مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

بخل الأدباء والفنانين العرب.. بيـن الصورة النمطيـة والواقـع المركّب

لطالما ارتبط الأدب والفن في المخيال الجمعي بالسخاء الروحي والثراء الإنساني، فالأديب أو الفنان هو من يفيض إحساساً، ويمنح العالم رؤيته وتجربته دون مقابل مباشر. غير أن التاريخ الأدبي والفني العربية - كما هو الحال في الثقافات الأخرى - حفظ لنا صوراً متناقضة، فإلى جانب الكرم المادي والمعنوي، ظهرت حكايات وقصص عن بخل بعض الأدباء والفنانين، حتى صار البخل أحياناً صفة لصيقة ببعضهم، تُروى على سبيل الطرافة أو النقد أو السخرية. فهل كان هذا البخل حقيقة ثابتة؟ أم أنه انعكاس لظروف اجتماعية ونفسية واقتصادية معقّدة؟
قبل الحديث عن بخل الأدباء أنفسهم، لا بد من التوقف عند البخل بوصفه موضوعاً أدبياً. فقد شغل البخل حيّزاً واسعاً في التراث العربي، وأشهر مثال على ذلك كتاب (البخلاء) للجاحظ، الذي لم يكن مجرد توثيق لظاهرة اجتماعية، بل عمل أدبي ساخر يكشف تناقضات النفس البشرية.
هذا الاهتمام بالبخل جعل المجتمع العربي أكثر حساسية تجاه هذه الصفة، وأكثر ميلاً إلى رصدها وتضخيمها، خصوصاً عندما تصدر عن شخصية عامة كأديب أو فنان.
الفقر المزمن والخوف
ولعل من أبرز أسباب ما وُصف ببخل الأدباء والفنانين الفقر المزمن والخوف من المستقبل، فكثير من الأدباء والفنانين العرب عاشوا في ظروف مادية قاسية، جعلت المال بالنسبة إليهم وسيلة بقاء لا رفاهية. هذا الفقر لم يكن عابراً، بل ممتداً، مما ولّد لديهم خوفاً دائماً من الغد، فتحوّل الحرص إلى بخل.
ويُروى عن أبي العلاء المعري - على الرغم من زهده الشديد - أنه كان شديد الاقتصاد في طعامه ولباسه، حتى عُدّ ذلك بخلاً. غير أن هذا السلوك كان نابعاً من فلسفة تشاؤمية ونظرة سوداوية للحياة، لا من شحّ النفس.
ومن أسباب البخل الإحساس بعدم عدالة المجتمع، وشعر كثير من الأدباء أن المجتمع لم يُنصفهم مادياً، وأن عطاءهم الفكري لا يُقابل بعطاء مادي مماثل. هذا الإحساس بالغبن جعل بعضهم يتشبث بما يملك.
وكان الجاحظ نفسه يُعرف بالحرص الشديد على أجره، حتى إنه كان يساوم الورّاقين على نسخ كتبه، ويغضب إن شعر بأنه لم يُقدَّر مالياً. وقد فُسّر ذلك على أنه بخل، بينما هو في الحقيقة دفاع عن قيمة جهده الفكري.
ويرى بعض الدارسين أن بخل بعض المبدعين ليس صفة أخلاقية، بل آلية دفاع نفسي. فالأديب أو الفنان الذي يشعر بعدم الاستقرار يعوّض ذلك بالتحكم في المال.
نُقل عن الشاعر بدر شاكر السياب - رغم كرمه في بعض المواقف - أنه كان شديد القلق على المال في سنوات مرضه الأخيرة، حتى بدا حريصاً إلى حد البخل، خوفاً من العجز والحاجة.
ومن المفارقات اللافتة أن كثيراً من الأدباء الذين وُصفوا بالبخل المادي كانوا أسخياء إبداعياً، يمنحون علمهم وأدبهم بلا مقابل.
وكان طه حسين معروفاً بدقته الشديدة في شؤونه المالية الخاصة، لكنه في المقابل فتح بيته ووقته للطلاب والباحثين، وساعد كثيرين في مسيرتهم العلمية، مما ينفي عنه تهمة البخل بالمطلق.
تضخيم النوادر والقصص
لا يمكن إغفال أن الثقافة العربية تعشق النوادر، وقد بالغ الرواة في تصوير بخل بعض الأدباء طلباً للطرافة. ونُسب إلى الشاعر أشعب (وإن لم يكن أديباً كبيراً) عشرات القصص عن البخل والطمع، حتى صار شخصية كاريكاتورية. وقد انسحب هذا الأسلوب القصصي على بعض الأدباء الحقيقيين، فشُوّهت صورتهم.
الفنانون العرب والبخل
في العصر الحديث، وُصف بعض الفنانين بالبخل رغم ثرائهم، مثل بعض المطربين أو الممثلين، لكن شواهد كثيرة تثبت أن هذه الصفة انتقائية.
وذُكر عن بعض الفنانين الكبار أنهم يرفضون الإنفاق في حياتهم اليومية، لكنهم في الخفاء يتكفلون بعلاج محتاجين أو بدعم فنانين شباب، ما يدل على أن البخل قد يكون سلوكاً ظاهرياً لا جوهرياً.
وفي ثلاثينات القرن الماضي، لم يكن محمد عبدالوهاب يثق في شيء قدر ثقته في حنجرته. حتى البنوك، كانت في نظره مجرد حصون ورقية لا تؤمن جانباً. حين جمع أول مئة ألف جنيه - وهي ثروة قارونية آنذاك - لم يجد مكاناً آمناً سوى (خصر) شقيقه الشيخ حسن. أجبره على ارتداء حزام جلدي محشو بالمال، وفرض عليه إقامة جبرية: (لا خروج، لا ضيوف، ولا نوم عميق). كان عبدالوهاب يتصل به كل ساعة كأنه يتفقد نبض قلبه، خوفاً على (تحويشة العمر). وحتى حين اقتنع بالبنك أخيراً، كان يدفع (بخشيشاً) للحارس ليظل مستيقظاً، ظناً منه أن يقظة الحارس هي الضمان الوحيد لبقاء ألحانه وأمواله.
إن بخل الأدباء والفنانين العرب ليس ظاهرة مطلقة ولا صفة جامعة، بل حالة إنسانية معقدة تشكّلت بفعل الفقر، والخوف، والاغتراب، وعدم التقدير الاجتماعي. وقد ظلم التاريخ كثيراً منهم حين اختزل شخصيات ثرية وعميقة في صفة واحدة.
ويبقى الأهم أن الإبداع نفسه كان - ولا يزال - أعظم أشكال السخاء، فمن يمنح الناس فكراً وجمالاً ورؤية جديدة للعالم، لا يمكن وصفه بالبخل، مهما ضاق إنفاقه في شؤون المال.

ذو صلة