كل نص أدبي يحتكم لمعايير واجبة وسياقات تؤهله بالمجمل بأن يبوّب في خانة التجنيس، ليعطي لنا صورة جلية وواضحة لا تعاني من تعقيد عن طبيعة الشكل الذي يتبناه الأديب واللغة التي تفضي إلى جدواه وما يكنّه من قصد أو ما وراء القصد، مانحاً مضمونه المعمّد برؤى عالمه المستدل، لا ريب أن ثمة غاية ومغزى من وراء النص الأدبي الذي يكتب بطرحه اليومي، المتمثل واقعه المعيش بكل ما يتخلله من أزمات سياسية كانت أم اجتماعية أو بمنظور فلسفي يحاول أن يجد حلاً لكمٍ من الأسئلة المستلقية في الأثر، ليؤثث منهجيته بمتن تأملي تأويلي يدوّن بعضاً مما استبعدته الذهنية العربية المعبأة باحترازات متوارثة، واقعاً أن توظيف الكثير من المفاهيم الجدلية المقترنة بالدين أو السياسة تحتاج إلى قاع ثري وقدرة على تدوير سياق النص بأسلوب له عدته الفنية الوافية لتثري وتعزز من متنه، كي لا تجره المباشرة المملة ناهيك عما يخلّفه من توابع جسيمة في ظل الحكومات التي تخشى الكلمة، لذا أصبح لزاماً على الأديب أن ينضوي وراء النص برمز أسطوري ليحاكي الماضي تنكيلاً بواقعه الممض، لكن بودي أن أتوقف عند كثيرٍ من النصوص الأدبية شعراً كانت أم سرداً التي تعنى بالأيروتيك وما يعيّنه من تجسيد للسياق الشبقي في داخل النص، والذي يعضّد من وهجه إلحاق أعضاء الجسد المحظورة منها ليخرج النص بحلّة مثيرة للسؤال والدهشة، وأنا أخصّ النتاج العربي على وجه التحديد كونه ما زال مسوراً ببعض الأغلال والقيود، على الرغم من ولوجه الكثير من الأقبية المعتمة وإضاءة مزاغلها بالنص، بطبيعة الحال ثمة مساران لا غيرهما في مثل توجهات كهذه: الأول ينحو منحى نسقياً خالصاً مع تفرّد مشغل الأديب وأدواته، متخذاً من الجسد وما حواه دالته المضيئة وفكرته التي يستطيع أن يفجّر اللغة بكل اجتراحاتها الإنسانية واختلاجاتها النفسية، ليعظّم من مكنون النص ويثري محتواه من دون أن نتوقف عند أي مفردة خادشة للحياء كونها لم تأت عنوة بل حاجة ماسة وغاية لها غرضها، ليكون السياق العام للجملة مضمناً الكثير من المعاني الغريزية لكنها تؤدي بالنتيجة إلى ما يصبو إليه الأدب بمحتواه الجمالي وانزياحه المرتبط بالطبيعة والحياة والزمن وحالات اليأس والقهر التي يعاني منها الإنسان على اختلاف انتماءاته ومعتقداته هاماً بأن يزاول مشروعه بحرفية عالية وتقنية رصينة لا تخضع لتلميحات غايتها الإثارة أو الإشارة التي تنم عن تجرّد الوعي وتغييبه، معللاً ذلك بهاجس النص وانسيابيته المكملة لفكرته المتبناة، وإن استعاض عنها ببدائل معلّبة خشية من المحاذير فهذا يسهم في خلق فجوة واضحة وفراغ لا داعي له.
المسار الآخر وهو المشاع في ظل عولمة النص وانفتاحه على وسائل التواصل الاجتماعي لتصبح أغلب المسلمات الأدبية شحيحة بل نادرة أيضاً، نجد أن بعض الاستعراضات المكشوفة غير المدروسة تغمر النص وتصيّره بالكاد على أنها من الضرورات المواتية التي لها دلائلها المبررة، فما الداعي من إلزام النص بالجسد وتقوية هذه الثنائية وتوثيق محتواها من دون دراية تذكر، ما فائدة الدهشة إن لم تفتح منافذ مضيئة تسهم في إرغام المتلقي لحظة من التأمل وإن كانت تفضي إلى مناطق ملتبسة وشائكة، بيد أن ما أزعمه -وهذا لا يتعدى كونه رأياً شخصياً- أجد أن الأعمّ الأغلب ممن يتخذ الإيروتيك وإماطة اللثام عن اللغة مساراً وسمة له متعكزاً على الإيحاءات غير المجدية، التي لا تأتي ركيزة أساسية لخدمة النص ليؤسس مشروعه بهذا الاتجاه غير المنضبط، فهؤلاء ممن يعانون من ضبابية في ثبات هويتهم الأدبية ليوهموا أنفسهم بتحشيد اللغة العارية وبثها في داخل النص، من دون أن يحصّنونها بوعي له جذره وقاعه الثقافي الذي يعود من ورائه خلاصة التجربة، ظناً منهم بأن تماديهم المناطق المحرّضة للشعور بهذا النسيج المفكك يجعلهم في مرتبة متقدمة وقد تتلاقفهم الألسن ليكونوا مثاراً تعجّ بهم أوساطنا الأدبية، لكننا أمام سؤال مهمٍ، هل لهم القدرة بأن يحجزوا مقعداً وثيراً في التأريخ الأدبي بعموميته؟