َظننتُ أنه زلزال يُربك قدمي، أو ربما ثقل أكياس البقالة شدّني إلى الأرض، فتعثّرت. تشبّثتُ بالأكياس البلاستكية محاولاً إنقاذ نفسي من السقوط الوشيك، لكنها لم تبادلني ذلك التشبث. اختلّ توازني. سقطتُ.
لم أعرف كم مضى من الوقت وأنا مُسجى على الأرض.
وحين فتحتُ عيني، من خلال عدسة نظارتي التي انكسرت جراء الوقوع، وانعوج ذراعها الأيسر تلك النظارة التي لم أغيّرها منذ أكثر من عشرة أعوام، أعني ستكمل معي ما تبقى لي من العمر دون شكوى. رأيت، من خلال عدستها المتسخة والمشروخة، حبات الطماطم وقد أفرغت عصارتها، ودهسها المارّة الذين كانوا يقفون في طابور طويل، على بعد أمتار قليلة مني.
التفاحة التي ابتعتها لحفيدي اليتيم صارت بين يدي شاب صرخ: (نيوتن)! ثم نهشها بأسنانه.
أما البطاطس، الكوسا، وبقية الحاجيات.. فتهاوت قرب حاوية القمامة، كأنها تخلّت عن وظيفتها حين تخلّت قدماي عني.
تشوّشت رؤيتي.
الطابور الطويل يمتد أمام واجهة دمية بشعة، كُتب تحتها: (لا بوبو).
وكانت نظرات المنتظرين تلمع شوقاً للإمساك بها.
حاولت النهوض.
لم أستطع.
قدماي ثقيلتان، كأنهما تذكّرتا فجأة كل ما لم أمشِ إليه يوماً.
رأيت الأحذية تمر أمامي، بعضها من الجلد، لم يلتفت أصحابها ذوو الرؤوس المرفوعة نحوي، وبعضها مهترئ، يركض أصحابها بلا وجهة.
سريعون، نعم، لكن خطواتهم هشّة.. تُشبه من يمشي بدافع الحاجة لا الأمل.
دراجات تدور. عضلاتٌ تُضغط، وراكبٌ إمّا شاب يُلاحق أمراً ما، أو شيخٌ تطوّح به العجلات حيث تريد، لا حيث يريد.
أطفالٌ يركبون دراجات بأقدام صغيرة، يسابقون الزمن نحو المجهول.
شبابٌ، فتيات وصبيان، يضعون سماعات ملونة، وجوههم ملتصقة بالهواتف:
بعضهم يرقص، يكتب بعصبيّة، يتحدّث بابتسامة ساذجة، كأنه يتلقّى أخباراً مفرحة من عالمٍ آخر. بعضهم يحمل حقيبةً على ظهره، يظهر منها طرف مظلّة ومعطفٌ أسود.
اقترب من عيني وجه كلب.
صار ينبح عليّ، كأنه يطلب النجدة، أو يستنكر سكوني.
التفت صاحبه، نظر إليّ للحظة، ثم شدّ الحبل وأبعده دون كلمة.
فقدتُ الوعي مرةً أخرى.
أفقت على صوت سيارة مرت، رشت بمياه الطريق الراكد على وجهي.
مسحتُ وجهي بكفّي، لكن ملابسي امتلأت ببقع طين، لا أدري إن كانت بسبب السيارة.. أم الزمن.
صار تنفّسي ضيقاً.
اشتدّ الألم في صدري، كأنّي أتنفّس من خُرم إبرة.
قدماي؟ لا أشعر بهما.
اقتربت منّي امرأة مسنة. ربما في عقدها السادس، أصغر مني قليلاً، أو ربما في عمري، لكنها لا تضع طقم أسنان مثلما أفعل. طقم الأسنان، بالمناسبة، بدأ يتململ هو الآخر، كأنه يستعد للسقوط. ناولَتني قارورة ماء كانت مفتوحة من قبل. شربتُ منها رشفة، ثم سقطت من يدي.
صرخت السيدة:
“النجدة! النجدة! هذا الرجل يحتاج للمساعدة..
تحلّق حولي الناس. ضاق المكان. رفع الجميع هواتفهم. اتّصل أحدهم كما يبدو بالإسعاف، بينما البقية انشغلوا بالتصوير.
لقطات لي، معي، حولي، ومن فوقي.
شابّان التقطا مزيداً من الصور، بدا عليهما الحماس، وكأنّهما يوثّقان لحظة صيد نادرة.
لم أكن أرغب أن أكون في تلك الصور. لكن لم يكن أحدهم مهتماً برغبتي.
في تلك اللحظة، كان المهم اللقطة.
اقترب مني فتى منكوش الشعر، ملابسه رثّة، يداه متسختان. مدّ يده إلى جيبي، انسلت محفظتي. رأته عيناي، لم يُسعفني صوتي.
وددتُ أن أقول له:
محفظتي المهلهلة لا شيء فيها، اتركها.. ابحث عن غيرها.
لكني فكّرت:
فلتذهب المحفظة إلى الجحيم.. لم يعد شيء في هذا المشهد مجدياً.
ثقل لساني. ضاق نفسي أكثر، كأنّ صخرة وُضعت فوق صدري. ازدادت نبضاتي، كأنني أركض في سباق..
لكن الحقيقة كنت مُلقى على الأرض، كقطعة خردة، لا تثير الانتباه.. ولا الشفقة. مرّ الكلب مرة أخرى. نباحه أكثر حدة. سحبه صاحبه بعنف، ومضى. اقتربت فتاة، مالت نحوي، تحسّست نبضي دون شفقة. قالت:
يحتاج إلى مستشفى.. أو ربما سينتهي الأمر قبل أن يصل.
ردّت السيدة التي بقيت بجانبي وكأنها تودع عزيزاً:
طلب أحدهم الإسعاف منذ نصف ساعة.. ولم يصل بعد.
سكبت ما تبقى من الماء على وجهي. هل غسلت الطين؟ لا أدري. فتحتُ عينيّ. ازداد عدد المتحلّقين. تتابعت اللقطات. لم يعد الأمر يهم.
سأُغمض عيني الآن.