مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

جوهر الشعر.. متى يُعترف بك شاعراً؟!

في أحد محاضر محاكمة الشاعر الروسي جوزيف برودسكي الذي حصل على جائزة نوبل 1987م، تسأله القاضية:
ومن اعترف بأنك شاعر؟ من الذي صنفك كشاعر؟
يُجيب برودسكي: لا أحد، ومن قرر أنني أنتمي إلى الجنس البشري؟!
لماذا نطرح مثل هذا السؤال، فالشعراء كثيرٌ جداً. يقول ابن رشيق:
والشعراء أكثر من أن يُحاط بهم عدداً، ومنهم مشاهير قد طارت أسماؤهم، وسار شعرهم، وكثر ذكرهم، حتى غلبوا على سائر من كان في زمانهم. ولكل أحدٍ منهم طائفة تُفضّلهُ، وتتعصّب له. وقلّما يُجتمع على واحد، إلا امرؤ القيس!
هل صحيح أنّ الشعراء كثيرون، ولكنّ الشعر قليلٌ جداً؟
يقول أوسيب ماندلشتام: الشعر حربٌ دائمةٌ تخوضها أقلّيةٌ ما.
في الشعر صراعٌ خفيٌّ يحدث دائماً مع التاريخ، للكشف عن جوهر الشعر، هنا والآن!
في كتابه المهمّ (قوة الشعر) يذكر جايمس فنتن قصّة (جون كيتس) مع شعراء عصره، خصوصاً الشاعر الكبير ووردزورث والشاعر والناقد بايرون، وكانوا في أواخر أيامهم، وقد تقدّم بهم العمر، وقد رؤوا أنّ شعر جون كيتس يمثّل تهديداً لهم، ويؤكد جايمس فنتن أنّ ووردزورث لم يطمئن له بال حتى سمع بنبأ وفاة كيتس، وأنّ بايرون عانى ما يشبه المرض حتى وفاة كيتس أيضاً، يقول فنتن: عندئذ في وسع المرء أن يفترض الشيء الذي جعل كيتس يُعدّ تهديداً: إنما هو تطلّعه نحو العظمة، لا العظمة نفسها.
علينا أن نتذكر أن جون كيتس (1795 - 1821 م) رحل عن 25 عاماً، وتعرض شعره لهجمات شرسة في حياته، لكنّ تأثيره بعد وفاته كان هائلاً عبر شعره ورسائله.
هل الشعر هو الشكل والمعنى؟! أم أنّ هناك جوهراً للشعر قلّ أنْ يُمسّ!
يذكر المرزباني في كتابه (الموشّح: مآخذ العلماء على الشعراء): ليس كلّ من عقد وزناً بقافية فقد قال شعراً. الشعر أبعد من ذلك مراماً، وأعزّ مقاماً.
هل على الشاعر أن يُحدث ضجّةً ما، أن يعرقل حركة سير التاريخ بمحاولة ما؟
أبو تمام جاء بعد أبي نواس ومسلم بن الوليد، إلا أنه كان حدثاً مدوّياً في الشعرية العربية، جعل الحركة النقدية تأخذ منحى آخر في القرن الرابع الهجري. كان أبو تمام يريد أن يُحدث فرقاً، بل تعمّد ذلك. يقول عنه الفيلسوف الكندي: (هذا الرجل يتّكئ على نفسه كثيراً)، وقال عنه الآمدي: (كان أبو تمام شغوفاً بالشعر). وإن كان وليم فوكنر يقول:
الفنان بلا أهمية، وما يبدعه فقط هو المهم، بما أنه ليس ثمّة جديد يُقال.
فيبدو أنّ علاقة أبي تمام بالشعر كانت علاقة وجودية، عاش الشعر بكل ذرة منه مقيماً وراحلاً، كاتباً وقارئاً، شاعراً ومصنّفناً فكان أبا تمام.
فيدريتش هولدرلين جاء بعد غوته وشيللر، بل تأثّر بهما، لكنّه يكاد يكون من القلائل الذين مسّوا جوهر الشعر، ولم يتمّ اكتشافه إلا متأخراً جداً عبر الفيلسوف الكبير مارتن هايدجر. عاش هولدرين سنوات من الجنون قبل رحيله، وحتى وهو في هذه الحال كتب نصوصاً سُمّيت فيما بعد (قصائد الجنون). كان هولدرلين يؤمن بالشعر إيماناً مدهشاً، هو الذي يقول: الشعر هو الاشتغال الأكثر براءة من بين الاشتغالات كلها. ويقول أيضاً: ما يبقى يؤسسه الشعراء!
آرثر رامبو أحد الشعراء الذين تجلّى الشعر فيهم، عبر إشراقات رامبو التي كتبها ولم يتجاوز العشرين من عمره. كتب رامبو الشعر بين السابعة عشرة والحادية والعشرين من عمره فقط، وخلّف لنا كلّ هذا المجد الشعريّ الذي غير وجه الشعر الحديث ليس في فرنسا، بل في العالم الغربي كلّه. في رسائله يُفصح عن روح شيطانية تريد أن تتلبّس بالشعر، يقول:
والدرس الأول للإنسان الذي يريد أن يكون شاعراً هو معرفته الذاتية، الكلية، يبحث عن روحه يتقصّاها، يمتحنها، يعلّمها. ويقول في موضع آخر: (أقول إنه لا بدّ أن أكون رائياً، أن أجعل من نفسي رائياً. والشاعر يجعل من نفسه رائياً من خلال تشويش لكلّ الحواس، طويل، وهائل، ومنهجيّ. كلّ أشكال الحبّ، والمعاناة، والجنون، أن يبحث بنفسه، ويستنفذ في ذاته كلّ السموم، حتى لا يبقى منه سوى الجوهر).
تبدو هذه الحدّة مخيفة، وفيها الكثير من الوهم، يقول تودوروف:
(وأن يعيش المرء شاعراً، أفلا يعني أن يعيش في الوهم).
أمّا ما يمكن أن يكون خلاصة لتساؤل هذه المقالة، فلن نجد أوضح ولا أعمق من عبارة الشاعر الروسي فلاديمير مايكوفسكي، يقول:
(يُسمّى المرء شاعراً لأنه بالضبط يصنع قواعد شعرية جديدة).

ذو صلة