ماذا يحدث عندما تُنزع دعائم الحضارة، فتكشف إما عن فراغٍ مروّع أو عن نمطٍ جديدٍ مرعب من النظام؟ يتناول هذا المقال التمثيل السينمائي للانهيار الأخلاقي عبر أربعة أعمال محورية: Society of the Snow، وYellowjackets، وParadise، وRevolution. ومن خلال تحليل التحوّل من الأخلاقيات الإنسانية إلى نزعة البقاء البدائية؛ نستكشف كيف يقبض الإعلام المعاصر على الخطَّ الدقيق الفاصل بين التهذيب بوصفه سلوكاً حضارياً، وبين الهمجية بوصفها الضرورة البيولوجية للبقاء.
الإطار الفلسفي
تُمثّل مناظرة هوبز مقابل روسو الصياغة الكلاسيكية لإشكالية الطبيعة مقابل التنشئة، عند انهيار النظام. فقد رأى توماس هوبز أن الإنسان كائن أناني بطبعه، وأنه، في غياب السلطة السياسية القوية؛ سينحدر حتماً إلى حياة منفرة، وحشية، وهمجية. في المقابل، جادل جان جاك روسو بأن الإنسان خيّرٌ بطبيعته ومتعاون، وأن الفساد إنما ينشأ من التحضر والرغبة في التملك؛ بل إنه افترض أن العودة إلى الحالة الطبيعية قد تُفضي إلى إيقاعٍ سلميٍّ للحياة.
تُتيح لنا الوسائل الإعلامية المعاصرة من أفلام ومسلسلات مساحةً لاختبار هاتين الرؤيتين. ومن خلال تحليل الأعمال الأربعة المذكورة، نسعى إلى تقصّي ما إذا كان العقد الاجتماعي في العالم المتحضّر مجرد قناع هش، أم أنه سمة طبيعية متأصلة في الإنسان.
أولاً: شبح البرية ما قبل الحضارة الإنسانية
قبل تبلور الأخلاقيات الإنسانية متمثلة في منظومات الشعور بالذنب والقانون والتعاطف التي تُعرّف الذات الحديثة؛ شغلت حالة الطبيعة حيّزاً مركزياً في الفلسفة السياسية. وقد وصفها هوبز بأنها حالة «حرب الجميع ضد الجميع»، بينما توحي السينما المعاصرة بأن هذه الحالة ليست ماضياً سحيقاً، بل مكنونٌ ينتظر لحظة الأزمة كي ينكشف.
فــــــي (Society of the Snow (2023 و(Yellowjackets (2021–2025)؛ نشهـد الانتهاك الحرفي لـ(الآخر) بوصفه أقصى خرقٍ للقانون المدني الحضاري. غير أن العملين يعالجان هذا الخرق من طرفين متقابلين في الطيف الفلسفي:
Society of the Snow
يُقدَّم هذا الفيلم بوصفه دراسةً في الصراع الأخلاقي، حيث لا يتخلّى الناجون عن أخلاقياتهم (مباشرة)، بل يعيدون النظر فيها من خلال حوارات عميقة تشهد على صراع نفسي أليم. عندما تسقط الطائرة محملة بلاعبي كرة قدم في جبال الأنديز، ويتجمدون من الثلج، ولا يجدون ما يأكلونه سوى جثث رفقائهم الذين ماتوا جراء تحطم الطائرة؛ هنا ينتهي النقاش، ويتحولون إلى أجساد مثقلة بالإحساس بالذنب. ويُؤطَّر أكل لحوم البشر كحاجة أساسية للبقاء، وهو امتدادٌ يائس للحب والبقاء، مع الحفاظ على خيطٍ يربطهم بإنسانيتهم. ومن ثمّ، يُبرَّر هذا الفعل ضمن مفهوم: أكل لحوم البشر من أجل البقاء.
يمثّل هذا العمل حالة نادرة ينتصر فيها تصور روسو: فبرغم هول التجربة في جبال الأنديز، لم ينقلب الناجون على بعضهم منذ البداية. فيبدأ المشهد بروحٍ روسوية قائمة على التعاطف واحترام الموتى، ثم وتحت ضغط الجوع والبرد ينزلق المشهد تدريجياً نحو نظام هوبزي يفرض منطق (نأكل الآخرين لنحيا).
Yellowjackets
على النقيض، يعرض هذا المسلسل انحداراً نحو الانحلال الأخلاقي؛ حيث لا يُعدّ فقدان الحضارة مأساة فحسب، بل تحرّراً إلى وحشية طقسية. فيفترض هذا العمل أن تحت سطح التهذيب تكمن رغبة في القبلية وسفك الدماء، لا تكبحها الحضارة إلا مؤقتاً. فعندما تقع الطائرة المحملة بلاعبات كرة قدم في غابة مقطوعة عن التخطيط الحضري، تمر الأشهر ويشعرن بالجوع والخوف ونقص في الثمرات، وتبدأ لديهن الهلاوس والهواجيس وينصتن لحفيف الأشجار ويؤمنّ بأن البرية تحدثهن وتطلب القرابين. ومن ثمّ، يُبرَّر أكل لحوم البشر هنا ضمن إطار طقسي تضحايتي، ويكون اصطياد الفريسة طقساً مقدساً يقدم فيه (الإنسان) قرباناً للبرية من أجل إرضائها ومن ثم البقاء فيها بسلام.
يبدأ العمل بنبرة روسوية من التعاون والتفاؤل بين الناجيات، لكنه سرعان ما ينزلق إلى كابوس هوبزي من الطقوس والتراتبية ومهرجانات الافتراس، مؤكّداً أن الحضارة المدنيّة ليست سوى قناعٍ رقيق.
ثانياً: أخلاقيات البقاء.. تهالك الأنظمة
إذا كان العملان السابقان يركّزان على العزلة الفيزيائية؛ فإن (Paradise (2025 و( Revolution (2012–2014 يستكشفان خرق الأخلاق داخل بنى اجتماعية أوسع.
Paradise
ينشأ الصراع من انتقاءٍ نخبوي للناجين بعد تهديد تسونامي هائل، حيث يُؤوى المختارون في مدينة مصنوعة تحت جبل (استغرق بناؤها 10 سنوات بتكلفة المليارات)، ويتم إقناعهم بأن سطح الأرض قد خلا من الحياة. إنها عملية فرز قائمة على القدرة المالية أو المنفعة. هذه النزعة المادية التي ترى البقاء سلعةً تُدار بمنطق الحساب تُفضي إلى ثورة داخل الملجأ، تقودها شخصية تمثّل المرساة الأخلاقية في مواجهة شخصية تمثل السلطة الاستبدادية.
يقدّم العمل نموذجاً روسوياً مُصطنعاً: مجتمع يسعى لفرض سلام مثالي عبر أدوات هوبزية من رقابة صارمة وقمعٍ منهجي والاستعانة بالقاتلين المحترفين. يطرح سؤالاً حاداً: هل يمكن قيام (فردوس) مبني على الخداع ومسنود بديكتاتورية؟
Revolution
يقدّم رؤيةً مكثفة للانهيار؛ فعندما تنطفئ الأنوار وتنقطع الكهرباء، يُلغى العقد الاجتماعي فوراً. يشير هذا العمل إلى أن الأخلاق مرتبطة جوهرياً بالبنية التحتية. فبانهيار الدولة، يعود البشر سريعاً إلى تراتبية (القوة تُنشئ الحق)، على نحوٍ يستعيد أنماط ما قبل الحضارة، حيث يغدو القتل أداة حكم لا باعثاً على الذنب.
هنا يتجلى فراغ السلطة الهوبزي بوضوح: بزوال الدولة الحاكمة، تظهر قوى بديلة كأمراء الحرب وقادة العصابات. وتتحول محاولات بناء مجتمعات روسوية صغيرة إلى مشاريع هشّة تسحقها واقعية الوحشية المسلحة.
خاتمة
تغدو هذه الأعمال بمثابة تذكير بالموت للحضارة ذاتها. فهي توحي بأن الأخلاقيات الإنسانية التي نعتز بها مثل الشعور بالذنب والتهذيب؛ ليست سمات بيولوجية فطرية، بل مكتسبات فلسفية شُيّدت عبر مسارٍ شاق. حين نشاهد شخصيات تبكي من أجل قطعة لحمٍ لجسد صديقٍ راحل، أو تتصارع على فتات سلطة؛ نُدفع إلى التساؤل: أنا الإنسان.. هل أخلاقي جزءٌ من ذاتي، أم من بيئتي؟
سينمائياً، تشير هذه السرديات إلى أن الحضارة أداءٌ تمثيلي ومظهرٌ هشّ. وما إن يسدل المسرح ستائره، وتغلق صالات العرض شاشاتها، حتى يعود الممثلون إلى أدوارهم الطبيعية الأكثر بدائية وغالباً الأكثر رعباً.