لمّا كانت العملية الإبداعية والأدبية بحثا في القضايا الراهنة التي تشغل الشعوب والمجتمعات كان لزاماً عليها أن تحاول الانطلاق من الواقع ووسائله التي تحركه، وذلك في صلة مباشرة بقضية الالتزام الأدبي ومدى استجابته للراهن والمعيش. ولعل هذا ما دفع شقاً من النقاد والباحثين إلى عقد الصلة بين مفهومين متلازمين بات الحديث عن واحد منهما استدعاء للثاني بالضرورة؛ وهما ثنائيتا الإبداع -بوصفه عمود العملية الإبداعية ومحركها-، والرعب (The horror) -بوصفه إحدى الآليات التي يجنح فيها الخيال (Fantasy)- في اتجاه عوالم بعيدة لا يمكن أن يُتيحها الواقع وحدوده.
ويظل السؤال المركزي في هذه اللعبة هو البحث في مدى أدبية النصوص المقترحة بين دفتي أعمال روائية متعددة بات الخوض فيها مسألة حتمية لا غنى عنها، خصوصاً أن مفهوم الرعب صار يطرح وفق أطاريح وأفكار روائية تؤثثها أحداث وتحركها فواعل داخل أطر زمانية ومكانية، الجامع الوحيد بينها المفارق والعجيب (Strange) والمرعب (Horrific) حتى. ورغم المسافة الفاصلة بين ما يطرح أدبياً وروائياً ومسرحياً ودرامياً... من جهة والواقع الذي نحياه من جهة أخرى؛ فإن هذه الرؤية تبقى بعيدة على أن تكون محدثاً في النص الإبداعي الناشئ؛ فجذورها ضاربة في القدم وتعود بنا إلى المراحل الأولى من الثقافة الشفوية، وصولاً إلى مدونة إبداعية مكتوبة غزيرة، ولنا أن نستدل على ذلك بعناوين روائية من قبيل رواية (العطر) للكاتب الألماني (باتريك روسكيند) أو رواية (مقابلة مع مصاص الدماء) للكاتبة الأمريكية (آن رايس)، أما عربياً فإن تاريخ هذه الأعمال نابع من مدونة عريقة قديمة متصلة بنشأة الخرافة والأمثال، مروراً بحكايات الأجداد، وصولاً إلى أعمال روائية حديثة مشهود لها بالتفرد والإبداع، كان لمفهوم الرعب العلامة الفارقة في شهرتها وانتشارها عربياً وحتى عالمياً من قبيل (حكايات الموتى) للروائي المصري (ثامر إبراهيم) أو رواية (نطعم اللحوم البشرية) لأحمد خالد مصطفى، وليست هذه العناوين إلا عينات تعكس مركزية مفهوم الرعب ومدى قدرته على أن يكون مادة إبداعية وربما توجهاً أدبياً مستقلاً بذاته يضاهي في أهميته تيارات من قبيل الوجودية أو التجريدية...
ومتى ولينا وجهتنا صوب الإجابة عن سؤال: هل يمكن اعتبار هذه الأعمال على اختلاف تصنيفاتها منجزات فنية وإبداعية، جاز لنا النظر إليها بعين حصيفة دقيقة تبحث في خباياها وأعماقها، فالثابت لدينا أن الحكم عليها يبقى في حاجة ماسة إلى دراية دقيقة بشعرية كل نوع فني منها، فمتى كان الحديث عن الرواية استدعينا المفاهيم النقدية للرواية وأهم المنظرين لها، خالصين إلى أن مفهوم الرعب يمكن أن يتجاور مع هذا الجنس الأدبي؛ فيخرج لنا أعمالاً فنية طريفة قوامها الاختلاف والمغايرة متوسلة في ذلك بأسلوب روائي قادر على شد انتباه القارئ وجعله مندهشاً مما يمكن أن يقدمه الرعب من مادة ترفيهية نقدية مَثَلُهُ في ذلك مَثَلَ بقية المقومات الروائية التي تبنى عليها الرواية. وليس بعيداً عن هذا الفن تطالعنا الأعمال السينمائية إعلاناً صريحاً عن إبداعية هذا المعطى، حيث توظَّف الأضواء والكاميرات والممثلون... وينطلق خيال المخرج فيفيض على عوالم مرعبة تستثير المتفرج فتحرك فيه مشاعر متناقضة، ولكنها تقف شاهدة في نهاية المطاف على إبداع أصحابها ومنتجيها.
إلا أن هذا التصور لا يمكن أن يكون خالياً من رؤية مضادة مشروعة تقف على نقيض ما قيل، خصوصاً فيما يتعلق بالجزء الثاني (المعروض)، إذ اتجهت أغلب الأعمال الدرامية نحو بعد تسويقي غايته استثارة القارئ بعيداً عن التفكير بمحتوى المادة المعروضة متجهة بذلك إلى نوع من (الخيال العلمي) الذي لا يمكن للعقل أن يتقبله بوصفه مادة إبداعية وفنية لها تصوراتها ومقوماتها.
وتأسيساً على ما قُدم جاز لنا القول إن القضية المطروحة تبقى مسألة ذوقية انطباعية وبخاصة ذاتية، تتصل باختيارات كل فرد منا وكل قارئ ومتفرج فهو الذي في وسعه أن يمنح صفة الإبداعية والأدبية لكل عمل انطلاقاً مع ما يتماشى مع ذائقته، ولكن ذلك لا يعني مطلقاً قدرتنا على الاتفاق حول جودة وإبداعية أعمال فنية دون أخرى.