ربما كان من الطبيعي أن تحرص الشعوب والأمم والثقافات على رعاية مكونات هويتها ورموز كينونتها، وربما كان طبيعياً أيضاً أن ينهض بذلك الأفراد والمجموعات والمؤسسات الرسمية، لكن اللافت للنظر بالنسبة للمقدسات الإسلامية أنها تتمركز أساساً في المملكة العربية السعودية باعتبارها محضناً للحرمين الشريفين المكي والنبوي، وباعتبار تشريفها أرضاً وشعباً وقيادة تاريخية، بواجب الرعاية والحماية والخدمة، منذ أقدم العصور، حتى تباشير ظهور الإسلام في أطهر بقاع الأرض وأقدسها، عندما اصطفيت من دون أصقاع الدنيا منزلاً للرسالة المحمدية، ومنطلقاً لانتشار الإسلام في شتى أرجاء المعمورة. فكان الحرص على القيام بواجبات السدانة والسقاية والرفادة، جيلاً بعد جيل وصولاً إلى قيام الدولة السعودية منذ التأسيس حتى عصرنا الحاضر.
لقد تتالت هذه الجهود الجبارة في رعاية المقدسات الإسلامية على مر العصور والفترات والحقبات التاريخية، بدءاً من التأسيس على يد الملك المؤسس، مروراً بمن خلفه على رأس الدولة، حتى ارتباط الحكم بخدمة الحرمين الشريفين، فلقب الملك بـ(خادم الحرمين الشريفين). وتواصل هذا المشغل النبيل الذي يجعل رعاية المقدسات في مرتبة حكم الدولة السعودية وخدمة شعبها، بما أنهما ارتبطا ارتباطاً وجودياً.
إنها مسيرة طويلة لأكثر من تسعين سنة، بلغت ذروتها وتمام الوعي بأهميتها في الرؤية الإستراتيجية المستقبلية، رؤية المملكة السعودية (2030)، رؤية تضمنت جل عناصر النهضة والتقدم والبناء في سبيل النماء والازدهار وإيجاد الحلول وتصور المستقبل في كافة أبعاده ومناحيه، من ضمنها تواصل جهود رعاية المقدسات وبرامج توسعة الحرمين، حتى تسع حشود المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها، ضماناً لأداء الشعائر في أبهى الظروف وأحسنها، تسهيلاً للتنقل وتوفيراً للسكن وتذليلاً لصعوبات الحج والعمرة والزيارة بمختلف أنواعها.
فكانت الجهود لتوفير النقل وتعصيره بين المشاعر المقدسة وكانت إنجازات توفير الإقامات والمساكن، وكانت الرعاية الصحية المتطورة الحديثة وكانت الجهود كبيرة جبارة لتوفير الأمن بمختلف أبعاده، في ظل قيادة رشيدة تحرص على توازي الأبعاد، البعد التنموي والبعد الاقتصادي والبعد الاجتماعي والبعد الثقافي المعرفي والبعد الديني وغيرها، قيادة تتحمل أوزاراً وتنبري لخدمة المسلمين من السعودية ومن كل بقاع الأرض حتى تسهل لهم القيام بالفروض الدينية وإتيان الواجبات لإتاحة الفرصة لأكبر عدد ممكن من المسلمين لأداء فريضة الحج والعمرة والزيارة على أكمل وجه، والعمل على إثراء تجربتهم من خلال تهيئة الحرمين الشريفين وتحقيق رسالة الإسلام العالمية للتمتع بأفضل الخدمات قبل زيارة مكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة وبعدها وأثناءها، باعتبارها منارات علم وتعليم، وتحقيق التوازنات، في بلاد أنعم الله عليها بكل الخيرات ومن أهمها أن كانت مهبط الوحي ومقصد أفئدة المسلمين، تشد إليها الرحال والنفوس مطمئنة إلى أهلها ودولتها في تحقيق الانتظارات وبلوغ الغايات.
انطلق كل ذلك عبر عصور الدولة السعودية الحديثة، فتوالت البرامج والتحسينات والإنجازات وأشغال التوسعة وبرامج الرعاية الصحية والاجتماعية والأمنية وتراكمت حتى بلغت ذروة الوعي بها في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله ورعاهما ومكن لهما وأعانهما على قيادة المسيرة المظفرة، مسيرة البناء والنماء، مسيرة مبنية على الاستشراف وابتكارات برامج التطوير والتحديث، في كنف فلسفة تتشبث بمقومات الهوية العربية الإسلامية من ناحية، وترنو إلى التحديث والكونية والإسهام الفاعل في مصير العالم.
ولن يكون ذلك ممكناً إلا بالاهتداء بالخطط الإستراتيجية والتشغيلية وفق برامج الرؤية ومراعاة أدلة السياسات والإجراءات المتعلقة بمنظومتي الحج والعمرة وبمواكبة رؤية المملكة في الاستفادة القصوى من التطور التقني والذكاء الاصطناعي في الخدمات المقدمة للحجاج والمعتمرين وقاصدي الحرمين الشريفين خصوصاً.
تتظافر عراقة الماضي وجدة الحاضر لتقدم الفلسفة الكامنة وراء هذه الإستراتيجيات والخطط والبرامج المرنة المتحركة التي تضع الآليات وتفصل اللبنات لبلوغ الغايات والمقاصد الكبرى وتتجمع أساساً في خدمة الإسلام النير، الإسلام باعتباره دين حياة يسعى إلى إرساء القيم الإنسانية النبيلة، قيم الحق والخير والجمال، لترسيخ ثقافة الاعتزاز بالذات، والوسطية والانفتاح والتكافل والتراحم ونشر ثقافة العمل والمبادرة والابتكار.
بكل ذلك وبغيرها من التحسينات الإنشائية غدت هذه المشاعر أيقونة معمارية، تحفة جمالية مبهرة بأضوائها وخصائص عمارتها وتزويقها لتجتمع العناصر الجمالية والعناصر الروحانية فتجعل زيارة البقاع المقدسة محجاً دينياً وراحة نفسية روحانية وسياحة اجتماعية وثقافية ومعرفية.
هكذا يرى الناس في أرجاء بلاد الإسلام جهود المملكة العربية السعودية، وهكذا يثمن المثقفون العرب وأصحاب العقل والحكمة والمتابعون للمسيرة الموفقة، مسيرة الإنجاز والبناء، مسيرة النماء والازدهار والاستشراف اللامحدود. طوبى للمسلمين بهذه الجهود، وطوبى لأهلنا في السعودية بهذا الحكم الرشيد، طوبى لهم بهذا الاحترام والتقدير وبانبهار الناس من كل حدب وصوب بجهودهم وبحكمة دولتهم ورشادها، بالمستقبل الوضاء في أبهى معانيه وأجمل صوره.