مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

ابن الفوطي.. مؤرخ الشعب والآفاق

ابن الفُوَطي (642 - 723هـ/ 1244 - 1323م) هو عبدالرزاق بن أحمد بن محمد الصابوني المعروف بابن الفوطي، المروزي الأصل، الشيباني البغدادي أبو الفضل، كمال الدين، أما لقبه الذي التصق به (ابن الفوطي) فقد جاءه من قِبَل جده لأمه وهو منسوب إلى الفُوط جمع فوطة وهي نوع من الثياب، وإن هذا الجد كان يعمل في صنع الثياب وبيعها.
كانت حياته أشبه بالقصص الغابرة التي تحتاج لمن يزيل عنها الغبار ويبرزها، وُلِدَ ببغداد، كان صبيّاً لا يتجاوز الرابعة عشرة عندما أُسِرَ فيها من المغول على يد هولاكو، فخلصه من ذلك الأسر نصير الدين الطوسي، الذي توسم فيه الاختلاف ورأى بوادر الذكاء والنبوغ، وعليه، حاز ابن الفوطي مكانة بارزة عند الطوسي بين تلاميذه، وهذا ما أهله أن يكون رئيساً لخزانة الكتب في المراغة زهاء عشرة أعوام، ثم عاد إلى بغداد سنة 679هـ وصار خازناً للمكتبة المستنصرية وتعد أكبر مكتبة في المشرق آنذاك، ويعده المؤرخون فقيهاً وفيلسوفاً وأديباً ومؤرخاً ورياضياً وكاتباً وشاعراً.
نهل من علم الطوسي ثلاث عشرة سنة في مدينة مراغة، وأخذ ابن الفوطي عنه العلوم الرياضية والنظريات الفلسفية حتى أتقن اللغة الفارسية وعليه، كتب الشعر، حرص الطوسي في ذلك الوقت على جمع الكتب وحفظها في مكان آمن بمراغة، لأن مراغة كانت حينها عاصمة المشرق ومقراً تتبعها خراسان وإيران والعراق والأناضول، فأسند مهمة الإشراف على مركز رصد الكتب لابن الفوطي، ومن هنا، انكب على هذه الكتب وطالع العديد منها فتفتح ذهنه وصقلت مواهبه وتشكلت شخصيته العلمية، حتى ذكره الصفدي في كتابه (الوافي بالوفيات) بأنه: (له يَد بَيْضَاء فِي ترصيع التراجم، وذهن سيال، وقلم سريع، وَخط بديع، إلى الْغَايَة، قيل إِنَّه يكْتب من ذَلِك الْخط الْفَائِق الرَّائِق أَربع كراريس وَيكْتب وَهُوَ نَائِم على ظَهره)، بالإضافة إلى تبصره بالمنطق وفنون الْحِكْمَة، ومباشرته لكتب خزانة الرصد أزيد من عشرة أعوام بمراغة.
استناداً على ذلك، ألَّفَ ابن الفوطي كتاباً سمَّاه (تذكرة الرصد) تناول فيه كيفية إنشاء دار الرصد واحتضانها للعلماء والباحثين بها آنذاك، وما حوته الدار من نفائس الكتب وتراجم المؤلفين وزياراتهم للمكتبة وتسجيل بعض آثارهم، إذ إنه سجل الحياة السياسية والعلمية والاجتماعية آنذاك، لذا أُطلِقَ عليه (مؤرخ النهضة العلمية في مراغة).
رغم ما حققه من براعة وغَلَبة في دار الرصد بمراغة إلا أن الحنين إلى الوطن ظل بداخله، وعندما سنحت له الفرصة عاد إلى بغداد في (678هـ/ 1279م)، إذ كان الحاكم حينها هو الصاحب علاء الدين الجويني صديق ابن الفوطي في مراغة، فاستدعاه إلى بغداد، وعهد إليه نفس العمل الذي كان عليه وهو الإشراف على المكتبة المستنصرية، والتي كانت ملتقى العلم والعلماء آنذاك، فأخذ يتعمق وينهل في دراسة الفقه والحديث، ويُقال إنه سمعه عن ابن الجوزي، ولُقِبَ بالحافظ، وبقي في المستنصرية نحو خمس وعشرين سنة، ولكن لم تسلم بغداد من الصراعات السياسية والاضطرابات وعنف المغول، مما جعله يترك عمله ببغداد وينتقل لتبريز 704هـ، وظل بها ست سنوات.
فقد أرَّخَ ابن الفوطي أعنف فترة من فترات المغول، كما أنه كان شاهداً على وفاة أستاذه الطوسي ومَن عاصروه من علماء أجلاء ومَن تخرج على يده، فكل ذلك دفعه إلى الانتقال لتبريز عند زميله رشيد الدين الهمذاني، ولكن لم يبقَ على حاله كثيراً ولم يستقر في تبريز بعد مقتل صديقه الهمذاني سنة 718هـ، وتم حرق كتبه وكتب ابن الفوطي أيضاً، والتي كانت نحو خمسين ألف مجلد، فعاد إلى بغداد، واستقر بها إلى أن توفي فيها 723هـ.
مؤلفاته
كان مهتماً بالتأريخ فأكب على التصنيف وألَّفَ كتاباً ضخماً سَمَّاهُ (مجمع الْآدَاب فِي مُعْجم الْأَسْمَاء على مُعْجم الألقاب) يقع في خمسين مجلداً، لم يصل إلينا منه سوى جزأين وهما الرابع والخامس، وقد وجد الجزء الأول منه في دار الكتب الظاهرية بدمشق، وهو النسخة الأصلية مسوّدة بخط يده، ووجد الثاني في مكتبة جامعة لاهور في باكستان، إذ اهتم ابن الفوطي في هذا الكتاب على تأريخه للعصر عن طريق تأريخ رجاله وتدوين ما عاصره، فقد ظل يعمل في الكتاب ويجدد فيه حتى قبيل وفاته، إذ نجد فيه دراسات وحوادث عن سنة (721هـ) وسنة (722هـ) أي قبل وفاته بسنة واحدة.
وألف كتاب (دُرَر الأصدف في غرر الْأَوْصَاف مُرَتّب على وضع الْوُجُود من المبدأ إِلَى الْمعَاد) في عشْرين مجلداً، وَكتاب (تلقيح الأفهام فِي الْمُخْتَلف والمؤتلف) يتناول تاريخ الحوادث من آدم إلى خراب بغداد، وكتاب (الدرر الناصعة فِي شعراء الْمائة السَّابِعَة).
سيرته العلمية وأثره
إن الذي رفع مقام ومكانة ابن الفوطي هو زيادته على كتابة من كتب قبله من المؤرخين، وذلك لأنه كان معاصراً لحوادث عصره المختلفة والمتسارعة آنذاك، فليس من الغريب أن نجد العديد من المؤرخين أن ينقلوا عنه ويكون هو مرجعهم في العديد من الحوادث في كتب التاريخ والتراجم الجليلة، مثل كتب شمس الدين الذهبي، وكتب الصفدي، وتاريخ ابن رافع السلامي، والجزري وابن كثير وغيرهم من المؤرخين.
لذلك، ذكره العديد منهم بأفضل وأرفع الصفات لما تركه لنا من تراث وأحداث في ذلك الوقت، يذكره الذهبي بقوله في (تذكرة الحفاظ): (ابن الفوطي العالم البارع، المتقن المحدّث، الحافظ المفيد، مؤرّخ الآفاق، معجز أهل العراق، كمال الدين أبو الفضائل عبدالرزّاق بن أحمد)، وقال مؤلّف كتاب (غاية الاختصار) للإمام أبي العلاء الهمذاني في خبر رواه: حدّثني الفاضل المؤرخ العلامة أبو الفضل عبدالرزّاق بن أحمد الشيباني يعني ابن الفوطي، فنجده يصفه ب‍الفاضل العلامة.
تعددت أقوال المؤرخين في مدحه، وبخاصة الذهبي ذكره في عدة مواضع ووصفه له بـ(المعجم المختص) و(المحدث البارع العالم المتفنن مؤرخ الدنيا، فاق علماء الآفاق في علم التاريخ وأيام الناس)، فهو المؤرخ الذي نقل كثيرون من تآليفه في التاريخ والأنساب.
فضلاً عن تأليفه في علوم الحديث والأدب والشعر، فنجده عالج نظم الشعر، فيما يسمى اليوم بالمناسبات، وشعره وسط أو دون الوسط، ومن بعض أشعاره في مدح عماد الدين خضر بن إبراهيم التبريزي:
أرى أهل دار الملك تبريز كلّهم
يميلون نحو الكفر في كلّ موطن
وما فيهم غير الرئيس المعظّم ال‍ـ
عميد عماد الدين بمؤمن
كمؤمن حميم الذي جاء ذكره
ويقرأ في نص الكتاب المبين
وعندما نتأمل ما تركه لنا ابن الفوطي نجده تفرد في كتابة التاريخ ولم يهتم فقط بتدوين وسرد أحداث الملوك، متجاوزاً لبقية طبقات الشعب ومجاراته لمن سبقوه من مؤرخين في سرد حوادث الملوك والتقرب إليهم، لذا كان من المنصف وما يستحقه هو أن يلقب بمؤرخ الشعب ومؤرخ الآفاق معاً.

ذو صلة