تعد الرحلة، بوصفها فعل المضي في سفر ومسيراً وانتقالاً من مكان إلى آخر، قديمةً قدم الإنسان. إذ ما إن عصى آدم -عليه السلام- ربه حتى أنزل إلى الأرض في أول رحلة له. فأخذ منذ تلك اللحظة المفصلية في تاريخ البشرية يجوب محيطه القريب لاكتشافه. غير أنه سرعان ما تاق إلى اكتشاف محيطه الأبعد، فأنجز رحلات استكشافية عكست شغفه المعرفي وحبه للاستطلاع. وقد حفظت لنا رحلات كثيرة سجلها الرحالة المصريون القدماء. كما كان للفينيقيين رحلات بحرية كبرى. وعلى خطى الفينيقيين سار الإغريق الذين اهتموا بوصف ما مروا به من الممالك والبلدان، فقدموا معارف جغرافية قيمة ليكونوا أول من قال بكروية الأرض، وأسبق من قال إن خلف البحار والمحيطات أراضٍ مأهولةً. ولم يكن العرب أقل ولعاً بالرحلة. فقد عرف عنهم شغفهم الفطري بالتنقل بحثاً عن الماء والكلأ، أو الصيد، أو التجارة. وهذا كله محفوظ في بعض قصائد الشعر العربي، وبعض كتب اللغة، بل لم يغفل القرآن الكريم تلك التنقلات التجارية العربية مثلما أشار الله سبحانه إلى ذلك في سورة قريش. والثابت أن السبئيين كانوا أقدم العرب رحلةً. إذ كانت لهم رحلات ناجحة في البحر الجنوبي. بيد أن الرحلة بعد أن كانت مجرد نشاط حركي ملموس، وممارسةً حياتيةً من أجل البقاء، وسلوكاً إنسانياً حضارياً يؤتي ثماره النافعة على الفرد وعلى الجماعة، إذ ليس الشخص بعد الرحلة هو نفسه قبلها، وليست الجماعة بعد الرحلة هي ما كانت عليه قبلها. صارت الرحلة نصاً قصصياً، وإن لم تتوافر فيه عناصر القصة، ذلك أن بنية السفر تمنع سرد الرحلة من جمع أجزاء الخطاب في وحدة حكائية واحدة، فضلاً عن أن هيمنة خطاب الوصف فيها يجعلها من المؤلفات الوصفية غير القائمة على الحبكة، بالإضافة إلى مرجعية الشخصيات والأطر والأحداث؛ الأمر الذي يخرج الرحلة من دائرة الخطابات السردية بسبب افتقارها إلى التخييل. فقد حرص بعض الرحالة، في جميع أصقاع العالم على توثيق تنقلاتهم. وفي تلك اللحظة التي تحول فيها فعل الارتحال من حدث سفر واقعي يحتضنه إطاران: زماني ومكاني، إلى فعل سفر محكي يدون تجربة فعل السفر الواقعي في شكل سرود بضمير المتكلم، وجدنا أنفسنا أمام جنس أدبي خلاسي (يقوم على سرد قصصي يضمنه الكاتب الرحالة مشاهداته وانطباعاته في البلاد التي يزورها، وهي تقوم على وصف الطبيعة الجغرافية، أو نبذ عن التاريخ، أو عادات الناس وتقاليدهم وأنماط عيشهم وتفكيرهم، وهذه الأمور تكون في بعض الأحيان مرجعاً وثائقياً مهماً، وموضوعاً للدراسات المقارنة في مختلف المجالات الفكرية الأدبية الحياتية).
مكة قبلة الرحالة
لما كانت مكة أم القرى، وقبلة المسلمين، ومهبط الوحي، وموضع القداسة، فقد استأثرت باهتمام الرحالة العرب، المشارقة منهم والمغاربة الذين وثقوا رحلاتهم إليها. ولئن كان الاهتمام بها من قبل الرحالة المسلمين قديماً وحديثاً أمراً مفهوماً، فإن ما يثير الانبهار هو ما حظيت به من اهتمام الرحالة الأجانب الأوروبيين الذين شكلت بالنسبة إليهم مكاناً غامضاً ومجهولاً ومليئاً بالأسرار، الأمر الذي أثار دهشتهم وحرك فيهم الفضول والرغبة في استكشاف مجاهل هذا المكان الذي ظل يبهرهم بألغازه، وهو ما يفتح الباب أمام الحديث عن نصوص المستشرقين الرحلية التي كانت (أم القرى) و(مركز الكون) قبلتها.
مراد هوفمان ورحلة البحث عن معنى الحياة
تندرج رحلة مراد هوفمان (1931 - 2020) Murad Hofmann إلى مكة المكرمة أولاً في إطار استكمال مراحل اعتناقه الإسلام ديناً في الخامس والعشرين من سبتمبر لسنة ثمانين وتسعمائة وألف (1980) وهو التاريخ الذي نطق فيه الشهادتين في المركز الإسلامي بكولونيا، واختار لنفسه من بين الأسماء الإسلامية اسم (مراد)، حتى يكون الاسم محملاً بدلالة سيميائية واضحة هي بلوغ المراد في رحلة بحث عن المعنى توجت في نهايتها سنوات طويلة من التفكير العميق والدراسة المقارنة بين حضارة الغرب وقيمه من ناحية، والإسلام وفلسفته وإنجازاته الحضارية من ناحية أخرى باتخاذ (الإسلام كبديل). كما تتقدم رحلة الديبلوماسي الألماني بوصفها شهادةً واقعيةً ميدانيةً على المضمون الإنساني والأخلاقي الكوني للمنظومة الإسلامية، وهو مضمون تعرف عليه لأول مرة فوق الأراضي الجزائرية، عندما عمل ممثلاً للقنصلية الألمانية بالجزائر خلال عامي 1961 / 1962. ولا يخفى على أحد أن تلك الفترة من تاريخ الجزائر فترة ساخنة جداً شهدت استماتة الجزائريين في مناهضة الاستعمار من جهة، ووحشية تشكيلات المستوطنين المعروفة باسم (منظمة الجيش السري) ضد المدنيين العزل من ناحية أخرى. وفي أتون هذا الصراع، اكتشف هوفمان حقيقة تهاوي الإنسانية الغربية، وصعود إنسانية أكثر إشراقاً مثلها الشعب الجزائري ومجاهدوه وجسدها موقف سائق السيارة الجزائري الذي اقترح أن يتبرع بالدم لإنقاذ زوجة الدبلوماسي المجهضة، وأكدتها رحلته إلى مكة والمدينة المنورة التي وثقها وسردها في كتابه الموسوم (رحلة إلى مكة).
(رحلة إلى مكة).. دليل عملي للطريق إلى الإسلام
يتكون كتاب (رحلة إلى مكة)، الذي ألفه هوفمان بعد كتابه الذي أثار ضجةً (الإسلام كبديل)، من اثني عشر فصلاً افتتحها بفصل وسمه (الرحلة إلى مكة) وأنهاها بفصل وسمه (العدو: الإسلام)، وخصصها لتناول أركان الإسلام الخمسة بدءاً بالحج. ومن ثمة كان الكتاب رحلتين، رحلةً جسديةً إلى مكة، وهي التي سنعتني بها فيما سيأتي، ورحلةً نفسيةً إلى الإسلام من خلال الخوض في أركانه (الصلاة، الصوم، الزكاة) وأوامره ونواهيه (الخمر) وآدابه في السلام والطعام، وعوائق اعتناقه وممارسته.
(الرحلة إلى مكة).. السرد في خدمة (أم القرى).
جاء الخطاب الرحلي في هذا الفصل الأول من كتاب هوفمان خاضعاً للتسلسل البنائي والزمني الطبيعي، إذ بدأ السرد من مطار الدار البيضاء، نقطة انطلاق الرحلة، ثم استمر متصاعداً حتى بلغ سرد حدث الوصول إلى جدة، ومنها إلى المدينة المنورة حيث أصبح الإسلام ديناً ودولةً، ثم منها إلى جدة مرةً أخرى، حيث سيؤدي هوفمان مناسك الحج، ويسرد أطوارها مرتبةً، وانتهى السرد بمرحلة القفول.
وقد حرص هوفمان، في كل مرحلة من هذه المراحل السردية على الوقوف عند كل ما من شأنه أن يكون دليلاً عملياً على إنسانية الإسلام، وقداسة بيت الله الحرام، وهي قداسة لا يحققها حلول الحجاج بأرض الله الحرام، لأنها تحضر في جميع مراحل الرحلة بما في ذلك مرحلة الانطلاق ومرحلة القفول. ففي مرحلة الانطلاق، وجد هوفمان، سارد هذه الرحلة الحجية بضمير المتكلم المفرد الذي يدعمه ضمير المتكلم الجمع، في جملة اختلال التوازن المتمثل في تأخر (طائرة الجامبو التابعة للخطوط الجوية السعودية) فرصةً لينقل إلى قارئ نصه ردود فعل الحجاج السمحة التي جاءت تجسيماً حياً لقوله تعالى: (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب) (البقرة: 197). وقد قاده هذا الوصف النفسي الأخلاقي فيما بعد إلى استنتاج يتعلق بسلوك المسلم المتحضر المجافي لكل أشكال الإفساد في الأرض قولاً (الجدال والخلاف) وفعلاً (جرح شخص، قلع نبات، قتل حتى بعوضة).
وبالعودة إلى التوازن، انطلقت الرحلة، ولأن هذه المرحلة من مراحل النصوص الرحلية توسم بضمور السرد، إذ الواصف مثبت في كرسي الطائرة لا يتحرك، والوصف، إذ ليس للعين الواصفة ما تلتقطه والطائرة سابحة في الفضاء، فقد التقط هوفمان معطى سمعياً هو صوت القرآن المنبعث من مضخمات صوت الطائرة. ثم حمله هذا المعطى على التعليق عليه من خلال المقارنة التي أقامها بين المألوف من سماع الموسيقى التي وصفها هوفمان بالمخدرة والخشوع الناجم عن سماع القرآن في هذه الرحلة الحجية الإسلامية. ويعد انبهار هوفمان بهذا المعطى منطقياً في جنس أدبي يعتني فيه السارد الواصف بنقل كل ما لم يعتده في ثقافته الأصلية. ثم، والرحلة تقارب على نهايتها وصف هوفمان لقارئه حالة الإشعاع التي اتسمت بها الطائرة عندما ارتدى الحجاج لباس الإحرام الأبيض: «فلم تلبث مقاعد الركاب أن أشرقت في الحال، وتلألأت ببياض مبهر»، غير أنه لم يكتف بالوصف، وإنما تجاوزه إلى تحليل دلالات هذا الثوب وأهمها تذويب الفروق العمرية (كبير وصغير) والاجتماعية (فقير وغني) والعضلية (ضعيف وقوي) والعقلية (بسيط وذكي) وتحقيق المساواة في الوقوف بين يدي الرحمن، وتذكير الإنسان بالخاتمة (الموت).
ولئن كان النمط الخطابي في هذه المراحل المذكورة يميل إلى التعليقات بسبب ضمور السرد والوصف فيها، فإن مرحلة الحج مثلت مادةً سرديةً وبصريةً غزيرةً ينطلق منها الواصف ليغنيها بمجموعة من الروافد والمعلومات والتحاليل والاستنتاجات. ومن أمثلة ذلك، وصف هوفمان للكعبة إذ يقول عنها «الكعبة مكعب مجوف خالٍ تماماً مبني بأحجار ضخمة. إنها صورة معمارية لكمال بيت الله في أبسط صورة»، وبهذا الوصف يؤكد هوفمان ما تتميز به العقيدة الإسلامية من وضوح وبساطة، وخلوها من التعقيد الذي يكتنف عقائد ومذاهب أخرى.
وقد يكسر هوفمان التسلسل الخطي للأحداث، ويعود إلى الماضي في شكل ومضات ورائية يعرض من خلالها تاريخ المكون الموصوف تأكيداً على عراقته وقداسته وحفراً فيما يختفي خلف سطحه من تأويلات ودلالات عميقة من قبيل استعادة تفاصيل وضع الحجر الأسود، أو بئر زمزم. وهي تفاصيل تكشف عن حكمة أنبياء هذه المنطقة من العالم، وصبرهم وأناتهم وعقلانيتهم.
خاتمة
لقد نجح هوفمان في جعل السرد وتقنياته آليةً من آليات تجسيد المسلمة التي آمن بها، ونقصد بها النظر إلى الإسلام بوصفه بديلاً قادراً على تقديم الإجابات وحل المشكلات التي تقف، عاجزةً أمامها، الديانات الأخرى. وهكذا كانت رحلته إلى مكة دليلاً عملياً للطريق إلى الإسلام الذي أحبه هوفمان، واعتنقه مخلصاً لله.
يذهب كراتشكوفسكي إلى القول: «إنه قد أثار اهتماماً بالغاً بسبب تنوعه وغنى مادته، فهو تارةً علمي، وتارةً شعبي، وهو طوراً واقعي وأسطوري على السواء، تكمن فيه المتعة كما تكمن فيه الفائدة، لذا فهو يقدم لنا مادةً دسمةً، متعددة الجوانب».