مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

سينما الرعب عربياً

لا تخلو ثقافات الشعوب من القصص المرعبة، وقد بدأ الإنسان منذ القدم في صناعة الأساطير التي تفسر الظواهر التي يعجز عن فهمها مثل (سيت) إله الشر عند المصريين القدماء، كما كان الرعب مادة خام للأدب في العالم كله.
وبعد بداية السينما بعام واحد صنع المخرج الفرنسي جورج ميلييه Georges Melies - أول فيلم سينمائي يمكن تصنيفه كفيلم رعب، عنوانه The Devil’s Castle عام 1896، لتتبعه كثير من أفلام الرعب على مدار تاريخ السينما.
وحققت أفلام الرعب نجاحات كبرى، على المستوى الجماهيري، كما تم الاعتراف بها كأفلام مهمة، حيث حصل فيلم الرعب Get Out، على جائزة الأوسكار كأحسن سيناريو أصلي 2018.
ورغم انتشار سينما الرعب ونجاحها في العالم إلا أنها مازالت غير متواجدة بقوة على الساحة السينمائية العربية، التي خلت من أفلام الرعب إلا من تجارب قليلة جاء كثير منها دون المستوى.
وكما كانت مصر هي الرائدة عربياً في مجال السينما، كانت كذلك أول بلد عربي ينتج فيلم رعب وهو (سفير جهنم) عام 1945، إخراج يوسف وهبي، وهو مقتبس من مسرحية (فاوست) للكاتب الألماني يوهان جوتة، التي تدور حول رجل يبيع نفسه للشيطان، والفيلم يحسب له التصدي لتلك المنطقة الشائكة في ذلك الوقت المبكر.
وبعد ذلك بعشر سنوات قدمت السينما المصرية فيلم (موعد مع إبليس)، من إخراج، كامل التلمساني، حول نفس الفكرة، وهو من الأفلام المميزة مقارنة بالوقت الذي أنتج فيه، لولا النهاية الساذجة.
وفي عام 1973 قدم المخرج يحيى العلمي فيلم (المرأة التي غلبت الشيطان)، عن قصة لتوفيق الحكيم.
وشهدت بداية الثمانينات من القرن الماضي محاولة إنتاج فيلم رعب استعراضي وهو (أنياب) للمخرج محمد شبل، ولكنه خرج بشكل ساذج، ثم كان فيلم (الإنس والجن) للمخرج محمد راضي عام 1985، ويعد من أهم أفلام الرعب المصرية في تلك الفترة، من حيث الفكرة وطريقة التنفيذ، التي كانت مقنعة رغم بساطتها، ويروي قصة فتاة أحبها واحد من الجن.
أما فيلم الرعب (التعويذة) فتم إنتاجه في عام 1987، وهو من إخراج وتأليف محمد شبل.
وفي التسعينات كانت هناك عدة تجارب لإنتاج أفلام رعب مصرية، مثل (الرقص مع الشيطان) إخراج علاء محجوب، و(قاهر الزمن) إخراج كمال الشيخ.
وفي 2008 عرض فيلم (كامب) المستوحى من الفيلم الأمريكي (الصرخة)، إخراج عبدالعزيز حشاد، وعرض في عام 2011 فيلم (عزازيل)، عن صراع الشيطان مع الإنسان.
ثم كان فيلم (الفيلم الأزرق) بجزئيه الأول والثاني لمروان حامد، والذي يعد أفضل فيلم رعب في تاريخ السينما المصرية الحديثة، بسبب الفكرة المحكمة والسيناريو المتماسك واستخدام تقنيات حديثة ملائمة لهذا النوع من الأفلام.
نجاح (الفيل الأزرق)، شجع المنتجين على إنتاج المزيد من أفلام الرعب، إلا أنها لم تكن على نفس المستوى، بل غلب على معظمها الاستسهال مثل (الحارث)، و(122) و(جدران)، و(يوم 13)، و(التهويدة)، و(خان تبولا)، و(خط دم)، و(فيروس)، و(ريما)، و(عمار) الذي أثار موجة من السخرية عند عرضه في عروض منتصف الليل بمهرجان القاهرة.
أفلام الرعب من المحيط إلى الخليج
بعض الدول العربية الأخرى إضافة لمصر تصدت لتقديم أفلام الرعب، ومن بينها المغرب، حيث كانت البداية مع فيلم (صمت الليل) سنة 1996، من إخراج إدريس شويكة، الذي تلاه عدد من أفلام الرعب من بينها (هواجس بعد منتصف الليل) و(قنديشة).
وكان فيلم (مسكون) هو أول فيلم رعب لبناني، و حاز (على جائزة أفضل فيلم في مهرجان Jaipur International Film في الهند، كما أنتجت سوريا عدة أفلام رعب مثل (الصيد الملعون) و(حلم).
أما أول فيلم رعب تونسي فكان (دشرة) من تأليف وإخراج عبدالحميد بوشناق، وهو مقتبس من فيلم (مشروع الساحرة بلير)، وشارك بمهرجان البندقية 2018.
بعض الدول العربية حديثة العهد بالإنتاج السينمائي أيضاً أقدمت على إنتاج أفلام الرعب، وكان (الغرفة الخامسة) للمخرج ماهر الخاجة، هو أول فيلم رعب إماراتي عام 2008، تبعه عدد من الأفلام مثل (الجن) و(المجانين) و(المسكون) و(الظل).
أما أول فيلم رعب كويتي فكان (090) عام 2014 للمخرج ياسر الحيدري، ثم (منزل رقم 5) و (القصر).
وفي عام 2020 أنتجت السعودية أول فيلم رعب سعودي بعنوان (بونويرة)، ثم فيلم (كيان) عام 2022، وفي نفس العام أنتجت السعودية فيلم (جنون) للمخرجين معن بن عبدالرحمن وياسر بن عبدالرحمن، الذي فاز بجائزة أفضل مونتاج في مهرجان نيس السينمائي الدولي في فرنسا.
وبالنظر إلى الإنتاج العربي من سينما الرعب، سنكتشف بسهولة أن قليلاً منها هو الذي يمكن أن يطلق عليه تجارب واعدة، أما الغالبية العظمى من هذه الأفلام، فقد كانت تقليداً ظاهرياً فقط لأعمال غربية، دون وجود رؤية واضحة، أو تقنيات ملائمة لهذه النوعية من الأعمال، حتى أن كثيراً منها أصبح أقرب للكوميديا، وهناك فجوة كبيرة تفصل السينما العربية عن مثيلتها الغربية في هذا النوع من الأفلام، ليس فقط بسبب فارق التقنيات ولكن أيضاً بسبب الاستسهال وعدم ابتكار الأفكار.
ولا يختلف الأمر كثيراً في الدراما التليفزيونية التي تصدت لهذا النوع من المسلسلات، وإن كانت أفضل حالاً بسبب ظهور المنصات الرقمية في السنوات الأخيرة حيث أتاحت ظروفاً إنتاجية أفضل.
وقد كانت مصر أيضاً هي الرائدة في مجال مسلسلات الرعب، من خلال مسلسل (أبواب الخوف)، إخراج أحمد خالد 2009، ثم (ساحرة الجنوب) إخراج أكرم فريد، و(الكبريت الأحمر) من إخراج سيف يوسف، و(زودياك) إخراج محمود كامل.
ثم أنتجت منصة (نتفليكس) عام 2019 أول مسلسل عربي وهو (جِنّ) وهو مسلسل رعب أردني، من تأليف وإنتاج إيلان وراجيف داساني، وإخراج ميرجان بوشعيا وأمين مطالقة.
بعد ذلك أنتجت (نتفليكس)، مسلسل الرعب المصري (ما وراء الطبيعة)، المقتبس من رواية بنفس الاسم لأحمد خالد توفيق، إخراج عمرو سلامة، وتميز باختيار قصص تنتمي إلى أساطير عربية، مثل، (النداهة) و(لعنة الفراعنة)، وهو ما ساهم في نجاح المسلسل بين الجماهير العربية إضافة للظروف الإنتاجية التي وفرتها (نتفليكس)، وهي منصة ليست عربية.
هذا النجاح شجع منصة (شاهد) بعد ذلك على إنتاج هذا النوع من المسلسلات، مثل مسلسل (الزيارة) من تأليف مريم نعوم ومحمد عبدالكريم وإخراج أدولفو مارتينيز، و(البيت بيتي) تأليف أحمد عبدالوهاب وكريم سامي وإخراج خالد مرعي.
و(عندما يكتمل القمر)، تأليف علاء حمزة إخراج عمر الديني، وأخيرا (وعد إبليس)، تأليف توني جوردن، وأنجي لومان فيك، وإخراج كولين توج، ومن الملاحظ أن التأليف والإخراج وكذلك فريق المخاطر كلها عناصر ليست عربية، وهو فريق المخاطر الذي شارك في تنفيذ سلسلة أفلام (مهمة مستحيلة).
آخر مسلسلات الرعب العربية التي عرضت مؤخراً هو مسلسل (الغرفة 207)، من إنتاج (نتفليكس)، وهو كتابة تامر إبراهيم ومن إخراج محمد بكير ومستوحى من قصص منشورة للكاتب الراحل أحمد خالد توفيق، ورغم محاولات الإتقان، إلا أن المسلسل عابه تقديم قصص رعب شبيهة بالرعب الذي يقدم في الأعمال الغربية دونما خصوصية عربية.
وأخيراً، على صناع السينما والدراما التليفزيونية، إذا أرادوا النجاح في تقديم أعمال الرعب، أن يعملوا على إنتاج أفكار أصيلة تتناسب مع المجتمعات العربية، وتستفيد من التراث العربي الغني والأساطير العربية المتوارثة، ولابد من رفع مستوى الخدع السينمائية وتقنيات الجرافيك، إضافة لتدريب عدد كبير من الفنيين والفنانين من خلال ورش تدريبية مستمرة لاستخدام التقنيات الحديثة والمؤثرات الصوتية والبصرية.
ذو صلة