لا مراء أن البشرية تدخل في عصر جديد من عصور الكائن يتبدل معه نمط الوجود وأساليب العيش بقدر ما يتغير نظام العالم ومنطق الأشياء. فالتحولات الهائلة والمتسارعة تقابلها أزمات مفاجئة ومتلاحقة. وتلك هي المفارقة: فما يحدث ويتشكل هو إمكان وفرصة بقدر ما هو تحد ومشكلة. فما هي وجوه التحول وأشكاله؟ وما أعراض الأزمة ومظاهرها؟ هكذا يتساءل المفكر علي حرب.
الواقع الافتراضي
إن الوجه الأول والأبرز للتحول هو (التغير في معطيات الخلق وأدواته وأساليبه، كما يتجسد ذلك في الإنتاج الإلكتروني من العلامات الضوئية والرسائل السيالة والصور العابرة والنصوص الفائقة وسواها من المعلومات السيارة والمخلوقات الأثيرية شبه المادية، المتناهية في صغرها والجوالة السابحة في الفضاء الكوني. إنه الواقع الافتراضي الذي تتيحه الثورة الرقمية والذي بات يتحكم بسير العالم بقدر ما أصبح نظام الأنظمة في العمل والإنتاج). هذا الواقع الافتراضي أصبح يفرض تحدياً يتطلب معه اليقظة وإلا كنا سنجد أنفسنا فريسته.
الفضاء السيبراني
التغير في الزمان هو في وجهه الآخر تغير في المكان. ذلك أن التفاعل الرقمي بالزمن الفوري جعل الكائنات الافتراضية تجتاح المكان الذي تنفجر روابطه ويتقلص دوره، بقدر ما تطوى مسافاته وتتآكل حدوده. الأمر الذي جعل البعض يقول إن ثورة الاتصالات تحوّل المكان إلى مجرد نقطة بقدر ما تتيح للمرء أن يتصل بمن شاء في أي مكان أو وقت يشاء لكي يتبادل معه ما شاء من المعلومات، بهذا المعنى يتحول المكان من موطم مسيج إلى فضاء سيبراني مفتوح لتدفق المعلومات بصورة متواصلة ومتنامية.
هذا الذي ذكره علي حرب، جعل العالم بين أيدينا ولم يعد قرية صغيرة، بقدر ما أصبح شاشة صغيرة، وهو تحول له من الإيجابيات والسلبيات، يحتم علينا التسلح بثقافة تكنولوجية لمواجهة السلبيات والتغلب عليها وإلا أصبحنا نحن مجرد أرقام.
الهوية المتعددة
إن التغير في المكان يتجلى تغييراً في الهوية بالذات. (ذلك أن التبادل الرقمي العابر للقارات والخارق لحدود الدول والمجتمعات يخربط علاقة المرء بهويته، بقدر ما يخلق المجال لنشوء روابط أو مجموعات سبرانية أو افتراضية إلى جانب العلاقات التقليدية القائمة على روابط اللغة والعرق أو الدين والأرض. الأمر الذي يؤدي إلى نشوء هويات متعددة الانتماء هي الوجه الآخر للشركات المتعددة الجنسية أو للأعمال القائمة على تعدد المهام والأدوار). لا شك أن هذا هو مربط الفرس، إذ الهوية في ظل التحول الرقمي أكبر تحدّ يمكن أن نواجهه، بل تطلب تظافر الجهود وإلا تصبح الهوية في مرمى هويات أخرى يملك أصحابها بوصلة التوجيه الرقمي والتقني والإعلامي.
هذا الحدث في التحول الرقمي وتقلباته وانفجاراته، يولد عوائق ومخاطر، يذكر علي حرب منها:
عدم الاستقرار
إن تدفق المعلومات من جراء البث الفوري والعمل الافتراضي، في الزمن الآني، يجعل كل شيء راهناً أو مؤقتاً بانتظار المفاجئ أو الطارئ من الرسائل والمعطيات المتغيرة باستمرار، بحيث إن ما يحدث أو يقال اليوم يمكن أن يتغير أو يدحض غداً. إنها الحركة الدائمة التي تجعل من المتعذر السيطرة على قوانين التغير أو التحكم بنظام الأشياء. الأمر الذي يولد حالة من عدم الاستقرار بقدر ما يفقد المقاربات والمعالجات مصداقيتها وفاعليتها، أو بقدر ما يجعل الوسائل والأهداف تستهلك قبل استخدامها أو قبل تنفيذها، أو بقدر ما يجعل المعالجات والحلول للمشكلات تولد مشكلات أخطر أو أكثر تعقيداً. وذلك هو معنى الأزمة.
الرعب التقني
إن ثورة التقنيات والمعلومات والاتصالات تطلق إمكانات هائلة على الفعل، كما نجد مثالاً بارزاً على ذلك في فك رموز الحياة وقراءة الكتاب الوراثي للكائن البشري. ولكن تزايد القدرة على الفعل يقابله تناقص القدرة على التنبؤ والتوقع. من هنا (الخشية أن تؤدي الانفجارات التقنية والمعلوماتية إلى حلول الآلات الذكية والكائنات الرقمية مكان العقول البشرية والكائنات الحية. بل هناك فزع يعتري الناس اليوم من أن تنوب الآلات مناب الإنسان أو أن تخرج عن سيطرته وتتحكم به أو أن تكون سبباً في هلاكه وزواله).
هذا الرعب التقني رعب حقيقي جعل الإنسان سجين الآلة إذ بعدما كان يتحكم فيها، تغير الدور اليوم ولا ندري ما سيحصل فيما سيأتي في ظل تطور منقطع النظير للتكنولوجيا، يقول علي حرب معلقاً عليه: (وكل ذلك يولد لدى الفرد المعاصر قلقاً وجودياً ويترجم وعياً حاداً بالأزمة، بحيث إن المرء يكاد يشعر بفقدان البوصلة المعرفية أو الوقوع في الدوامة العملية، وكأنه يعيش على الحافة بانتظار التقلبات والمفاجآت أو الكوارث والانهيارات، المالية والاقتصادية، أو البيئية والغذائية، أو التقنية والمعلوماتية، فضلاً عن الكوارث الاجتماعية والبشرية) إذاً، نحن إزاء عالم يتحول في خريطته وبنيته أو في نظامه وإيقاعه أو في قواه وفاعليته، وبصورة تبدو معها الأزمات كأنها الظاهرة وليس الاستثناء.
ولذا (فإن إنتاج خطاب حول الأزمة لا يعني اللعن ولا التهويل بوقوع الكارثة، كما لا يعني التسبيح أو الاستسلام للواقع على سبيل التهوين. وإنما يعني تحويل المآزق المتولدة عن الانفجارات التقنية والتقلبات الحضارية إلى مواضيع للفحص العقلاني وللدرس المعرفي). إن سلوك سبيل التهويل أو الاستسلام سلوك يؤدي بصاحبه لأن يكون فريسة مجانية لمن يملك التقنية.
انطلاقاً مما سبق بيانه، يتضح جلياً أن العصر الرقمي سلاح ذو حدين، مما يتطلب الحيطة والحذر، وفي نفس الوقت الانخراط الفوري وبكل ما هو متاح في طريق العصر الرقمي، للإفادة والاستفادة، بل الاستهلاك والهلاك، إذ إن الدول الكبرى لا تنتظر أحداً ولا يهمها إلا السيطرة وأن تكون هي النموذج الذي يحتذى به تقنياً وثقافة وفكراً.
خلاصة القول، إن عصرنا الرقمي في حاضره جاء بمفاجآت لم نكن نحلم أن نراها واقعاً، ولا ندري ما هو آت مستقبلاً، وربما يصح أن نقول إن الإنسان الذي يطور الآلات بتقنيات عالية الدقة سيجد نفسه بلا شك عرضة لمواجهتها، فسيجد نفسه مجرد رقم لا يحمل هوية ولا انتماء، أي يتحول الإنسان إلى شيء من الأشياء، وهذا ما يدفع بالكثير إلى التنبيه والتركيز والدعوة إلى ضرورة حضور الوازع الأخلاقي في تطوير التكنولوجيا.