تحتل القداسة عنصراً أساسياً محورياً في كل الأديان، ويحتاج المجتمع البشري من أجل الاستقرار، والتواصل المحترم إلى (مساحات مقدسة) سواء كانت معنوية أو مادية، ومن أهم المقدسات المادية تلك التي تتعلق بـ(الفضاء المكاني).
وفي الإسلام تعتبر الأماكن الثلاثة الآتية من أقدس المقدسات التي تحتفظ برمزيتها الكثيفة، ومكانتها العميقة: المسجد الأقصى، الكعبة، المسجد النبوي، وترتبط بها أعظم العبادات، ولذا فإن الحسنات فيها مضاعفة، كالسيئات!
وكم تحفك المشاعر البهية لا إرادياً كلما تنسمتَ هواء تلك البقاع المقدسة، وتصعد روحك نحو المعالي وكأنها تهفو إلى ربها فوق السماوات، وأنت تستقبل أريج الحرمين مع وفود المؤمنين من كل فج عميق، وكأني بك ترتل أبيات الشاعر حسن عبدالله القرشي -رحمه الله- في قصيدته عن مكة:
وفيها انجلى الحق للعالمين
وفاض الضياء بها وانتشرْ
بها كعبة الله طافت بها
قلوبٌ تحنُّ، وأزهت عُصُرْ
هيا (جبل النور) كم ذا شهد
ت من المعجزات، وكم ذا ظهر
تحدّث، ففي (الغار) شعَّ اليقيـ
ـن وقد تُنطِقُ الذكرياتُ الحجرْ
لقد توالت جهود الأمة الإسلامية منذ أن خصها الله برعاية الحرمين الشريفين حتى عهد الأسر الملكية المباركة آل سعود، فأصبح التحول التاريخي في خدمة الحرمين الشريفين مشهوداً ماثلاً أمام العالمين!، ولم تكن صفة (خادم للحرمين الشريفين)، مجرد (لقب)، بل التزام حاسم أصبح عادة راسخة، وإرثاً من المجد المؤثل، فقد تنوعت الخدمات من التطوير، والترميم، إلى التوسعات المتكررة، مروراً بضمان أكرم استقبال لضيوف الرحمن! وعلى سبيل المثال لا الحصر:
أولاً: من عهد الملك عبدالعزيز -رحمه الله-:
جرى العمل على صحن الطواف والمسعى وجميع أروقة وجدران ومآذن وقبب الحرم المكي الشريف، وإصلاح الحجر المفروش على مدار المطاف، وإصلاح أرض الأروقة، وترميم وترخيم عموم المسجد وتجديد الألوان، وإزالة كل ما به تلف، كما تمت إزالة الحصباء القديمة واستبدالها بأخرى جديدة، وأضاف باباً جديداً للكعبة المشرفة، وتمت إضاءة المسجد الحرام بالكامل ووُضعت فيه المراوح الكهربائية.
ثانياً: عهد الملك سعود بن عبدالعزيز -رحمه الله-:
تمت إزالة مجموعة من العقارات المجاورة للحرم بعد تعويض أصحابها ليكمل ما بدأه والده في عمل التوسعة للحرم المكي الشريف، وكان من ضمنها بناء ثلاثة طوابق للمسجد وطابقين للمسعى وتوسعة صحن الطواف وتوسعة المطاف، وتم إنشاء الطرق التي تؤدي للحرم بعد تعبيدها وأهمها الشارع الذي يلي المسعى.
ثالثاً: عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله-:
تم تعديل البناء القائم على مقام إبراهيم ليتّسع صحن الطواف ووضع المقام في غطاء بلوري، وذلك عام 1387هـ فقد أمر -رحمه الله- بنقل مصنع الكسوة إلى موقعه الجديد، وخصص له دعماً خاصاً.
رابعاً: عهد الملك خالد بن عبدالعزيز -رحمه الله-:
شهد صنع باب جديد للكعبة وذلك عام 1397هـ، وآخر لباب السلام إلى سطح الكعبة من الذهب الخالص، وأسس أول برنامج صيانة ونظافة للمسجد الحرام.
أما بالنسبة للمسجد النبوي فقد تمت في عهد الملك خالد -رحمه الله- أعمال التوسعة الثالثة وكان من أسبابها أن وقع حريق كبير في منطقة مجاورة للحرم اسمها (القماشات) فمسح المكان كاملاً وتم تعويض أصحاب العقارات الموجودة فيه وضمّت الأرض إلى ساحات المسجد النبوي.
خامساً: عهد خادم الحرمين الشريفين فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله-:
تميّز هذا العهد بطفرة نوعية في الجهود المختلفة الخاصة بخدمة الحرمين، واتخذ الملك فهد لقب (خادم الحرمين الشريفين) وسام شرف واعتزاز، وكان أول مشروع من مشاريعه توسعة الحرمين الشريفين، فاهتم بتعبيد الطرق وإنشاء الأنفاق وإقامة الجسور وتوفير المياه المبردة والمستشفيات المتنقلة في كل مكان ووسائل الاتصالات الحديثة ووسائل النقل المريحة المكيفة وتسهيل إجراءات الدخول والمغادرة عبر بوابات المملكة البرية والبحرية والجوية، وأمر رحمه الله بتوسعة المسجد الحرام في مشروع يعدّ من أضخم المشروعات حتى أصبح المسجد الحرام يستوعب ما يقارب المليون ونصف المليون مصلٍ في مواسم الحج والعمرة ورمضان وكذلك تم تبليط سطوح الحرم والاستفادة منها لتكون للصلاة والطواف والسعي، وتبليط صحن الطواف بالرخام البارد، كما أمر -رحمه الله- بإنشاء خمسة سلالم كهربائية بالمسجد لتسهيل الصعود والنزول إلى السطح والطابق الأول وبناء خمسة جسور علوية للدخول إلى الطابق الأول والخروج منه من جهة الشمال.
ولقد حظي المسجد النبوي الشريف بعناية الملك فهد -رحمه الله- حيث تمت توسعته في مشروع يعد من أكبر المنجزات للمسجد النبوي الشريف ففي شهر صفر من عام 1406هـ، بدأ العمل بمشروع خادم الحرمين الشريفين لتوسعة المسجد النبوي الشريف وعمارته مع ما يتبعه من ساحات ومواقف للسيارات تحت الأرض، ومحطات ومبانٍ للخدمات ليشكل أكبر توسعة في تاريخ مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليتوج مشاريع الخير التي اعتمدت في السنوات الأخيرة، وتضمن مشروع الملك فهد لتوسعة المسجد النبوي الشريف إضافة مبنى جديد على مبنى المسجد يحيط ويتصل به من الشمال والشرق والغرب.
سادساً: عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله-:
تم عمل أكبر مشروع تاريخي لتوسعة المسعى لتتضاعف مساحته أربع مرات، وكذلك تم توسعة صحن الطواف في عمل هندسي متميز، إضافة إلى مشروع جسر الجمرات الذي تم إنجازه بكفاءة وروعة وضخامة أذهلت كل من يراه، وكذلك إنشاء قطار المشاعر والذي ساهم في تنقلات الحجاج بين منى وعرفات ومزدلفة بشكل مرن وانسيابي، وكذلك أمر رحمه الله بافتتاح قناتين فضائيتين تنقل بشكل مباشر من الحرم المكي والحرم المدني ولمدة أربع وعشرين ساعة حتى يرى المسلمون في جميع أقطار العالم المسجدين اللذين تشتاق أنفسهم إليهما.
ولا يقل اهتمامه -رحمه الله- بالمسجد النبوي عن المسجد الحرام.
سابعاً: عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله-:
يستمر الاهتمام الكبير بخدمة الحرمين الشريفين في العهد الميمون الحالي، وقد أمر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- بإكمال جميع التوسعات في الحرم المكي والتي بدأت في عهد الملك عبدالله -رحمه الله-، مع الاهتمام بمشروع مظلات المسجد النبوي التي أمر بها -حفظه الله- وهي من المشروعات العملاقة، حيث جاء التوجيه بتصنيعها وتركيبها على أعمدة ساحات المسجد النبوي الشريف.
وتلك الجهود التي يشهد الحجاج والمعتمرون مدعومة بتطبيق أنبل أشكال الضيافة العربية المعهودة بطريقة تبعث في النفوس الاعتزاز بهذه الأمة العظيمة.
ونسأل الله أن يديم الاستقرار والازدهار للمملكة العربية السعودية، وأن تبقى فخراً خالداً للأمة الإسلامية.