يسجل التاريخ جهود المملكة العربية السعودية في خدمة الحرمين الشريفين بأحرف من ذهب وشعاع من نور، فالتاريخ دوّن في صفحاته، والحاضر يعاش ويشاهد، بأن المسجد النبوي شهد نقلة نوعية في كل خدماته من توسعاته حتى مرافقه، إذ إن للمسجد النبوي مكانة عظيمة في قلوب المسلمين، فإليه تشد الرحال، وهو ثاني الحرمين الشريفين، أسسه وبناه النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة المنورة، وفيه حجراته والقبر الشريف، وأقام فيه معظم صحابته الكرام، وعليه يتوافد ملايين الزوار والمصلين من مختلف أنحاء العالم للصلاة فيه والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحابيه. ونظراً لهذا المكانة العظيمة للمسجد النبوي فإن ملوك المملكة العربية السعودية أولوه عناية فائقة، واستمروا بتطويره وتوسيعه وتجهيزه بأحدث التقنيات والمرافق لتلبية احتياجات الزوار والمصلين، محافظين على تاريخه وهويته الإسلامية.
إن حكومة المملكة العربية السعودية قد اهتمت منذ عهد المؤسس، اهتماماً بالغاً بالحرمين الشريفين، ومن تلك العناية التوسعات المتلاحقة التي شهدها المسجد النبوي الشريف في العهد السعودي.
فعندما وطد الملك عبدالعزيز رحمه الله الحكم، قام بأول زيارة إلى المدينة المنورة في شعبان عام 1345هـ/1927م للصلاة في مسجد رسول الله، والسلام على خير البرية، ثم النظر في شؤون المسجد النبوي، فلاحظ تصدعات في بعض العقود الشمالية للمسجد، وتفتت بعض حجارة الأعمدة، فأصدر أوامره رحمه الله بإصلاح وترميم المسجد، وفي سنة 1348هـ/ 1928م، أجريت إصلاحات في أرضيته وأروقته وبعض الأعمدة بالأروقة الشرقية والغربية، وكذا إصلاح التشققات التي ظهرت في دهان الحجرة النبوية الشريفة، وكان ذلك عام 1350هـ/1931م، وبعد وفاته رحمه الله، واصل أبناؤه من بعده مسيرة تطوير وتجديد المسجد النبوي الشريف، فتسلم زمام الحكم الملك سعود بن عبدالعزيز رحمه الله في نفس العام، وكان كثير الاهتمام بأمر التوسعة، حيث تم في عهده إكمال بناء توسعة المسجد النبوي الشريف على أتقن وأجمل شكل، وأقيم احتفال بهذه المناسبة يوم الخامس من شهر ربيع الأول سنة 1375هـ/ 1955م.
وفي عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله- حصلت توسعة أخرى من الجهة الغربية، واشتريت العقارات والدور والمساكن التي احتيج إليها، وظللت بمظلات مقببة قوية مؤقتة، وجهزت تجهيزاً عالي. وفي عهد الملك خالد بن عبدالعزيز رحمه الله، جرت توسعة ثالثة حينما وقع حريق في المنطقة الواقعة في الجنوب الغربي من المسجد سنة 1397هـ/ 1977م فأزيلت المنطقة، وتم تعويض أصحاب العقارات، وضمت الأرض إلى ساحات المسجد النبوي، وظللت وهيئت للصلاة.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله، زار المدينة المنورة في شهر محرم عام 1403هـ/ 1982م، وشعر خلال زيارته أن المسجد لا يتسع لكل المصلين والزوار، وأن المظلات المقامة لم تعد كافية، فأمر بوضع دراسة لتوسعة مسجد رسول الله توسعة شاملة، تستوعب أكبر عدد ممكن من المصلين، وبالفعل تمت الدراسة بحيث أن هذه التوسعة تمتد من جهة الغرب حتى شارع المناخة، ومن الشرق إلى شارع أبي ذر بمحاذاة البقيع، ومن الشمال حتى شارع السحيمي.
وفي يوم الجمعة التاسع من شهر صفر عام 1405هـ/1984م وضع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله حجر الأساس لهذه التوسعة المباركة والتي فاقت في مساحتها كل التوسعات السابقة.
وتواصلت تلك التوسعات السعودية، إذ شهدت المدينة المنورة أواخر العام الهجري 1434هـ في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله، الإعلان عن رفع الطاقة الاستيعابية للمسجد النبوي لتصل إلى مليوني مصلٍ مع نهاية أعمال المشروع.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله تطورت المسيرة في خدمة الحرمين الشريفين، حرصاً منه حفظه الله على أهمية العمل في تطوير كل ما يخدم المسجد النبوي الشريف من جهود تصب جميعها في خدمة الإسلام والمسلمين من شتى أرجاء العالم، وكذلك خدمة أهالي مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وزوارها، حيث بدأت المرحلة الثالثة من مشروع توسيع المسجد النبوي في عام 1441 هـ، والتي تهدف إلى زيادة سعة المسجد، وإضافة مساحات خضراء ومظلات ومصليات نسائية ومواقف سيارات وممرات مشاة ومنافذ خدمية. ومع انطلاق رؤية المستقبل 2030 كان الاهتمام بأهم وأدق وأحدث المعايير، بمتابعة من سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حفظه الله، في تفاصيل عديدة نستعرض منها:
تجهيز المسجد النبوي بأعلى وأحدث التقنيات: تم تجهيز المسجد النبوي بأنظمة ذكية للتحكم في الإضاءة والتهوية والتبريد والصوت والمراقبة والإنذار والإطفاء، وكذلك بشاشات عرض ومؤذنات ومكبرات صوت ومساعدات سمعية وكاميرات واي فاي ومنافذ شحن وخدمات إلكترونية تسهل على الزوار والمصلين الاستفادة من الخدمات المتوافرة.
ومن بين التقنيات المستخدمة في المسجد النبوي في السنوات الأخيرة، نذكر ما يلي:
- الطاقة المتجددة التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله لتوفير طاقة مستدامة للمسجد النبوي وللمنطقة المركزية، وذلك باستخدام توليد الكهرباء من خلال الألواح الشمسية المثبتة على أسطح المظلات والمباني المحيطة بالمسجد. وتساهم هذه التقنية في استخدام مصادر الطاقة المتجددة والحد من الانبعاثات الضارة.
- تقنية الإنارة الذكية، والتي تستخدم لتوفير الإنارة المناسبة للمسجد والساحات والمصليات والمسارات على حسب الحاجة والوقت. وتعمل هذه التقنية على توفير الطاقة والمحافظة على البيئة.
- تقنية التبريد الهجين، والتي تستخدم لتبريد الساحات والمصليات الخارجية بالمياه المبردة والرذاذ الناعم، مع الاستفادة من الرياح الطبيعية والتهوية الميكانيكية. وتهدف هذه التقنية إلى تحسين درجة الراحة الحرارية للمصلين والزوار في ظل المناخ الحار.
- تقنية البث الرقمي، والتي تستخدم لنقل الصوت والصورة من المسجد النبوي إلى العالم أجمع بجودة عالية وبدون تشويش. وتمكن هذه التقنية المسلمين من مختلف البلدان من متابعة صلوات وخطب ودروس ومحاضرات المسجد النبوي.
تقديم الخدمات الصحية والإنسانية: تم توفير عدد من العيادات والمستشفيات والمراكز الصحية في محيط المسجد النبوي لتقديم الرعاية الطبية والوقائية والعلاجية للزوار والمصلين، وكذلك تم توزيع ماء زمزم وتوفير المظلات والكراسي لراحة المصلين.
الحفاظ على التراث والهوية الإسلامية: تم الحفاظ على التصميم العمراني والفني والزخرفي للمسجد النبوي، وبالنسبة للمواقع التاريخية التي تحيط به فقد تم ترميم وتجديد بعضها وتحويلها إلى متاحف ومراكز ثقافية وتوعوية تعرض تاريخ المسجد النبوي والمدينة المنورة والحضارة الإسلامية، وتم تنظيم جولات مرشدين ومحاضرات ودورات وورش عمل ومسابقات، وأنشطة تثقيفية للزوار والمصلين.
ومن المشاريع الترميمية في المسجد النبوي في بنائه القديم ترميم الجدار القبلي بكامل تكويناته الزخرفية الأثرية التي يعود عمرها الزمني إلى أكثر من 170 سنة، وذلك بإزالة الدواليب الخشبية التي كانت تغطي الجدار وإعادة أعمال الترميم لوضعها الطبيعي بأعلى مستوى من المعايير الفنية، وذلك للحفاظ على القيمة التاريخية لأحد مكونات وتراث وتاريخ المسجد النبوي تماشياً مع توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهد الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله.
ومن الناحية الإدارية والتنظيمية، وفي إطار تطوير الخدمات المقدمة للحرمين الشريفين، وزيادة كفاءة الإدارة والتنسيق بين الجهات ذات العلاقة؛ أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز مرسوماً ملكياً بتحويل الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي إلى الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، متمتعة بشخصية اعتبارية، وباستقلال مالي وإداري، وترتبط تنظيمياً بالملك، وتتولى اختصاصات ومهمات وأعمال خدمات التشغيل والصيانة والتطوير المتصلة بالمسجد الحرام والمسجد النبوي، كما تقام المشاريع التطويرية من متاحف ومعارض في المنطقة المركزية المحيطة بالمسجد النبوي لتحقق إثراء تجربة الزائر وفق رؤية المملكة 2030 في جعل الحرمين الشريفين مثالاً عالمياً لتقديم أفضل الخدمات لضيوف الرحمن ورفع مستوى التنمية الحضارية للمدينتين المقدستين.