تُعد المتاحف من أبرز المؤسسات المعنية بحفظ التراث وعرضه، إلا أن حفظ الذاكرة الثقافية لا يقتصر على المؤسسات الرسمية فقط، بل يمتد إلى مبادرات فردية أسهمت في توثيق تفاصيل الحياة العُمانية وحفظ المقتنيات التراثية للأجيال القادمة.
ومن هنا برزت المتاحف الخاصة بوصفها فضاءات ثقافية انطلقت من شغف شخصي تجاه التراث، ثم تحولت تدريجياً إلى مؤسسات تؤدي أدواراً فكرية وثقافية ووطنية.
ومع تنامي حضور المتاحف الخاصة في سلطنة عُمان، وتزايد إسهاماتها في حفظ الموروث الثقافي والتعريف به؛ برزت أهمية تسليط الضوء على تجاربها ودورها في إثراء المشهد الثقافي الوطني، بوصفها مبادرات أسهمت في توثيق جوانب متعددة من الحياة العُمانية وتعزيز ارتباط المجتمع بتراثه وهويته الثقافية.
ومن هنا يطرح المقال تساؤلاً رئيساً:
كيف تحولت المتاحف الخاصة من مبادرات فردية قائمة على الهواية إلى مؤسسات تسهم في تعزيز الهوية الثقافية والوطنية في سلطنة عُمان؟
التحول من الخاص إلى العام
بدأت كثير من المتاحف الخاصة في سلطنة عُمان بمبادرات بسيطة داخل المنازل أو المجالس الخاصة، إلا أنها تحولت تدريجياً إلى فضاءات ثقافية مفتوحة تستقبل الزوار والباحثين والوفود المدرسية والمهتمين بالتراث.
ومن خلال زيارة عدد من المتاحف الخاصة، يمكن ملاحظة اهتمام أصحابها بتطوير أساليب العرض والتوثيق، إلى جانب إعادة تقديم البيئة العُمانية التقليدية بطريقة تعكس تفاصيل الحياة اليومية في الماضي. ولم تعد وظيفة المتحف تقتصر على عرض المقتنيات، بل أصبح يقدم تجربة ثقافية وتعليمية تسهم في تعزيز ارتباط المجتمع بتراثه الوطني.
كما نجحت بعض المتاحف الخاصة في توظيف المناسبات الوطنية والثقافية لتقديم فعاليات وبرامج تستهدف مختلف فئات المجتمع، الأمر الذي ساعد على تعزيز حضورها الثقافي وتحويلها من مجموعات شخصية إلى مؤسسات مجتمعية ذات أثر ثقافي وتعليمي.
التحديات والأثر الثقافي والوطني
رغم الدور المهم الذي تؤديه المتاحف الخاصة، إلا أنها تواجه عدداً من التحديات، من أبرزها: محدودية الدعم المالي، والحاجة إلى التدريب المتخصص في مجالات التوثيق والحفظ وطرق العرض المتحفي، إضافة إلى تحديات استدامة هذه المبادرات الثقافية.
وفي المقابل، تؤدي المتاحف الخاصة دوراً ثقافياً ووطنياً مهماً يتمثل في حفظ الهوية العُمانية وتعزيز الوعي بتاريخ المجتمع المحلي. كما تسهم في ربط الأجيال الجديدة بتراثها من خلال البرامج التعليمية والزيارات الميدانية، فضلاً عن دورها في إبراز التنوع الثقافي بين محافظات سلطنة عُمان.
وتبرز أهمية هذه المتاحف أيضاً في كونها تحفظ تفاصيل الحياة اليومية التي قد لا تحضر دائماً داخل المتاحف الرسمية، الأمر الذي يجعلها جزءاً مهماً من الذاكرة الثقافية للمجتمع العُماني.
بيت البرج التراثي
يُعد (بيت البرج التراثي) بولاية الحمراء في محافظة الداخلية نموذجاً لتحول الموروث العائلي الخاص إلى فضاء ثقافي يخدم المجتمع المحلي والزوار، حيث جرى ترميم البيت وإعادة تأهيله وفق الاشتراطات الإنشائية والفنية المعتمدة للمباني المتحفية، مع الالتزام بمعايير الأمن والسلامة المعمول بها لدى وزارة التراث والسياحة.
افتُتح بيت البرج التراثي في أكتوبر 2025، وهو في الأصل منزل سكني مكوّن من سبع غرف تم دمجها معاً لتتحول إلى قاعة واسعة مخصصة لعرض التحف والمقتنيات التراثية. ويضم البيت ما يقارب ثلاثة آلاف قطعة أثرية وتراثية متنوعة، من بينها إناء زجاجي يُقدّر عمره بأكثر من أربعمئة عام، وبندقية يعود تاريخها إلى ما يقارب مئتي سنة، إضافة إلى نسخة مخطوطة بخط اليد أُهديت لأحد الأشخاص في عهد الإمام سلطان بن سيف اليعربي، أي قبل نحو أربعة قرون.
ويركز بيت البرج التراثي على حفظ الموروث المادي العُماني بمختلف أشكاله، من المصنوعات الفضية والنحاسية والخشبية والسعفية، إلى الأدوات التقليدية المستخدمة قديماً في الزراعة والبناء والرعي والنسيج. كما يسعى إلى تعريف النشء والأجيال الجديدة بحضارة الآباء والأجداد من خلال الزيارات الطلابية والأنشطة الثقافية والتعليمية، إلى جانب دوره في تعريف السائح الأجنبي بالتراث العُماني وما يحمله من عمق حضاري وتاريخي عبر العصور.
ويسعى (بيت البرج التراثي) إلى تقديم رسالة توعوية وثقافية من خلال استقبال الزوار وتنظيم الأنشطة والفعاليات، إلى جانب توثيق الأعمال والمناشط بصورة دورية، بما يعكس توجهاً نحو العمل المؤسسي المنظم في إدارة المبادرات التراثية الخاصة.
وعلى الرغم من أهمية هذا النوع من المبادرات الثقافية، إلا أنه يواجه عدداً من التحديات، من أبرزها: ارتفاع الكلفة الرأسمالية المتعلقة بإعادة التأهيل والصيانة، إلى جانب الكلفة التشغيلية المستمرة. كما يواجه ضعف إقبال بعض فئات الشباب على التثقيف المرتبط بالحرف والصناعات التقليدية، فضلاً عن اندثار بعض القطع التراثية القديمة وصعوبة الحصول عليها، إضافة إلى محدودية الدعم والرعاية من المجتمع والجهات ذات العلاقة.
وعي مجتمعي
الجدير بالذكر أن عدد المتاحف الخاصة والبيوت التراثية في سلطنة عُمان، تحت إشراف وزارة التراث والسياحة، يُقدّر بما يقارب 16 متحفاً وبيتاً تراثياً، وهو ما يعكس تنامي الوعي المجتمعي بأهمية حفظ التراث وصون الذاكرة الثقافية العُمانية، من خلال مبادرات فردية تسهم في توثيق الموروث الحضاري وتعريف الأجيال القادمة به. وأصبحت المتاحف الخاصة في سلطنة عُمان مؤسسات ثقافية تؤدي دوراً فكرياً وثقافياً ووطنياً في حفظ الذاكرة العُمانية وتعزيز الهوية الوطنية.
كما تكشف هذه المتاحف عن أهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه الأفراد والهواة في حماية التراث وصون تفاصيل الحياة اليومية للمجتمع، إلى جانب دورها في نشر الوعي الثقافي وربط الأجيال الجديدة بتاريخها وهويتها.
ومن هنا تبرز أهمية دعم أصحاب المتاحف الخاصة من خلال التدريب والتوثيق والتعاون مع المؤسسات الثقافية والتعليمية والسياحية، بما يسهم في تعزيز استدامة هذه المبادرات وتحويلها إلى شريك فاعل في حفظ التراث العُماني.