المقامة نوع أدبي ذو أصول عربية خالصة، قد يمت بصلة إلى بعض الفنون السردية كالأقصوصة والقصة، لكنه يظل في نهاية الأمر فناً قائماً بذاته، له تقاليده الأدبية المتفردة. تمثلت هذه التقاليد في خصوصية الصياغة اللغوية للمقامة، ونمطية الصورة السردية –وإن تنوعت موضوعاتها– التي تنسج بخيوط من الفكاهة والسخرية، والفكاهة هنا ليست النكتة اللطيفة التي تصاغ بشكل لفظي فحسب، لكن أكثر ما يشكل بنية الفكاهة جملة الوظائف السردية المسندة إلى البطل، تلك التي تجسدت في احتراف الكدية والتكسب بالاستجداء، ثم تفرع عن هذه الوظيفة المحورية وظائف أخرى فرعية، منها البراعة في الاحتيال وتدبير المآزق، والذكاء في التخلص من الصعاب، وتوريط الخصوم في الأزمات التي تعسر النجاة منها، والقدرة الفائقة على الجدل والإقناع وفك الألغاز. بالإضافة إلى الطبيعة الخطابية للمقامة، إذ هي في نهاية الأمر حديث بليغ قصير يلقى على مسامع القوم في مجلس من المجالس، وهذه الطبيعة الخطابية جعلتها تحظى بمستويات متعددة من التلقي، وتقرأ بمنظورات تأويلية مختلفة.
وأول ما يسترعي النظر في المقامات تنوع عوالمها، فعلى الرغم من ثبات شخصيتيها (البطل والراوي)، فإن أفق المقامة قد اتسع ليطوف بنا في طبقات مختلفة من النظام الاجتماعي، فجمع بين المهمشين مثل الشحاذين، والشطار، والفقراء، والعجزة، والنخاسين من جانب، وبين أصحاب الحظوة والمكانة مثل القضاة، والحكام، والعلماء، والوعاظ من جانب آخر، وولجت بنا المقامة إلى فضاءات مكانية متنوعة، منها الأسواق، والحانات، وساحات القضاء، والمساجد، وأندية الأدباء، وقصور الأثرياء، وحلقات الوعاظ، وهو ما يجعل منها وثيقة أدبية تجسد حياة هذه الطبقات العربية بشتى جوانبها الاجتماعية، والفكرية، والثقافية، والمعيشية، والأخلاقية أيضاً. ومن ثم فإن النظر إلى المقامة الأدبية من حيث ما حققته من وظائف أمر جدير بالنظر.
وفي الحقيقة إن الوظائف التي لعبتها المقامة متنوعة أشد التنوع بقدر ثراء هذا النص الفارق في ثقافتنا العربية، بدءاً من نشأته ومروراً بتطوره ونضجه حتى استقراره في فضاء الإبداع العربي، ويكاد يجزم الدكتور شوقي ضيف (1910–2005م) بأن الوظيفة الأساسية للمقامة بشكل عام هي الوظيفة التعليمية الخالصة، حيث قصد بديع الزمان الهمذاني (ت: 398هـ) إلى أن يضع تحت أعين تلاميذه مجاميع من أساليب اللغة العربية المنمقة، كي يستطيعوا محاكاتها والنسج على منوالها، (ولعل ذلك ما جعل المقامة منذ ابتكرها بديع الزمان تنحو نحو بلاغة اللفظ وحب اللغة لذاتها، فالجوهر فيها ليس أساساً، وإنما الأساس العرض الخارجي والحلية اللفظية).
واختصار وظيفة المقامة في الدور التعليمي فقط فيه غبن لهذا الفن الأدبي، إذ لو كان بديع الزمان –الذي أكسب المقامة شرعية الرسوخ الأدبي– يتوجه حقاً إلى التعليم لَنَظَمَ للناشئة أراجيز تتضمن عويص اللغة من جنس أراجيز رؤبة وأمثاله، وفقاً لطرق التعليم السائدة آنذاك، والبديع من الأدباء المتمكنين من صناعة النظم، يشهد بذلك ما ورد في مقاماته من أراجيز، إضافة إلى أنه (لم يشتهر على أنه كان أستاذاً كبيراً كابن دريد الأزدي مثلاً، فلم يذكر التاريخ أن للبديع تلامذة مشهورين أو أنه كان إماماً من أئمة اللغة كالأصمعي أو أبي عمرو بن العلاء، أو أنه كان أعرابياً يهبط من البادية على الحواضر طلباً للرزق فيتعلم منه الناس غريب اللغة). وقد يكون الإتيان بعويص اللغة من باب التحدي وإظهار الكفاءة اللغوية للكاتب، وقد يكون بهدف إحياء المـمات من اللغة على النحو الذي سلكه اليازجي (1800–1870م) في (مجمع البحرين).
ونستعرض وظيفتين من هذه الوظائف:
(1) الوظيفة البلاغية والجمالية:
ليس الأداء اللغوي في المقامة وسيلة لتبليغ المعنى، لكنه تشكيل جمالي مقصود في ذاته، لذا فمن المنطقي أن يكون بطل المقامة أديباً بارعاً في فنون القول، ينتخب لغة أنيقة مشبعة بالصناعة البديعية، مع تعمد استدعاء الغريب من الألفاظ والمهجور منها. وقد شكل هذا الانتخاب اللفظي والصناعة البديعية المحكمة بلاغة المقامة وجمالياتها الخاصة، ويمكن أن نورد عينة من مقامات البديع لنرى تحقق هذا الجانب الجمالي فيها، وليكن من المقامة الوعظية:
(أَيُّها النّاسُ إِنَّكُمْ لَمْ تُتْرَكوا سُدى، وإِنَّ مَعَ اليَوْمِ غَداً، وإِنَّكُمْ وارِدُو هُوَّةٍ، فَأَعِدُّوا لها ما اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، وإِنَّ بَعْدَ المَعاشِ مَعاداً، فَأَعِدُّوا له زاداً، أَلا لا عُذْرَ فَقَدْ بُيِّنَتْ لَكُمُ المَحَجَّة، وأُخِذَتْ عَلَيْكُمُ الحُجَّة، مِنَ السَّماءِ بِالخَبَرِ، وَمِنَ الأَرْضِ بالعِبَرِ، أَلا وإِنَّ الَّذِي بَدَأَ الخَلْقَ عَلِيماً، يُحْيي العِظامَ رَميماً، أَلا وإِنَّ الدُّنْيا دارُ جَهازٍ، وقَنْطَرَةُ جَوازٍ، مَنْ عَبَرَها سَلِمَ، ومَنْ عَمَرَها نَدِمَ، أَلا وقد نَصَبَتْ لَكُمُ الفَخَّ، ونَثَرَتْ لَكُمُ الحَبَّ، فَمَنْ يَرْتَعْ يَقَعْ، ومَنْ يَلْقُطْ يَسْقُطْ، أَلا وإِنَّ الفَقْرَ حِلْيَةُ نَبِيِّكُمْ فاكْتَسُوها، والغِنى حُلَّةُ الطُّغْيانِ فلا تَلْبَسُوها).
ويلاحظ في المقطع الالتزام بالسجع مع قصر العبارات وتلاحقها، وهو ما يتناسب والطبيعة الخطابية للمقامة، وكأنه يدرك أن طول الجمل المسجوعة من شأنه أن يطيل المدة الزمنية للإيقاع الصوتي فيشعر السامع بغيابه أو تأخره، فيضعف بذلك تأثيره.
كما يتبدى الازدواج اللفظي في التوازن بين الجمل حتى تكاد تتساوى في عدد ألفاظها، بل لقد بلغت الهندسة البديعية مداها بانسجام الكلمات نفسها داخل الجمل في نسق من الترتيب النحوي المصحوب بتماثل الصيغ الصرفية للعبارات المسجوعة، مثال: (مَنْ عَبَرَها سَلِمَ، ومَنْ عَمَرَها نَدِمَ)، حيث جاءت الجملة الأولى في صيغة شرطية، ومثلها الجملة الثانية، فيما يمكن أن نسميه في هذا التوازن السجعي بلزوم ما لا يلزم.
هذا من الناحية الإيقاعية، أما من الناحية المعنوية فقد استندت المقامة إلى مجموعة من الوسائل كالمقابلة، نحو: (مَنْ عَبَرَها سَلِمَ، ومَنْ عَمَرَها نَدِمَ)، وكذلك: (إِنَّ الفَقْرَ حِلْيَةُ نَبِيِّكُمْ فاكْتَسُوها، والغِنى حُلَّةُ الطُّغْيانِ فلا تَلْبَسُوها)، وهو من وسائل إظهار المعنى بوضع الشيء في مواجهة نقيضه. بيد أن ما يسترعي النظر كثرة التناص مع نصوص سابقة لها رصيد وجداني لدى المتلقي. ففي سياق الوعظ يلجأ المخاطب إلى أرضية مشتركة تجمعه بمن يخاطبه، وهذه آلية من آليات الحجاج والإقناع، حيث ينطلق المخاطب من نقطة يسلم المخاطب بصحتها. ومن أبرز هذه التضمينات استدعاء نصوص يعرفها المتلقي ويسلم بمحتواها كالقرآن الكريم، والحديث النبوي، والأمثال العربية، والحكم، وتجارب السابقين.
ومن الوسائل الإقناعية أيضاً توظيف الأمثولة المحسوسة، حيث الاعتماد على صورة واقعية يمكن للمتلقي رؤيتها أو تخيلها، من ذلك أنه قرب خداع الدنيا الإنسان بملذاتها بأمثولة الصائد حين ينصب شباكه وينثر فيها الحب، ومن يسقط عليها من الطيور ليلتقطه يقع في الشرك.
(2) وظيفة الكشف والفضح:
استطاعت المقامة أن تتعرض لقضايا لا يسمح بتناولها أو تداولها في نصوص عرفت بالجدية، وغالباً ما تعالج في تلك النصوص بشكل مضمر، يتخفى تحت الخطاب الظاهر ولا ينكشف إلا بعد التقصي والقراءة الفاحصة، لكن المقامة التي اتخذت من الفكاهة والترويح عن النفس قناعاً لها تعرضت لفضح فئات اجتماعية عليا وطبقات من السلطة لا يمكن المساس بها.
ومن ذلك المقامة النيسابورية التي تعرض فيها البديع لطبقة القضاة، فقال على لسان عيسى بن هشام يصف رجلاً يلبس قلنسوة القضاة:
(هٰذا سُوسٌ لا يَقَعُ إلّا في صُوفِ الأيتام، وجَرادٌ لا يَسْقُطُ إلّا على الزَّرْعِ الحرام، ولِصٌّ لا يَنْقُبُ إلّا خِزانةَ الأوقاف، وكُرْديٌّ لا يُغيرُ إلّا على الضِّعاف، وذِئْبٌ لا يَفْتَرِسُ عبادَ الله إلّا بين الرُّكوع والسُّجود، ومُحارِبٌ لا يَنْهَبُ مالَ الله إلّا بين العُهود والشُّهود، وقد لَبِسَ دَنِيَّتَهُ، وخَلَعَ دِينِيَّتَهُ، وسوّى طَيْلَسانَهُ، وحرَّف يَدَه ولسانَهُ، وقصَّر سِبالَهُ، وأطال حِبالَهُ، وأبدى شَقاشِقَهُ، وغطّى مَخارِقَهُ، وبيَّض لِحْيَتَهُ، وسوَّد صَحيفَتَهُ، وأظهر وَرَعَهُ، وسَتَر طَمَعَهُ).
ولا يخفى على القارئ مضمون الرسالة التي تميط اللثام عن فساد طبقة القضاة في زمن بديع الزمان، فهذا القاضي ممن ينهبون أموال الوقف ويأكلون أموال اليتامى، ويبتلعون حقوق الفقراء، ويتسترون بثياب الورع ومسوح التقوى، على حين تنطوي سريرته على الفجور والآثام. وهي مفارقة كاشفة عن تدهور منظومة العدالة، وبتدهورها يختل النظام الاجتماعي كله.