مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

محمد عبده وإسهامه في النهضة الأدبية

كان لأثر الصنعة والتكلف في النثر العربي مآلات غير مرجوّة، وقد أدّى ذلك إلى ضحالة النثر في معناه ومبناه، وسخف المعنى، وهلهلة النسج، وغير ذلك من العيوب الكتابية، مما كان يعيق النبوغ الفكري، والسُمُوَّ البياني.
ولم يكن لجوء نفرٍ من الكُتّاب للزخرف والمحسنات إلا ليزيّنوا بها كلامهم، بعد أن عَزَّ عليهم اللفظ الجزل، والأسلوب البليغ، فلم يجدوا عن التكلُّف بديلاً، ولم يعرفوا للترسّل سبيلاً، وإن كان عدد غير قليل من أصحاب النثر الفني قد أجادوا في صنعتهم البيانية، وأتوا باللفظ المناسب للمعنى، فتلمس تعبيرهم يفصح عن مكامن شعورهم، وبواطن وجدانهم.
وبذلك لم يكن النثر الفني الذي يعتمد على الصنعة اللفظية في مجمله دليل ضعف بياني، وجمود عاطفي، بل كان مجالاً فسيحاً للتعبير عن الشعور الدفين، والإحساس العميق، وقد أتى نفر من الأدباء بضرب جديد من الشعر المنثور، صادق الشعور، وفي طليعة هؤلاء: عبدالله فكري، وحفني ناصف، وإبراهيم اليازجي، ومحمد المويلحي، وسواهم من أصحاب التنسيق اللفظي، والتصوير البياني.
ومن الإجحاف أن يعدّ بعض مؤرخي الأدب كافة أدباء النثر الفني من ذوي المدرسة الملتزمة بالبديع في ذلك العهد مجرّد امتداد لعصر معيّن -كالعصر العثماني مثلاً-، في اجترار ألاعيب المحسنات، غافلين عن شعورهم الدافق، وأحاسيسهم النفسية، وانسجام اللفظ في كتاباتهم، وجدير بالذكر أن حملة محمد عبده وأستاذه جمال الدين الأفغاني على السجع كان المقصود بها الكتابة الصحفية في رسالتها الإصلاحية، التي تقوم على استمالة الجماهير القارئة للإقناع والتوجيه بأسلوب قريب من أذهانها، أما النثر الفني الوجداني النابع من أديب فنان، فهذا لون من التصوير المفصح عن يقظة الشعور، وهو مثار الإعجاب دون ارتياب، وقد أبدى جمال الدين الأفغاني إعجابه بمحمد المويلحي -صاحب الأسلوب المسجوع- وأثنى على كتابته، ورأى فيه بشائر الخير ودلائل النبوغ، وكتب في ذلك رسالة بعثها إليه، أثبتها محمد المويلحي في مستهل كتابه: من حديث عيسى بن هشام.
محمد عبده وإصلاح الأسلوب العربي
لقد كان محمد عبده يرشد تلاميذه إلى مطالعة الكتب الأدبية، لتسمو ملكتهم الكتابية، ويستطيعوا النهوض بالأمة عن طريق كتابة المقالات في الصحف والمجلات، ونصح تلاميذه بأن يقلعوا عن الأسلوب المسجوع، وألا يجروا وراء المحسنات، وأن يهتموا بالمعنى وإبرازه، مع جودة العبارة، على النحو الذي دعا إليه جمال الدين الأفغاني، الذي كان له أثر واضح في تلميذه النابه محمد عبده، وهو الذي أرشده إلى أن يتحرر في نثره من كل صناعة لفظية، أو حلية زخرفية، فما كان من محمد عبده إلا أن أخذ بنصيحة أستاذه، وأعلن توبته عن السجع، وهو يشير كما لو أنه كان يرتكب جرماً في حق الأسلوب العربي، وقد أفصح عن ذلك في رسالة بعثها إلى الأديب حفني ناصف، الذي حاول إغراءه واستمالته للعودة إلى اعتماد السجع، وإن لم يجد محمد عبده مهرباً من العودة إلى استعماله في كتابة رسالته إلى حفني ناصف، قائلاً له: «عزيزي حفني، تسجع لي في كتابتك، وتطمع أن أسجع لك في جوابك، كأنك لم تسمع أني تبت عن السجع، حتى لو ساق إليه الطبع، فماذا أصنع بك، وقد نقضت توبتي بأدبك».
وهي رسالة طريفة تظهر مدى هجر محمد عبده لتكلّف البديع، وقيود السجع، واضطراره إلى استخدامه في الردّ على رسالة صديقه، وإشارته إلى اعتماده الأسلوب المرسل، وعنايته بتحرير النثر العربي من قيود الصنعة البيانية، والزخارف اللفظية.
على أن السّجع لا يُعاب في حدّ ذاته، فقد يأتي خادماً للمعنى، ملقياً على الكلام نغماً جميلاً، يزيد تأثيره في النفوس، خصوصاً إذا كان جارياً على الطبع غير متكلّف، فالمعنى إذا استدعى السّجع جاء جميل الوقع، حلو الجرس، ساحر الرّنين.
ويُعدُّ محمد عبده من أبرز المنشئين للمقالة المتحررة من قيود الصنعة البديعية، وقد ساهم في تطوير فن المقالة، وارتقى بالنثر العربي من الزخرف اللفظي، وسعى إلى تخليصه من عاهته، ومضى به إلى الترسل للوصول إلى غايته، ليكون أثره أهدى للقلوب، وأقوم للعقول.
وقد كان لتخلّي محمد عبده عن الصناعة اللفظية أثر في تطوير المقالة، فهو نموذج لتجديد الأسلوب، الذي يحمل رسالة هادفة، فيُسهم في يقظة الشعور، وتنوير العقول، وتحرير الشعوب، وكأنّ تقييد الأسلوب تقييد للفكر، وإعاقة عن تحرره وانطلاقه في آفاق الحرية المنشودة، وقد كان إصلاح الأسلوب في النثر العربي سبيلاً للإصلاح الاجتماعي والسياسي لدى محمد عبده، فأتت مقالاته بليغة في تحريرها، متناسقة في تعبيرها.
ولقد كانت الدعوة إلى الحرية في رؤية دعاة الإصلاح، وفي طليعتهم محمد عبده، أسمى من أن يظلّ صداها حبيس القيود البديعية، فكانت الثورة على الأسلوب المسجوع وتقويضه مدخلاً للكتابة الصحفية، ونشر الأفكار الإصلاحية، وكأنهم رأوا أنه لن تبلغ دعوتهم غايتها في يقظة الجماهير دون تحرير الأسلوب من قيود الصناعة اللفظية، فآثروا الانطلاق البياني، وناشدوا التحرر التعبيري، وحملوا على البديع، وسعوا إلى تقويض مدرسة النثر الفني الملتزمة.
وإذا كان محمد عبده قد اضطلع بمهمة الإصلاح، فقد رأى أن الأسلوب العربي في حاجة إلى الإصلاح أيضاً، فأولاه حظاً وافراً من اهتمامه، وبدأ ذلك بإصلاح أسلوبه، حاملاً لواء رسالة أستاذه جمال الدين الأفغاني، ولكنه لم يكن يتساهل في تعريب الكلمات الأعجمية مثل أستاذه، بل إنه حرص على تنقية اللغة من الألفاظ الدخيلة والسقيمة، وعُنِيَ بإحكام البيان، وتجمَّلَ بدقة المعنى، في تسلسل منطقي للأفكار.
وقد كان التخلّص من المحسّنات اللفظية التي كان يحفل بها كثير من الكُتّاب، إعلاناً عن التحرر من التقليد إلى التجديد، وإيذاناً بنهضة أدبية، حمل لواءها محمد عبده، وكان من أنصارها عبدالرحمن الكواكبي، وأديب إسحق، وقاسم أمين، وسواهم.
ولئن كان ارتقاء البلاغة رهيناً بارتقاء الأدب، فإن الشيخ محمد عبده قد حرص على التوفيق بين تدريس البلاغة والأدب، وذلك بالربط بينهما، فانتقل بالنص الأدبي من دائرة ضيّقة إلى آفاق التذوّق والاستشفاف، ولا غروَ فقد كان أعلام البلاغة من أمثال عبدالقاهر الجرجاني أصحاب بيان أدبي، وذوق جمالي، فعالجوا مسائل البلاغة بلسان الأدب.
عناية محمد عبده بإحياء التراث العربي
لقد ساهم محمد عبده في نشر التراث العربي، وكان يرى إحياء التراث إحياءً للغة العربية، وذلك من صميم عمله الإصلاحي، فسارع إلى تأسيس جمعية إحياء العلوم العربية عام 1900م، التي قامت بطبع مصادر عربية نفيسة، مثل كتابي دلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة لعبدالقاهر الجرجاني، والمخصص لابن سيده الأندلسي -وهو معجم مرتّب على المعاني-، وموطأ الإمام مالك، ونهج البلاغة المنسوب للإمام علي بن أبي طالب، ومقامات بديع الزمان الهمذاني.
كما اهتمّ محمد عبده بمقدمة ابن خلدون، وأولاها عناية كبيرة، حتى أنه لما ظفر بشهادة العالمية، وأصبح مدرساً بالأزهر الشريف، ثم بعد ذلك مدرساً بدار العلوم للتاريخ الإسلامي، سارع إلى تدريس مقدمة ابن خلدون لطلابه، وذلك لكلفه بها، وحرصه الشديد على نقل أفكارها إلى الطلاب، وفتح عيونهم على أسلوبها، لينهلوا منها، ويهتدوا بها، ويرتقوا في ضوئها فكراً وأدباً، ويسيروا على منوالها في الأسلوب المرسل.
ولقد ظهر الأسلوب المرسل -الذي تمتاز به مقدمة ابن خلدون- جليّاً في كتابات الأستاذ محمد عبده، لأنه استفاد منها فكراً ونثراً، فقد اقتفى محمد عبده أثر ابن خلدون، ونهج نهجه في الأسلوب، وحمل لواء تحرير النثر العربي مما مُنِيَ به من القيود وأثر الصنعة.
وقد أشاد عباس محمود العقاد بعناية محمد عبده بالبلاغة والأدب، واهتمامه (بإحياء اللغة العربية، مادة وعلماً ودراسة وكتابة)، وكان ذلك من أولى اهتماماته، فأولاه كريم عنايته، ووافر جهوده، ومن ذلك نشره للتراث البلاغي والأدبي، وشرحه والتنويه به، وذلك من احتفاء الإمام محمد عبده بأمهات المصادر العربية التي رآها ذات أثر فعال في النهضة الأدبية والعلمية، واعتمدهما في التدريس، فأطلع الطلاب على كنز فريد، ونمط جديد في الدرس البلاغي، والجمال الأدبي.
ولم يقتصر محمد عبده على إحياء التراث العربي بل عمد إلى النقد المقارن، ومن ذلك مقارنته بين المنهج التأليفي عند عبدالقاهر الجرجاني، وسواه من أصحاب الدراسات البلاغية ذات البحوث المنطقية، كمفتاح العلوم للسكاكي، والتلخيص في علوم البلاغة للقزويني، فأدرك الإمام محمد عبده الفرق بين منهج وآخر، حيث إن كتاب السكاكي ومن لفّ لفّه يعج بالمماحكات اللفظية، والاعتساف في إقحام بحوث فلسفية لصنعة البيان، في حين يخلو منهج الجرجاني في الدرس البلاغي من ذلك.
كما اعتمد محمد عبده على كتاب معاهد التنصيص على شواهد التلخيص، لمؤلفه الشيخ عبدالرحيم بن أحمد العباسي (ت963هـ)، وجعله مجالاً لاختبار الطالب في ملكة قراءته، ودقة فهمه، وهذا ما أثبته الأستاذ محمد محيي الدين عبدالحميد في مقدمة تحقيقه لكتاب معاهد التنصيص، مشيراً إلى كثرة قراءة محمد عبده في هذا الكتاب الذي يُعدّ موسوعة أدبية، والمعاودة له، متّخذاً منه سميراً وأنيساً، وهذا يظهر عناية محمد عبده بالجانب البياني المشرق، موقناً أن الأدب من روافد المعرفة، فلا غرابة أن يديم النظر في هذه الموسوعة، ليقف على موضع الشاهد البلاغي، وشرحه، ومناسبته، والتعريف بصاحبه، وذلك من عنايته بالبلاغة، واهتمامه بالأدب، وقد ربط محمد عبده بين تدريس البلاغة والأدب، ليرتفع بالعقل والحسّ إلى آفاق رحيبة من جمال النص الأدبي، والحفاوة بأطايبه، وتنمية الذوق البياني.
وسيظل محمد عبده في صحائف التاريخ عَلَماً من أعلام البيان الأدبي، والبلاغة العربية، وهو معدود في طليعة المصلحين، ومن أنصار ودعاة النثر المرسل، وباعث النهضة الأدبية.

ذو صلة