يقف في الطابور والدقائق لا تتجاوز الثلاث ولكن يده تتحرك نحو الجيب بلا وعي منه، تُخرج الجوال تفتح أي تطبيق تُغلقه لتفتح آخر لا يبحث عن شيء بعينه. هو فقط لا يحتمل أن تبقى يداه فارغتين، وذهنه بلا محفز ولو للحظات. هذا المشهد يتكرر يومياً بمئات الصور: في الانتظار، في المصعد، حتى في أول ثانية بعد أن ينهي مكالمة.
سؤال يستحق أن يُطرح بجدية: متى تحوّل الفراغ الذهني أبسط حالة يعيشها الإنسان منذ الأزل إلى شيء نخجل منه ونهرب منه بهذه السرعة؟
الجواب: يبدأ من مكان غير متوقع: نحن لا نخاف الملل بذاته، بل نخاف مما يكشفه عنّا حين نُترك وحدنا معه.
انظر إلى كيف نتحدث عن أنفسنا في المجالس (ما عندي وقت أتنفس) جملة تُقال بنبرة فخر لا شكوى. والجدول المزدحم صار دليل قيمة والفراغ صار مرادفاً للكسل أو الفشل. تحوّلت الإنتاجية من وسيلة إلى هوية، وصرنا نقيس أنفسنا بعدد المهام المنجزة لا بعمق ما ننجزه أو معناه.
في هذا السياق لحظة الملل ليست مجرد وقت ضائع، بل تهديد لصورة ذهنية بنيناها بعناية عن أنفسنا كأشخاص (مشغولين ومهمين).
لكن المفارقة الحقيقية أعمق من ذلك فأغلب القرارات المصيرية في حياة أي إنسان وأغلب الأفكار التي غيّرت مساره، لم تولد في خضم الانشغال بل في لحظة صمت لم يخطط لها: أثناء قيادة السيارة بلا موسيقى، في نزهة بلا هدف، في تلك الدقائق البسيطة قبل النوم حين يتوقف كل شيء.
فالدماغ حين يُترك بلا مُشغّل خارجي لا يتوقف عن العمل بل يبدأ عملاً من نوع آخر: يُعيد ترتيب ما تراكم فيه، يربط خيوطاً متفرقة، ويطرح أسئلة كانت مؤجلة. هذا النوع من التفكير لا يحدث بالطلب ولا يُستحضر في اجتماع هو نتاج فراغ حقيقي غير مُعبّأ بأي شيء.
المشكلة أن أدوات اليوم صُممت خصيصاً لسدّ هذا الفراغ قبل أن يبدأ. والإشعار يصل قبل أن يكتمل السؤال في ذهنك، الشاشة جاهزة في جيبك تسحبك لأسفل أسرع من أي فكرة ممكن تراودك.
لسنا نتحدث هنا عن إدمان بالمعنى المرضي، بل عن ضمور تدريجي في القدرة على تحمّل الفراغ حتى صار كثيرون لا يعرفون أصلاً كيف يبدو الملل الحقيقي، لأنهم لم يمنحوه فرصة كافية ليتشكل.
وربما هذا أخطر ما في الأمر: أن جيلاً كاملاً قد ينشأ دون أن يختبر يوماً تلك اللحظة التي يواجه فيها نفسه بلا وسيط، بلا شاشة، بلا صوت خارجي يملأ الصمت نيابة عنه. وهي اللحظة التي منها تاريخياً وُلدت أعمق الأفكار وأصدق القرارات.
لسنا بحاجة لتمجيد الكسل ولا للدعوة إلى التوقف عن الإنجاز. الفكرة أبسط من ذلك: أن نعيد للفراغ الذهني مكانته لا كعيب يُصحَّح، بل كمساحة ضرورية يحتاجها العقل ليعمل بصورته الكاملة. المسألة لا تتعلق بترك الجوال جانباً في مشهد رمزي، بل بسؤال أعمق نطرحه على أنفسنا كل مرة تمتد فيها اليد نحو الجيب بلا سبب.
فحين تجد نفسك في المرة القادمة تُخرج هاتفك دون أن تدري لماذا توقف لثانية واحدة، واسأل:
هل أهرب من فراغ لا أحتمله، أم من نفسي التي قد أراها بوضوح أكثر مما أريد؟