شهد قطاع المتاحف ومفهوم المتحف والعرض المتحفي تطوراً كبيراً، على المستوى العالمي، وكذلك على المستويات المحلية في كل بلد على حدة، واشتد التنافس بين المتاحف العالمية لإثبات الأهمية والندرة والتفرد في معروضاتها، وظهرت المتاحف المتخصصة في العديد من المجالات، حيث لم تقتصر مقتنياتها على منتجات الإنسان وآثاره، فتجاوز العمر الزمني للمعروضات العمر الافتراضي لتواجد الإنسان على الأرض، فظهرت المتاحف الخاصة بالجيولوجيا والأحافير والنيازك والعناصر الطبيعية النادرة انتهاءً بمتاحف الفن الحديث، وربما كان هذا التطور والتنوع الكبير في المتاحف بما يحققه من حالة الدهشة والإعجاب سبباً وحافزاً لدى بعض الجهات أو الأفراد لإنشاء متاحفهم الخاصة للتعريف بمقتنياتهم ونفائسهم لتغذية شعور الفخر بممتلكاتهم من خلال ما يحققه هذا العرض للعموم.
لكننا من خلال البحث في تاريخ المتاحف وحيث نجد أن المتاحف الأولى التي ظهرت في العالم قد اتصفت بسمة عامة وهي الطابع الرسمي أو الحكومي، أي أنها تابعة للدولة، إلا أن نواة هذه المتاحف كانت مقتنيات خاصة ومجموعات من التحف والنفائس تعود لشخصية بارزة إما سياسية أو دينية أو غيرها، ثم قامت الدولة بعد ذلك بوضعها في مكان مناسب لعرضها وتعريف الناس بها كونها تعكس ثقافة وحضارة البلد وتفوقه في مجالات متعددة أي أن أساس نشوء المتاحف كان بأفكار وغايات شخصية ومرتبطاً بحب الجمع والاقتناء لدى أصحاب تلك الأفكار.
وإذا كانت المتاحف الخاصة تعزز تحقيق الأهداف التي حثت اليونسكو عليها من خلال المتاحف العامة وبالتالي فإن دورها لا يقل شأناً عن دور المتاحف العامة، على أن تكون هناك ضوابط محددة وواضحة وبالتنسيق مع السلطات الثقافية والسلطات الأخرى ذات الصلة بنوعية معروضات المتحف، وقد أقر المجلس الدولي للمتاحف (ICOM) هذه الضوابط من خلال إصدار ميثاق أخلاقيات المتاحف عام 1986م في بيونس آيريس، وأهم هذه الضوابط توفر وثائق ملكية قانونية للمقتنيات لدى المتحف ومنع الاتجار بها، وتقديم الشروحات واللوحات التعريفية الدقيقة، وتحديد الرسالة الثقافية والعلمية التي يسعى المتحف لنشرها وإتاحة وصول الجمهور للمتحف ومشاركته المعرفة.
المتحف
العناصر الأساسية لأي متحف: مكان، مقتنيات، زائر، معلومة.
إن القيمة العلمية هي أهم ما تقدمه المتاحف من خلال معروضاتها، مع تأكيدنا على أن دور المتحف هو: التعليم، والتوعية والتثقيف، والترفيه، وتعزيز الانتماء الوطني والقومي، والتمسك بالعادات والتقاليد التي تمثل وتعبر عن القيم الأصلية.
وبالتالي فلا يمكن أن يكون لدينا متحف بدون زوار ومعلومات يقدمها المتحف، وحيث كانت المتاحف الأولى أماكن أثرية وتاريخية، إلا أن تطور مفهوم المتحف وتطور تقنيات العرض وزيادة عدد الزوار تطلب إيجاد متاحف مبانيها حديثة ومخدومة بأحدث التقنيات، (أي لم يعد من الضروري أن يكون بناء المتحف ذا قيمة تاريخية)، ثم تم تحويل المباني التاريخية بحد ذاتها لمتاحف تعرض تفاصيل المبنى من عمارة ورسومات وتزيينات وأثاث (أي تم الاستغناء عن ضرورة جلب معروضات للمكان).
هذا المنظور فسح المجال واسعاً للتنوع الكبير في المتاحف وإمكانية ظهور متاحف ملكيتها كبناء أولاً ومقتنيات ثانياً ليست للدولة.
متاحف خاصة في مبانٍ ملكيتها لأشخاص
1 - محترفات أو ورشات تنتج صناعات يدوية انقطع الإنتاج فيها أو استمر باستخدام أدوات أحدث، كالمصابن، والمصابغ، والمعاصر، وغيرها الكثير بحيث تتحول أدوات الإنتاج القديمة لتحف تعرض في موقعها وضمن المبنى الأصلي مما يضيف للمكان قيمة الأصالة، ويترافق ذلك مع عرض مراحل إنتاج المواد، انتهاءً بمعرض للمنتجات.
2 - التجهيزات التقنية التي لم تعد تستخدم حالياً بسبب التطور العلمي والتقني، كالنواعير، والمطاحن المائية وغيرها والتي يمكن أيضاً الاستفادة من عرض تجهيزاتها في الموقع كمقتنيات متحفية.
3 - القصور أو البيوت الخاصة بشخصية بارزة كان لها تأثير اجتماعي أو ثقافي وغيره، حيث يقوم أبناء هذه الشخصية أو أحفادها بتحويل بيته لمتحف يتم فيه عرض مقتنياته الشخصية وما يرتبط بمسيرته من إنتاجات أو تكريمات وكذلك الصور التوثيقية وغيرها.
4 - مختبرات المؤسسات العلمية كالجامعات ومراكز الأبحاث التي من الممكن أن تعرض من خلال معايير محددة بعض المقتنيات المرتبطة بها كمؤسسات علمية وبحثية.
الحماية والإدارة التشاركية للتراث بين المجتمع والحكومات
أثبتت التجارب والخبرات وحتى المواثيق الدولية أن أفضل إدارة للتراث هو الإدارة المستندة إلى التشاركية بين المؤسسات والحكومات، وهذه التشاركية تظهر بصورة مثالية من خلال المتاحف الخاصة، فوضع القطع التراثية أو الأثرية في المتحف كفيل بحمايتها، حيث توثق ضمن سجلات وأرقام متحفية تعتمدها السلطات الثقافية، ومن الممكن تقديم سجلات توثيق رقمية لهذه المقتنيات تحفظ نسخة منها لدى السلطات الثقافية لكي تقدم المساعدة اللازمة عند فقدان أو سرقة أي من هذه المقتنيات.
وبالتالي فإن افتتاح متحف خاص يسهم في دعم السياسة الثقافية للبلد ويحمي جزءاً من تراثه، ويخفف عن السلطات الثقافية جزءاً من تلك الأعباء.
دور المؤسسات الحكومية تجاه المتاحف الخاصة
من مبدأ الإدارة التشاركية واعترافاً بالدور المهم للقطاع الخاص، ومع أهمية الإجراءات الإدارية التي تحتاجها المتاحف الخاصة لإحداثها والاعتراف بها رسمياً، فمن اللازم أن تقوم السلطات الثقافية بتقديم ما أمكن من تسهيلات، كتبسيط الإجراءات الإدارية، وتقديم المعلومات الكافية عن المقتنيات واعتمادها من خلال لجان علمية متخصصة، وبخاصة المعلومات المتعلقة بقيم المعروضات كالقيمة العلمية وقيمة الندرة، والرواية التاريخية المرتبطة بهذه المعروضات.
التحديات والصعوبات التي تواجه المتاحف الخاصة
لا توحي بساطة هذه التركيبة: (مكان، مقتنيات، زائر، معلومة) بحجم الجهد والتعب والكادر الاختصاصي المطلوب لتحقيقها، فالمكان أساساً يتطلب لتجهيز وتأثيث ومع المستقبل يتطلب ترميماً، وكذلك فإن المقتنيات بحاجة توثيق وترقيم وسجلات وغيرها، كما تتطلب المقتنيات لأعمال الصيانة الدورية، وقد لا تتوفر هذه الخبرات لدى أصحاب المتاحف الخاصة.
فقد لا تتوفر في عدد كبير من المتاحف الخاصة وحتى المتاحف العامة أحياناً كل الخبرات والكوادر اللازمة للعملية المتحققة من الألف إلى الياء وبما يضمن استخداماتها وتجددها الدائم وتطويرها.
والحل هو في التشاركية والتعاون بين القطاع العام والخاص لتأدية الرسالة الثقافية وحفظ الهوية الحضارية وتبادل الخبرات في هذا المجال وتطوير الكوادر ودعمها، والعمل على تنشئة أجيال شابة تؤمن بتراثها وتفخر به وتحافظ عليه.