حين نقرأ المقامات اليوم، نكاد -غالباً- نحصرها في كونها نصوصاً لغوية متقنة ومسجوعة وبارعة في اللعب بالألفاظ، غير أن هذا التصور يُقصي عنصراً مركزياً في بنيتها الثقافية، وهو الجسد.
وإذا كان الإنسان يعتمد مفردات اللغة الملفوظة للتواصل مع الآخرين، فإنه يستخدم لغة الجسد، وهي -بتعبير إيكو- تخضع للسنن الثقافية (2008، ص17)، وكل ما يصدر عنها محكوم بهذه السنن، ومتأثر بالسياق الذي يرد فيه. كما أن التركيز على الجسد بوصفه الكل الذي لا تنفصل أجزاؤه، حيث إن هذا (المعطى لا يدرك إلا من خلال الأجزاء، ولا يستقيم وجود هذه الأجزاء إلا من خلال اندراجها ضمن هذا الشكل الذي هو الجسد) (بنكراد، 2003، ص82)، إذ تمثل هذه الأجزاء بدءاً مفاتيح مهمة للكشف عن لغة الجسد الكلية.
وتؤكد مقامات الهمذاني أن البلاغة العربية لم تكن لفظاً فحسب، بل هي فعل جسدي أدائي، والإقناع فيها يقوم على تآزر القول والحركة، إذ تأسست (ضمن إطار من الحيلة، ونسق من الحجاج بلغة الجسد، التي تغدو داعمة للسياق اللفظي الحجاجي أو نائبة عنه) (المفرّح، 2024، ص173)، وتشكّل المحتال في صور جسدية متنوعة تحدد تصنيفه مثل: الفقير، والمعاق، والوسيم، والمتدين، والمريض، والمُعالِج، واللاعب، والمُقنّع (المفرّح، 181 - 189)، لذا يكشف هذا النموذج أن الجسد ليس أداة تعبير بريئة، بل وسيلة مقصودة للاحتواء والخداع، فالمحتال يُحكم السيطرة على جسده بوصفه قناعاً أدائياً، كما أن الجسد الذي يُتقن الاحتيال، هو نفسه الذي يفضحه حين يختل أداؤه.
ومن هذا المنظور، فإن استثمار هذا الإرث في العصر الرقمي -كما يقترح عنوان المقالة- لا يعني إحياء شكل أدبي، بل استعادة منطق ثقافي، وإن تغير فضاؤه، وهنا لا تُقرأ المقامة بوصفها جنساً لغوياً مغلقاً، بل بوصفها نموذجاً مبكراً لبلاغة أدائية تُدار بالجسد كما تُدار باللغة. ولا تشتغل لغة الجسد فيها إلا بوصفها فعلاً سردياً مقتصداً عالي الدلالة. وتتجلى أهمية هذا الاقتصاد في تمثيل الجسد حالة تسمح بنقل منطقها إلى الأداء المرئي بوصفه منهجاً في ضبط الجسد لكونه حاملاً للمعنى، بما يحيل إلى فعل (الأداء نفسه)، حيث يشكل ممارسة تختلف من مجال إلى آخر، ومن سياق إلى آخر أيضاً، كما ترتبط دراساته بفروع المعرفة المختلفة، ونظريات الفنون الأدائية المتنوعة، غير أنه يتخذ بعداً شمولياً يقترن بأفعال التواصل على اختلافها، كما يرى كل من (دريدا وجوديت بتلر) الأمر الذي يستدعي المنطوق/الكلام كما لا يستبعد الفعل الذي يحيل إليه النطق، والفعل الذي يُعنى بالأثر الناتج عن الأداء (Hussein، 2018، p327).
ولعل المعنى اللغوي الذي تنطلق منه المقامة (المجلس)، يشير إلى أنها لم تكن نصاً لغوياً خالصاً، بل كانت حدثاً أدائياً يجري في مجلس، ويتقدم فيه الجسد أيضاً ليصنع المعنى بالحركة، والهيئة، والنظرة. وإذا كان المجلس هو الفضاء الطبيعي لنقل المقامة، فإن المنصات الرقمية اليوم تؤدي وظيفة مشابهة، فالخطاب الرقمي والمرئي منه يعتمد على الوقفة، والنظرة، وتوقيت الحركة بقدر اعتماده على الكلام المنطوق أو المكتوب، فالاختلاف هنا في الوسيط لا في المنطق الثقافي.
وكما كانت المقامة تقوم على المواجهة المباشرة بين الراوي والجمهور، تقوم المنصات المرئية اليوم على علاقة مشابهة بوصفها مجالس معاصرة، وإن كانت مؤجلة أو افتراضية، مع توسيع دائرة التلقي. عوضاً عن مجريات الحكايات داخل المقامات نفسها التي تثبت أن قراءتها بوصفها خطاباً مكتوباً فحسب تغفل عنصراً ثقافياً حاسماً هو لغة الجسد بوصفها أداة إقناع وتمثيل وكشف.
ولا يمكن الانتقال من المقامة إلى الأداء المرئي دون تفكيك لغة الجسد التي اشتغلت عليها، أي بتحويلها من تفاصيل سردية إلى مكونات بلاغية جديدة ذات وظائف محددة، بدءاً من بناء الثقة بالجسد قبل القول، فالهيئات على اختلافها تنتج سلطة رمزية داخل الحكاية، ويضبط الجسد إيقاع السرد بما يمنح المقامة طابعها الأدائي حتى وهي تُقرأ، كما يتشكل في أدوار متعددة لا تعكس الحقيقة بالضرورة، بل تصنع صورة قابلة للتصديق.
وإذا افترضنا أن الأداء المرئي يقوم في أصله على لغة الجسد؛ فإن التساؤل حول ما تضيفه المقامة هنا تساؤل مشروع، وجوابه أن لغة الجسد في الأداء المعاصر تُمارس بوصفها مهارة تلقائية أو تقنية، بينما يقدم منظور البلاغة إطاراً بلاغياً وثقافياً يغير طريقة فهم هذه اللغة ووظيفتها.
ويمكن اقتراح مسارات تحويل بلاغة الجسد المقامية إلى الأداء المرئي في أمثلة كثيرة، أذكر منها (المونولوج المرئي البلاغي)، وإن كان المونولوج يحيل إلى الخطاب الفردي الذي يصدر عن ذات واحدة، فإنه لا ينكر وجود الآخر، بل يفترض حضوره ضمنياً، كما هو الحال في المقامة، حيث يتكثف الفعل البلاغي في شخصية واحدة رغم تعدد الشخصيات. كما يقتضي (المرئي) نقل الخطاب من مجال التلقي النصي إلى مجال المشاهدة، مما يعني أن الجسد لم يعد ممثلاً لغوياً كما في السرد، بل أصبح وسيطاً مباشراً لإنتاج الدلالة. وتحيل صفة (البلاغي) إلى إدارة مقصودة للغة الجسد، والقول بهدف التأثير في المتلقي، فالبلاغة هنا أدائية ترتبط مباشرة بمنطق المقامة التي تدار فيها الأفعال الجسدية بوصفها حججاً غير لفظية.
تقوم المقامة البغدادية على مشهد رغبة جسدية واضحة (الجوع/ الاشتهاء) تقدم في هيئة جسدية تدار سردياً من الراوي، فالمتكلم لا يندفع مباشرة إلى الطلب، بل يمهد لحضوره بصورة جسدية توحي بالفاقة والانكسار، مع هيئة هادئة، واقتصاد في الحركة، وانضباط في السلوك الظاهري، ليغدو الجسد أداة تمهيد حجاجي لا وسيلة تعبير مباشرة. كما يستدرج المحتال بالجسد أولاً قبل الكلام، وهو ما يضمن نجاح الاستمالة، ويجعل الحيلة ممكنة دون فجاجة. ويمكن تحويل منطق هذه المقامة إلى مونولوج مرئي بوقفة صامتة أمام الكاميرا، وجسد ثابت ونظرة منكسرة، تقابل هيئة الفاقة والانكسار في المقامة، ثم يدار المشهد ببطء، وبحركات جسدية تحيل إلى الرغبة بما يقابل الإشارات الجسدية المقتصدة في المقامة، وبهذا يتحول الجوع من حالة تروى إلى حضور جسدي يُؤدى دون أن يُقال صراحة، كما يمكن أن يكون الجسد نفسه فاضحاً للحيلة في تغير الحركة، أو ابتكار حركات جديدة، أو إيماءات واضحة.
وفي الختام، لا تدعي هذه المقالة الإحاطة، بل تقترح زاوية قراءة محددة تنطلق من بلاغة الجسد، كما اشتغلت داخل السرد المقامي، وتختبر قابليتها للتحقق في الفضاء المرئي المعاصر، وكانت الغاية استثمار منطقها البلاغي بوصفه نموذجاً تحليلياً يتيح فهم كيف يُدار الجسد بوصفه قناعاً أدائياً. ومن هنا، يظل هذا الاقتراح مفتوحاً على قراءات أخرى، يمكن أن توسعه، أو تعيد مساءلته في ضوء مقامات مختلفة، أو أنماط أدائية مغايرة، بما يسمح بإعادة التفكير في أنماط الأداء المرئي بوصفها امتداداً لتحولات ثقافية أعمق، وإمكاناً أدائياً لم يستثمر بعد، فالمقامة في هذا السياق، لا تُستعاد لتُحاكى بوصفها جواباً مكتملاً، بل بوصفها سؤالاً يظل مفتوحاً على أشكال أداء لم تُختبر بعد.