الزمن يتغيّر، الأحوال تتبدّل، والدلائل تبيّن بوضوح قدرة البشر على الاستفادة من التجارب ودمج الأساليب لإصدار منتجات جديدة.
ثقافة المجتمع.. سلعة تجارية
بقيت معضلة الدعم دون حل، دعم الثقافة التي تحميها أقلية من فئات المجتمع. كانت الدول وبدوافع العناية بالإبداع المحلي أياً يكن زمنه؛ كانت تخصص جزءاً من العائدات في دعم تلك الفنون، غير أن توسّع أساليب الحياة، وما صاحبه من زيادة في المصروفات، وحتى وجود عجز في الميزانيات؛ أدى إلى تراجع الدعم السابق عن تلك الثقافة الأصيلة، ولم يعد من خيار سوى قبول الدعم التجاري الذي يقدمه بشكل مباشر أصحاب السطوة الاقتصادية! هذا بدوره خلق مناخاً متأزماً وجدلاً فيه من الحق بقدر ما فيه من التشكك! وهو: ألن يحوّل المال التجاري العمل الثقافي إلى نشاط رأسمالي يجرّد الأعمال الأصيلة من أصالتها ويحوّلها لثقافة مشوهة لا تختلف عن المنتجات الاستهلاكية السريعة التلاشي؟ لربما كان التساؤل في موقعه الصحيح تماماً، لكن ما السبيل لتغيير ذلك؟
تضاؤل الأجوبة حوّل التساؤل لدى المثقفين والفنانين من مجرد التشكّك والخوف إلى الإحباط والاستسلام والابتعاد عن المشاركة في الوسط الثقافي والاجتماعي.
لقد ظهر التعاون بين القطاعين العام والخاص، وهو ما من شأنه أن يحقّق تحولاً إستراتيجياً في وسائل العرض والطلب وزيادة الأرباح وكفاءة الإنتاج.
من الملوك إلى الشركات
بينما كانت العادة في العصور القديمة أن يتكفل الرعاة -من ملوك وأباطرة وتُجّار- برعاية المواهب العلمية والفنية؛ فإن نظام الرعاية الحالي يعتمد على الشراكة بين القطاعين العام والخاص، مما خفّف العبء عن الحكومة بتحملها تكاليف كل شيء، عبر إشراك القطاع الخاص راعياً موثوقاً للتعاون، مما يضمن تواصل الدعم، وكذلك يتيح جلب أفكار إضافية تُسهم في تحويل الرعاية من عبء إلى استثمار.
ومعه تظهر أيضاً أدوات إضافية، بشكل مقترحات لدعم هذا التعاون وتعزيزه.
مثلاً، إبّان العهد الذهبي للصحافة الورقية كان الإعلان الوسيلة الأهم لاستدامة الأرباح، وهو يساهم في تخفيف مصاريف الطباعة والإدارة للصحيفة، مما يجعلها تطبع نسخاً أكثر، وبالتالي تحصل على توزيع أكثر، وكلما ارتفع التوزيع تزايدت عروض الإعلان على الصحيفة، هذه العلاقة منحت محرري الصحف إمكانية إضافة الأفكار السهلة التي تراعي غالبية المجتمع الذي يقتني صحيفتهم، كصفحات الرياضة والألغاز والتسالي والمعلومات والطرائف.. وما شابهها من مواد تعزز الانتشار أكثر، على أن التنافس في استقطاب المعلنين لا يخضع فقط لإدارة الصحيفة وحدها، بل يتصل بالمعلن نفسه وأفكاره التي يريد إيصالها أو الأخبار التي يريد نشرها أو منعها، مما تسبّب مع مرور الوقت في تضعضع صناعة الصحف بين الناس، فتوقفت كثير من الصحف والمجلات واختفت تماماً، ولم يبقَ إلا القليل جداً منها، والذي بقي في الغالب يحظى بدعم حكومي لاستمراره، وبالذات في دول العالم الثالث.
وما بقي من الصحف العالمية ظل محكوماً في جانب كبير من مادته التحريرية بشخصيات نافذة تدعمهم بإعلانات موجهة لقراء ومتابعين لتلك الصحيفة من ذوي النفوذ والغنى.
وهذا اضطرار من الصعوبة تجاوزه في ظل صناعات إعلامية تقنية مبهرة، ما فتئت تتوالد في ساحة الإعلام العالمي، مما يجعل المنافسة معها وحتى مجرد البقاء صعباً، دون تنازلات مؤلمة لرواد الصحافة التقليدية.
فحاجة الصحافة ليست كما هي حاجة الفرق الرياضية.
ملعب ماراكانا الشهير في البرازيل قادر على استضافة مباراة يحضرها أكثر من 78 ألف متفرج، لكن هذا الرقم بالنسبة لصحيفة يومية يعد رقماً ضعيفاً.
الصحيفة تحتاج إلى أرقام يومية ضخمة من القراء لتضمن استمرارية صدورها، هي لا تستطيع البقاء ولا التنافس إذا لم تكن لديها مبيعات واشتراكات دائمة. في مثال ملعب ماراكانا؛ فإن الصحيفة اليوم تحتاج إلى أضعاف هذا الرقم يومياً لتتمكن من تحقيق الأرباح وتكاليف طاقم التحرير ومصاريف الطباعة والخدمات.
على أن الحقيقة القاسية: لا يمكن أن تحقق الصحف اليوم هذه الأرقام، بالضبط كما لا يمكن أن نقيم يومياً مباراة في ملعب ماراكانا ونضمن امتلاء المدرجات بكاملها!
المنافسة صعبة، والمنافسون شرسون، ويعملون في سوق مليئة بالضغوطات، مع تداخل اعتبارات سياسية وأخرى ثقافية واقتصادية، ومع ارتباطهم جميعاً بعنصر الإعلان، تظهر الفائدة المثمرة للشراكات الإستراتيجية والرعايات المبنية على المصالح المشتركة.
السيطرة الناعمة تُحكم قبضتها
الرعايات تؤدي دوراً مزدوجاً، أو فلنقل متعدد الأوجه، هناك دعم لشركات مقابل الموافقة على امتيازات معلنة وغير معلنة (سرية)، وهي تتيح للراعي أن يفرض قواعد اللعبة كما يشاء، كذلك فإن شراء الذمم من الأقلام والألسن المأجورة كأبواق ناطقة بالدعاية لذلك الممول؛ تكاد تكون نمطاً لا يتغير، من الفنانين في الممالك القديمة والشعراء والمفكرين.
الآن وصل التطور في هذا النمط أن الرعايات لم تعد مجرد شريك للفعالية أو المنشأة، بل صار اسم الراعي أو اسم شركته هو الاسم الرسمي للفعالية أو المنشأة التي رعاها، يا له من انقلاب تام! تحوّل جذري في آلية التعامل وأساليب التواصل، هو رصد لكيفية تداخل العلاقات وأثرها على توجيه المصالح وتحييد العقول.
وبينما كانت كثير من الفعاليات الثقافية ترتكز على دعم يسير يتيح لها تفعيل نشاطها؛ فإنها اليوم تحظى برعاية عالمية هائلة من ذوي رأس المال المسيطر، مما نقلها من الحفاظ على وجودها إلى توسيع وجودها بآفاق مثيرة للاهتمام المجتمعي.
مع انتقال من اللقاءات المباشرة إلى تفعيل اللقاءات والفعاليات الإلكترونية، وهذا بحد ذاته يُمثل تحولاً إستراتيجياً في تفاعلات العلاقات البشرية وديمومتها بطرق لا تعطي للتواصل الشخصي أية أهمية، وبدلاً من أن يكون السوق محلياً، صار دولياً، وقابلاً لنقل المحلي إلى العالمي، مع ما فيه من زيادة في تكاليف الأجور والإنتاج وتوفير المعدات وخطط التسويق، وصار القطاع الثقافي ليس فلكلوراً نرنو إليه في حالاتنا المزاجية الرائقة أو نقيضها الأشد حزناً؛ بل صار حالة ثقافية اقتصادية لها هويتها الخاصة، فهي مصدر من مصادر العلم والمعرفة والاقتصاد.
مع عدم إهمال الأدلجة التي تدخلت لفرض عقائد محددة لتأثيرات سياسية.
أحدثت هذه المعالم الجديدة تشتتاً إضافياً، ليس فقط بين المدافعين الصامدين عن الثقافة الأصيلة -كما يسمّونها؛ بل حتى بين معتنقي هذه المعالم، والموجة العاصفة من رأسماليين ولا دينيين واشتراكيين ومتشددين متطرفين، فحدث توتر وارتباك واختلاط في المفاهيم.
سيطرت الشركات على القرار عبر رعايتها لبطولات رياضية أو منتديات شبابية أو برامج ثقافية وترفيهية مشتركة عابرة للحدود، هي تمتلك المال، وتُجمّل صورتها عبر انتقائها لمجالات ذات بعد جماهيري وشعبي لتلتصق به، فيكون اسمه هو اسمها!
الصورة العامة هي المستهدفة، وقد نجحت ولا تزال تواصل نجاحها في ذلك، الشركات العابرة للحدود والمتعددة الجنسيات تمتلك القرار الحاسم، والدلائل شاهدة في كل مكان.
هنا يظهر العامل القومي أو الثقافي لشعب ما، فهو خط دفاع متين ضد الاختراقات التي تشوه الحقائق.
التقنية تتيح الاسترخاء، مع مكاسب سطحية تُوهم المجتمعات بالسيطرة الظاهرية عبر تشريع قوانين هامشية، والابتعاد عن حل المسائل الصعبة، والركون للسيادة الشكلية للذات والمجتمع؛ لكن الحقيقة الفادحة غير ذلك، فالأثر التكنولوجي غير المنضبط، وبعدم تطرق أصحاب الشأن للتشريعات الواجب إيجادها واعتمادها؛ فإن مشاكل مثل الاغتراب والبطالة وفقدان الهوية ستظل على حالها.
معارضة التقنية تدل على انفصال عن الواقع، والنظام العالمي الرأسمالي يعزز من دور التقنية اقتصادياً، مما دق جرس الإنذار لمخاطره، لا بيدهم بل بيد الباحثين الذين أدركوها وحذروا منها.
تبقّى القليل من المؤسسات الثقافية القادرة على وضع حد للتغوّل التقني دون أن يعني هذا الاستغناء عنه.
ونظراً لزيادة المخاطر؛ تلجأ بعض المجموعات إلى شيء من الانعزال لتفادي دخول التأثيرات العولمية على مبادئهم ومنجزهم الثقافي، وذلك نوع من الحماية الآمنة، وهو سبيل قد يبدو متطرفاً؛ لكنه ضروري من وجهة نظرهم، فنرى دائرتهم تتقلص شيئاً فشيئاً نتيجة لمحدودية دائرتهم الضيقة، ليحافظوا على ما تتمسك به من مبادئ تعززها الريبة من التيارات الجديدة الصاعدة بفضل رأس المال.
هل هناك معايير دائمة للإبداع؟
في العالم العربي برز الروائي السعودي أسامة المسلم، الكاتب الشاب المختص بتأليف روايات الغموض والسحر؛ مجتذباً شريحة ضخمة من القرّاء في منطقة لم تعتد على هذا النوع من الشعبية للكُتّاب والأدباء، وأمام منظر الطوابير الممتدة بأعداد كبيرة من المعجبين الذين ينتظرون دورهم ليحظوا بتوقيعه على أحدث إصداراته الروائية؛ فإن تياراً من الرافضين لفكرة هذا النوع من الأدب (السطحي) -كما يسمونه، متمسكون بالبناء السردي والشعري الذي شيّده عمالقة الكُتّاب، من: شكسبير وهوجو وديكنز وتولستوي وشيلر ونزار قباني وهولدرلين وجبران خليل جبران.. وغيرهم من عمالقة الأدب.
وهذا طرح مسألة الجودة الإبداعية والكفاءة المعرفية التي يقدمها المبدع للقارئ وعموم المجتمع، ومدى اقترانها بالشهرة، ويظهر بوضوح مدى الفجوة بين الشعبية الجماهيرية والعظمة الإبداعية.
لكن ألا تدل الجماهيرية الكاسحة للكُتّاب على نوع من الإبداعية في مؤلفاتهم؟
هل يمكن أن نضع باولو كويلو أو جي رولينغ في قائمة المبدعين الكبار استناداً على حجم مبيعاتهم القياسي وانتشارهم المذهل؟