته على نقل اللغة إلى فضاءات جديدة. فالكثير من الشباب الذين لا يقرؤون الكتب الأدبية باستمرار يستمعون إلى العربية لساعات طويلة من خلال المباريات، ويتعرفون إلى أساليب التعبير والصور البلاغية من خلال أصوات المعلقين، وهنا تظهر أهمية هذا الفن بوصفه جسراً ثقافياً يصل بين اللغة والجمهور. ومن خلال تجربتي الشخصية، وجدت أن الاستماع إلى التعليق العربي أضاف إلى علاقتي باللغة جانباً من الحيوية والمرونة، فقد جعلني أرى العربية في صورتها المتحركة، وأدرك أن جمالها لا يرتبط فقط بالقواعد والنصوص، بل يظهر أيضاً في قدرتها على التعبير عن الفرح، والحزن، والحماس والانفعال، فاللغة التي تستطيع أن ترافق لحظة رياضية عابرة وتمنحها قيمة جمالية هي لغة تمتلك قدرة استثنائية على البقاء والتجدد.
لهذا أصبحت أرى أن الملاعب أو المباريات ليست مجرد أماكن للمنافسة الرياضية، بل يمكن أن تكون فضاءات ثقافية أيضاً. فكما تصنع الأندية أبطالاً في ميادين اللعب، يصنع المعلقون لحظات لغوية تبقى في ذاكرة المشاهدين، وقد يكون أجمل ما يمنحه التعليق الرياضي لنا أنه يذكرنا دائماً بأن العربية لغة واسعة، لا تضيق بمجال، ولا تتوقف عند زمن، بل تظل قادرة على أن تعبر عن الإنسان في كل حالاته.
وحين أستمع اليوم إلى مباراة بتعليق عربي، لا أتابع الكرة وحدها، بل أستمع إلى لغة أحببتها، وأرى كيف تتحول الكلمات إلى صور، والصوت إلى إحساس، والمباراة إلى حكاية. وهنا تكمن روعة التعليق الرياضي العربي، فقد جعل من الملاعب مدرسة أخرى للغة، ومن الميكروفون نافذة تطل منها العربية على العالم.

ذو صلة