مازالت القيم الأساسية في الشعر العربي كما هي، ولم تتغير، بل لقد ظلت هذه القيم ذاتها (في ثوابتها العامة على الأقل)، فهي المضمار الذي تركض فيه أفراس الشعراء، فيتقدم شاعر ويتأخر آخر حسب إمكاناته الإبداعية الخاصة حتى اليوم. أما كيف يتفوق شاعر على شاعر بإسكان قيم موروثة عامة ضمن إطاره الفني والرؤيوي الحديث؟ فالمسألة تتعلق بشاعرية الشاعر نفسه، بتوقد قريحته، وجموح خياله، بثراء مخزونه اللغوي، وسعة قاموسه، وحساسية اختياره للمفردات. وتتعلق أيضاً بقوة ذاكرته التي تمكنه من استدعاء الصور الشعرية في لحظات التجلي الإبداعي. هذا جانب، والجانب الثاني هو قدرة هذا الشاعر على امتلاك قاموس العصر، ومعرفة أدواته، واتجاهات ذوق الناس فيه. في المجمل معرفة المزاج العصري، وامتلاك الطرق الفاعلة التي تحقق امتصاص خلاصة العصر؛ هي ما يمّكن الشاعر من إسكان القيم الجمالية العامة ضمن النص الشعري، وفي إطار رؤية فنية جمالية حديثة، وبالتالي تحقيق الغرض الفني الجمالي الإمتاعي من النص الشعري الذي يتقدم به الشاعر إلى الجمهور الحديث.
من المعروف أن رشاقة قَدّ المرأة قيمة جمالية ثابتة في الشعر العربي، ولكن طريقة صوغ اللغة لتقديم هذه القيمة تختلف في مكوناتها وصورها وأخيلتها بين الشعراء من عصر إلى آخر، بسبب اختلاف عناصر البيئة التي تحيط بالشاعر فتشكل وجدانه، فعندما يوصف القد المستوي الرشيق مثلاً بعمود الضوء أو بالقلم أو بنافورة الماء، أو بأي عنصر مما أنتجته الحضارة؛ فإن هذا، إضافة إلى كونه استجابة طبيعية من الشاعر لمتغيرات الحياة، وتكيفاً حميداً معها؛ فهو بالنسبة للمتلقي العصري يصنع صورة قريبة إلى الذهن، ما يجعل هذا المتلقي أكثر انفعالاً وتأثراً بالنص، فهو وصف يحيل إلى مثال واقعي قريب، تشبعت به الذاكرة العامة للمتلقين، ولكن القدرة على صوغ لغة قوية لتقديم هذه القيمة بتصاوير عصرية لا يتحقق إلا حين يصبح الشاعر متكيفاً مع سياقه الحضاري، فاعلاً فيه منفعلاً به. حين تصبح علاقة الشاعر بالنُظُم الاجتماعية (بكل مستوياتها وأشكالها) علاقة تبادلية إيجابية، يتجاوب معها مؤثراً فيها ومتأثراً بها.
وخذ هنا أمثلة بسيطة عن معاني الجمال الحسية والمعنوية في نصوص شعراء من العصور القديمة وآخرين من العصر الحديث، للتعرف على بعض ملامح التغيير في بناء الصورة المتخيلة، تبعاً لتغير الزمن، رغم ثبات القيمة الجمالية الأصلية.
ففي جمال القد يقول أمرؤ القيس:
مهفهفةٌ بيضاءُ غيرُ مُفاضة
ترائبُها مصقولة كالسجنجلِ
ويقول الجواهري:
من كل مهضومة الكشحين ناعمة
ميادة مثل غصن البانة اللدنِ
وفي معنى تهذيب النفس وردعها عن الهوى، يقول أبو ذؤيب الهذلي (27 هجرية):
والنفس راغبة إذا رغبتها
وإذا تُردُّ إلى قليل تقنعُ
ويقول البوصيري:
والنفس كالطفل إن تهمله شبَّ على
حب الرضاع وإن تفطمه ينفطمِ
فلاحظ أن إحساس الشاعر بالقيمة الجمالية الحسية والمعنوية معاً ظل واحداً، فيما ظل التباري والسباق -الذي نقوم فيه نحن بدور المحكمين كوننا نتعامل مع منجزات شعرية حاضرة بيننا- تبارياً في تطويع لغة حاضر الشاعر وتصوراته الخاصة لحمل القيمة الجمالية العامة والعابرة للعصور من خلال قالب شعري قديم، ولكنه يقبل أن يملأ بوجدان جديد هو خلاصة امتزاج الشاعر بحاضره.