مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

المرأة الحالمة في أدب مارغريت أتوود

لطالما اهتم الأدباء في مختلف أعمالهم الأدبية بالمرأة على مر العصور، وسلطوا الأضواء على دورها الأساسي في المجتمعات، وأرادوا بذلك إيصال صوتها، آملين تحسين حياتها وإعطاءها حقوقها كاملة.. كيف لا وهي تمثل نصف المجتمع، وهي التي أثبتت عبر التاريخ وجودها وقدرتها على النجاح في كافة الأصعدة؛ فكانت الشاعرة والمعلمة والطبيبة وغيرهن الكثيرات. وكمثال حي على ذلك سنتناول موضوع المرأة كما عبرت عنه الكاتبة الكندية الشهيرة مارغريت أتوود، تلك الكاتبة الشاملة التي تعد إحدى أبرز الكاتبات في الأدب الحديث، كما اشتهرت باهتمامها بالأدب النسوي ومعالجة قضايا المرأة ومن أبرزها: العنف ضد المرأة، والسلطة الأبوية، والتمييز بينها وبين الرجل.
ومما ساعدها على المضي قدماً في مجال الكتابة منذ الصغر نشأتها في عائلة مثقفة وحصولها على شهادة في الأدب الإنجليزي من جامعة تورنتو، وذلك جعلها أيضاً تتأثر بالعديد من المدارس الأدبية والفكرية.
وفي تعريفها للنسوية تقول: إنه لا يمكن تعريف النسوية بالفرضية التي تتحدث عن أن السيدات دائماً ما يكنَّ على صواب بغض النظر عن الظروف. وأضافت: إن النسوية تحولت إلى مصطلح شامل يستخدم في الإشارة إلى تعريفات لا تعد ولا تحصى.
تمتلك مارغريت الشاعرة والروائية والقاصة الكثير من الأعمال الأدبية المتنوعة التي حازت على اهتمام كبير حول العالم، ولذلك نجد أن بعض أعمالها تحولت إلى مسلسلات تلفزيونية مما أعطاها شهرة أوسع، ونالت العديد من الجوائز العالمية، وفي الحديث عن أبرز تلك الأعمال سنتحدث عن روايتها التي حملت عنوان (حكاية الجارية) والتي تعد إحدى تُحفِها الأدبية، وتضمنت الخيال العلمي النسوي، وقدمت رؤية لمستقبل المرأة، ويظهر ذلك عندما عكست الكاتبة شخصيتها بين السطور مظهرة جرأة وتحدياً ضد التهميش الذكوري للمرأة، كما نجحت في إظهار قوة المرأة وشجاعتها في المطالبة بالتحرر وأن يكون لها كيانها المستقل بذاته، كما لخصت الكاتبة روايتها بوضع عتبة مناصية في العنوان الرئيس للغلاف الأمامي (أنا أروي، إذن أنت موجود) عن طريق ترك السردة للخادمة كونها هي بطلة الأحداث.
وفي روايتها الشهيرة (العهود) تعود الكاتبة لتكمل سردها عن معاناة المرأة في مجتمعٍ قاس يعتبرها السبب لكل الشرور، والتي أتت كجزء ثان لرواية (حكاية الجارية)، وتتابع في إظهار حرمان المرأة من حقوقها، ولكن على الرغم من كل القيود المفروضة عليها إلا أن القارئ في نهاية الرواية يكتشف قوة المرأة في نجاتها بذكائها وحكمتها وقدرتها الفطرية على التكيف مع كل الظروف.
كما أبدعت الكاتبة مارغريت في الشعر ونذكر مقطعاً من قصيدتها بعنوان(اللحظة):
في تلك اللحظة، بعد سنوات عديدة
من العمل الشاق، من الرحلة الطويلة
أنت تقف في منتصف غرفتك
بيتك، نصف الفدان خاصتك، الميل المربع خاصتك
جزيرتك، بلادك
مدركاً كيف وصلت إلى هنا
ستقول لنفسك، كل هذا لي؟
في ذات اللحظة، تسحب الأشجار أطرافها الناعمة من حولك
تسترجع الطيور لغتها، تتصدع الجروف وتنهار
يبتعد الهواء عنك كموجة ولا تستطيع التنفس
لا.. يهمسون في أذنك أنت لا تملك شيئاً
كنت زائراً لحظة بعد لحظة
وهنا تشير الكاتبة أن حياتنا هي عبارة عن رحلة مؤقتة، مهما ملك الإنسان فيها فهو مجرد زائر وعلى الزائر الرحيل في لحظة ما من القدر دون أن يأخذ معه أي شيء مهما كان غالياً على قلبه.
وفي الانتقال إلى روايتها (البنلوبية) التي كتبتها لتقدم رؤية مختلفة لملحمتي الإلياذة والأوديسة، وهنا أيضاً تعطي أهمية كبيرة للمرأة حيث تختار أن تروي بنلوب الأحداث وهي زوجة أوديسيوس، تلك المرأة التي تمثل الزوجة المخلصة والصابرة والمنتظرة لعودة زوجها من ترحاله ومغامراته، فتصبح رمزاً للإخلاص، وتختار الكاتبة أن تكون بنلوب كاشفة للحقيقة وحاملة للوعي الممكن، ومن هنا جاء عنوان روايتها (البنلوبية).
وفي مجال القصة القصيرة تعد المجموعة القصصية التي حملت عنوان (الفتيات الراقصات) والتي نشرت عام 1977م من أروع قصصها وأكثرها تميزاً حيث ركزت فيها على العلاقات بين النساء من جهة والعالم من حولهن من جهة أخرى، وتدور أحداثها حول مجموعة من الفتيات اللواتي يكتشفن قدرات خارقة للطبيعة ويبدأن في استكشافها واستخدامها، وهناك أيضاً قصص أخرى للكاتبة عن المرأة مثل (الرحلة، المرأة ذات الكعب العالي وقبر الشاعر الشهير).
ومن أجمل أقوالها التي تحمل أسمى معاني الإنسانية: (أتمنى أن يأتي اليوم الذي يدرك فيه جميع الناس أن هنالك عرقاً واحداً فقط يسمى العرق البشري وأننا جميعاً ننتمي إليه).
حصدت مارغريت خلال مسيرتها الزاخرة بالعطاء العديد من الجوائز ونذكر منها: فوزها بجائزتي الحاكم العام الأدبيتين الأولى للشعر أو الدراما عن روايتها (لعبة الدائرة) عام 1966م والثانية للرواية عن روايتها (حكاية الخادمة) عام 1985م، وفي عام 2000 فازت بجائزة بوكر عن روايتها (السفاح الأعمى).
أما حالياً فهي تكتب أولى مذكراتها التي ستنشر بعنوان (كتاب الحيوات) في نوفمبر 2025م، وليس بالأمر المفاجئ أنها لا تزال اليوم تواصل دعمها للقضايا التي تؤمن بها مثل النسوية وحماية البيئة والعدالة الاجتماعية، تلك القضايا التي كانت ومازالت العنوان الرئيس لكتاباتها، هادفة بذلك إلى رفد المجتمع بحلول عادلة وإثبات وجود المرأة لترتقي بنفسها وتمارس دورها الفعال بكل ثقة وثبات في شتى مجالات الحياة.

ذو صلة