نعيش اليوم تحت سماء عصر يتَّخذ أسماء عديدة لكنها جميعها تخدم نفس المعنى وإن بطرُق مختلفة، نتحدث عن عصر الصورة، عصر الثورة العلميَّة التكنولوجيَّة، عصر ثورة المعلومات وعصور أخرى كثيرة معاصرة لما نتحدث عنه بطريقة ما. أحدث هذا التغيُّر الكبير في زمانيَّة المعاصرة نفسها، ولم تعُد للقواعد القديمة ذات السطوة التي امتازت بها، وحدث أن صارت كل الحدود سائلة بشكل غير مسبوق!
ولكي نفهم هذه العصور العديدة بطريقة معرفيَّة ونقارب حدود تأثيرها على الفن والأدب فذلك مما لا تسعه آلاف الصفحات، لذلك نختط مساراً مزدوجاً في هذا الموضوع كثيف التعقيد، نتطرَّق لما هو فني في حقل السينما ونحاول تتبع كيف صارت ثقافة الرُّعب وثقافة العنف وثقافة التخييل الهادف للتسلية غير النافعة والمرتبطة بأهداف خارج حدود الفن والأدب ومنحازة لأمور أخرى مثل الربح والإثارة الرخيصة واستغلال أوقات الفراغ في هدر غير مفيد.
قبل ظهور أوَّل فيلم ناطق (مُغني الجاز) (1927) كانت الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة قد قنَّنت صناعة السينما بتشريعات منظمة تمهيداً لبداية غزوها العالم عبر صناعة كبرى قادرة على إحداث فرق جذري في الوعي وفي المعرفة وفي طُرق تعلُّم الإنسان الأكثر سهولة ومتعة، بجانب احتفاظها بقيمة التسلية الضروريَّة في المجتمع ما بعد الصناعي. فمنذ أوَّل سابقة أمام القضاء الأمريكي في العام 1915، عندما حُكم على ألتروست أديسون بأنه غير شرعي من قبل محكمة إحدى الولايات، كان السبعة الأوائل في هوليوود – الأربعة الكبار: فوكس Fox، بارامونت Paramount ، وارنر Warner، مترو قولدن وير Metro Goldwin Myer، والثلاثة الصغار: كولمبيا Columbia، يونيفيرسال Universal، ويونايتد آرتيستس United Artists؛ على وشك تطبيق قواعد العالم الصناعي المقدَّسة على إنتاج وإخراج الأفلام بطُرق جديدة. وقد تقنَّنت هذه القواعد بشكل متلاحق جعل هذه الشركات العملاقة نفسها تتنافس على براءات الاختراع الجديدة المتَّصلة بهذه الصناعة كما حدث لاحقاً مع تقنية السينما سكوب في العام 1953، على سبيل المثال.
بدأت هوليود صناعة أشكال مبتكرة للهيمنة الثقافيَّة بواسطة هذه الصناعة النامية والمؤثرة في الوقت نفسه في ميدان الفن. أما في عصرنا الراهن فقد انفتحت هذه الصناعات على خيارات أخرى جديدة كالسينما المستقلة وسينما الفيديو الأقرب في تصنيفها النوعي إلى منتجات ثورة التواصل الجماهيريَّة أكثر من اقترابها من السينما كصناعة قادرة على مضاهاة الخيال بالواقع بأساليب مختلفة منها ما يهدف لتعزيز سيطرة الرُّعب والعنف والتنميط ومنها ما هو هادف لتعظيم متعة وفائدة الإنسان ذهنياً ونفسياً بطرق فنيَّة مدروسة وتقاليد مرعية ومتصلة بالفن والأدب لا قواعد شباك التذاكر.
أصبحت صناعة التسلية في عالم اليوم بعد انفجار وسائل التواصل الاجتماعي وتطوُّر شبكات الاتصال ذات أهداف عديدة مهمتها توجيه الأفكار بواسطة القصص المتقنة واختبار إمكانيات التأثير في الحس البشري وتوجيه الإدراك بشكل ضمني محكم الصُنع بغرض المتعة والإتقان في بعض الأحيان وبغرض الهيمنة وتوجيه حياة الإنسان بطرُق مدروسة في أحيان أخرى، فكما يقول عالم الاجتماع الأمريكي ألان تورين: «ما يميز الهيمنة على مختلف أنواعها، هو أنها تقدم نفسها وكأنها طبيعية، أي غير مفروضة».
انتقلت الصورة في عالم اليوم من مرحلة التأثير على الوعي بطرق جماليَّة إلى مرحلة التأثير على الإدراك، فقد لاحظ (جان بودريار) الدور الجديد للصورة في عصر ما بعد الحداثة ودفعه ذلك الأثر للتساؤل قائلاً: «هل يتجاوز الواقع الخيال حقاً؟ إذا بدا أنه يتجاوزه فعلاً، فلأنه امتصَّ طاقته ولأنه صار هو ذاته خيالاً، لا بل أن بوسعنا القول تقريباً: إن الواقع غيور من الخيال. إنَّه ضرب من المبارزة بينهما: من يصيرُ أكثر استعصاءً على التصوُّر على الآخر؟». لقد تغيَّرت طبيعة علاقة الواقع والخيال تغيُّراً كبيراً كما تشهد على ذلك موجات أفلام الخيال العلمي المتصدِّرة دور السينما لعقود والتي باتت كأنَّها فاقدة للمعنى والموضوع من فرط تكريسها لهذا النوع من الإنتاج السينمائي الشبيه بقصص السوبر مان التي غذت بها هوليود العالم مسبقاً. وقد اهتم الناقد (ستيفن كونور) بتحليل موجة أفلام الخيال العلمي لا سيَّما تلك التي تهتم بالمخلوقات الغريبة القادمة من كواكب أخرى، وعلى رأسها سلسلتا (حرب النجوم) Star War و(رحلة عبر النجوم) Star Trek ورأى أنهما تحملان معنى العزوف عن تقديم أي رؤية بصدد المشكلات الاجتماعيَّة الراهنة في الغرب وهو ما يعني الانفصام عن العالم بطريقة أو بأخرى. وقد أسمى بودريار ذلك التحوُّل الكبير الذي حدث للذائقة الفنيَّة عبر هذه المؤثرات العديدة بـ(نشوة الاتِّصال) The Ecstasy Of Communication وهو التعبير الذي يؤدِّي معنى المشاهدة الحسيَّة المطلقة التي ينتفي منها أي غرض غير المشاهدة.
سيظهر هذا المصطلح أيضاً في مسار مقاومة التوسُّع الكبير لانتشار شبكات الإعلام الجديد القائمة على مفاهيم حديثة نازعة نحو إعادة جدولة الوقت وإفراغ المحتوى الإعلامي من أي قيمة سوى قيمة المتعة المؤقتة القائمة على مفهوم استهلاكي سريع يمنح تقديراً أكبر للعابر وغير المهم، فقد ظهرت في كاليفورنيا محاولة لتأسيس مفهوم شبيه لمفهوم (أخلاقيَّة المتعة الطهوريَّة)، فمن جهة لا شيء يمنع الإنسان من الانجراف وراء الرغبة الذاتيَّة ضمن اقتصاد مجتمع تمَّ وصمه بأنَّه اقتصاد (ليبيدي) بحسب مصطلح ليوتار ويُطلق اسم (الاقتصاد الليبيدي) على الحياة التي يتم تعريف المجتمع فيها بأنه اقتصاد يستغل الرغبات والإحساسات ويطلقها وهو وصف ملائم للمجتمع الذي نعيش بين جنباته اليوم.
إن قصص الزومبي والمدن الخالية من الإنسان والمخلوقات المتحوِّلة صارت موضوعات مطروحة بقوة الهيمنة على نطاق السينما والتلفاز ووسائط التواصل الاجتماعي، وبالتالي صارت جزءاً من ثقافة الإنسان المعاصر بشكل أو بآخر، موجودة ومنتشرة لكنها لا تخدم هدفاً جدِّياً نحو نمو ورفاه وتطوُّر الإنسان، الشيء الذي يجعلها بالضرورة متهمة بأنَّها تُصنع لترويج الصمت عن كل ما هو جدير بالتناول في حياة الإنسان بما في ذلك صنعة الخيال الجيِّد التي توفرها خبرة الأدب والفن والسينما.