مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

تلك الجسورالتي لم تكتمل

لولا الطيورُ التي تلتفُّ تعصفُ بيْ
رياحُها، والنوافيرُ التي عجزتْ
أنْ تلمس الغيمَ في صدري وقد هدمتْ
أسواره وهي تُبنى، لانتبهتُ إلى
تلك الجسورِ التي لم تكتملْ، وإلى
نوافذَ انغلقتْ قبل الغروب، وإلى
قبابِ أبنيةٍ زُرْقٍ تغور إذا
جرَّ المساءُ على الأسوار أرديةً
مرقَّعاتٍ بأحداق الذئاب، ولو
أني اقتربتُ قليلا من مآذنَ في
أعلى الصهيل، لدلَّتني النقوشُ على
صدْقِ المسافة من طول الحنين، وما
يطوِّق القلبَ من كرْمِ الدروب على
عرائش الوقت إذ تدنو عناكبُها
تقول ساخرةً: لولا التردّد ما
راقبتَ ماضيكَ بالمقْرابِ من خِيمٍ
منصْوبةٍ خارج التاريخ فيكَ، ولو
لم تستطعْ أن ترى إلا سحائبَ من
فوق الهجير، سيكفيكَ المسيرُ بلا
ربابةٍ للحيا والوسم داكنةٍ،
لولا الوقوفُ لما شاهدتَ من عبروا
وأدلجوا بعدما سالتْ بهم قصصٌ
تكدَّستْ بالأساطير القديمة، أو
لما رأيتَ الأساطيل التي قَطَعتْ
دمَ المسافر أو ألقتْ مراسيَها،
لكنْ مزاليج أبوابِ النهاية لم
تُكسرْ، وليستْ مفاتيح الدروب إذا
ما تهْتَ معقودةً في جذْع أثلتها
إنْ لم أجدْ ملجأ أنجوْ بنفسيَ من
مطارق البيد إذ تهوي حوافرَها،
فلي رحيلٌ إلى ما ليس أعرفه،
إلى فدادينَ تحمي شمسَ خردلها
فزَّاعةٌ عشعش الدوريُّ في فمها
على فراسخَ تخفي بالتوابل ما
تخفيه من جاهليَّاتٍ معلَّقة
على ظهور المطايا، أو حدائقَ في
خلفيَّة الحبِّ تعلو كلما اتسعتْ
مقاعدُ الشُّرُفات البيضِ وانفتحت
أبوابها، أو قرى صُهْبٌ تخاط على
خطِّ التقاء الخزامى بالتلال. وإنْ
لم أبدأ الآن في فتْل الحقيقة ما
يلائم الجرحَ أو ما لا يلائمه،
متى أخيِّم في سهْل الحكاية لو
مررتُ بالبئر كي ألقي التحيَّة، أو
أقفْو تضاريسَ من مرّوا ولم يقفوا؟
فالأمرُ ليس بسجَّادٍ تعسْجده،
ولا قناديلَ في ممشى بضاحيةٍ
كثيفة العشْب، أو خيلٍ مسوّمةٍ
لكنه عضَّةٌ في الكتفِ، معركةٌ
في الوحلِ من أجل سكِّينٍ ومصيدةٌ
في ليلةٍ من حميمٍ لا نجوم لها

ذو صلة